LEAP26

شريحة ذاكرة خارقة تتحمل درجات حرارة تفوق حمم البراكين

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

4 د

الشريحة الجديدة تعمل بكفاءة عند 700 درجة مئوية، متجاوزة القيود التقليدية للحرارة.

الباحثون في USC يستخدمون غرافين لزيادة مقاومة شرائح الميمريستور للحرارة.

تهدف التقنية إلى تحسين الحوسبة للذكاء الاصطناعي وتقليل استهلاك الطاقة.

تمكن هذه الابتكارات من استخدام الإلكترونيات في البيئات القاسية مثل الفضاء وباطن الأرض.

التقنية لا تحب الحرارة. أي مهندس إلكترونيات يعرف أن رفع درجة حرارة شريحة سيليكون لبضع مئات من الدرجات كفيل بإنهاء عملها. لهذا ظلّت الحرارة العدو الصامت لمعظم الأجهزة، من الهواتف الذكية إلى الحواسيب وأنظمة السيارات. لكن فريقاً في جامعة جنوب كاليفورنيا يختبر اليوم حدوداً مختلفة تماماً لما يمكن أن تتحمله الذاكرة الإلكترونية.

في دراسة نُشرت في مجلة Science في مارس 2026، أعلن باحثو USC تطوير شريحة ذاكرة قادرة على العمل عند 700 درجة مئوية، أي أعلى من حرارة الحمم البركانية، ومن دون أن تُظهر مؤشرات انهيار. جهازهم لم يتوقف؛ بل معدات الاختبار هي التي بلغت حدّها الأقصى.


لماذا تسقط الشرائح في الحرارة؟

السبب ليس سحرياً. عند درجات حرارة مرتفعة تبدأ ذرات المعادن داخل الأقطاب الكهربائية بالهجرة عبر الطبقات العازلة، حتى تلتصق بالطرف الآخر وتُحدث قصراً دائماً في الدائرة. حينها تتحول الذاكرة إلى حالة تشغيل ثابتة غير قابلة للتحكم، عملياً شريحة معطوبة.

هذا السقف الحراري، الذي يدور غالباً حول 200 درجة مئوية لمعظم الإلكترونيات التقليدية، وضع قيوداً صارمة على تصميم المعدات الصناعية، أنظمة الحفر العميق، المسابير الفضائية، وحتى بعض مكونات السيارات.


غرافين يكسر الحلقة الأضعف

الحل الذي طوّره الفريق يقوم على مكوّن يعرف باسم الميمريستور، وهو عنصر نانوي يجمع بين التخزين والحوسبة في آن واحد. البنية بسيطة شكلياً: تنغستن في الأعلى، أكسيد الهافنيوم في الوسط، وطبقة غرافين أحادية الذرة في الأسفل.

المفارقة أن السر لم يكن في مقاومة الحرارة فقط، بل في الكيمياء السطحية. الغرافين لا يمنح ذرات التنغستن مكاناً لتستقر. لا يوجد “مرسى” يمكن للذرات أن تتشبث به، وبالتالي لا يحدث القصر الكهربائي الذي يُنهي عمر الجهاز.


سبعمئة درجة لم تكن حدّ الجهاز، بل حدّ معدات القياس.

  • احتفظت الذاكرة بالبيانات لأكثر من 50 ساعة عند 700 درجة.
  • تحملت أكثر من مليار دورة تبديل في نفس الظروف.
  • عملت بجهد منخفض نسبياً يبلغ 1.5 فولت.

أكثر من ذاكرة: بعد حوسبي للذكاء الاصطناعي

أهمية الميمريستور لا تتوقف عند التخزين. هذا النوع من العناصر قادر على تنفيذ عمليات ضرب المصفوفات مباشرة عبر قوانين الفيزياء، مستفيداً من قانون أوم، حيث يتحول التيار الناتج إلى نتيجة رياضية. في عالم تعتمد فيه نماذج الذكاء الاصطناعي على مليارات عمليات المصفوفات في الثانية، يصبح الفرق في استهلاك الطاقة والزمن بالغ التأثير.

بدلاً من تنفيذ العمليات بشكل تسلسلي داخل معالج رقمي، يمكن إجراء الحساب بشكل متوازٍ على مستوى العتاد نفسه. هذا ما يُعرف بالحوسبة التقريبية أو الحوسبة داخل الذاكرة، وهي مقاربة تتجه إليها شركات الرقائق لتقليل استهلاك الطاقة وتسريع معالجة البيانات.


سيناريوهات لم تكن ممكنة

الفضاء أول المستفيدين المحتملين. سطح كوكب الزهرة مثلاً يقترب من 460 درجة مئوية، وهو ما أدى إلى فشل معظم المهمات هناك خلال ساعات قليلة. شريحة تتحمل 700 درجة تعني إمكانية تشغيل أنظمة استشعار ومعالجة بيانات مباشرة على السطح، من دون دروع تبريد ضخمة.

في باطن الأرض، حيث يزداد الاعتماد على الطاقة الحرارية الجوفية، يمكن لإلكترونيات تتحمل الحرارة أن تعمل قرب الصخور المتوهجة. وحتى في الاستخدامات اليومية، فإن شريحة مُصممة لتحمّل 700 درجة ستكون شبه منيعة في بيئات السيارات أو المصانع حيث قد تتجاوز الحرارة 125 درجة لفترات طويلة.


الحدود الواقعية قبل الحلم الكبير

ورغم الجاذبية الواضحة للتقنية، فإنها تمثل خطوة أولى. الذاكرة وحدها لا تكفي لبناء حاسوب كامل مقاوم للحرارة. ثمة حاجة إلى دوائر منطقية ومعالجات وبنية متكاملة تتحمل نفس الظروف. كما أن النماذج الحالية صُنعت في المختبر وعلى مقاييس دون ميكرونية، ما يعني أن التصنيع واسع النطاق ما يزال تحدياً.

ذو صلة

مع ذلك، اختيار مواد مثل التنغستن وأكسيد الهافنيوم يمنح المشروع أفضلية؛ فهما بالفعل جزء من سلاسل تصنيع أشباه الموصلات. يبقى الغرافين، الذي بدأ يشق طريقه تدريجياً إلى خارطة مصانع الرقائق، العنصر الذي سيحدد سرعة التحول من إنجاز بحثي إلى منصة صناعية.

أحياناً تأتي الاكتشافات بالصدفة، لكن قيمتها الحقيقية تظهر عندما تتحول المصادفة إلى فهم ذري دقيق يمكن البناء عليه. شريحة تتحمل حرارة الحمم ليست مجرد رقم قياسي حراري، بل إشارة إلى أن حدود الإلكترونيات لم تعد تقف عند عتبة السيليكون. إنها تلميح هادئ إلى أن الحوسبة قد تغادر قريباً بيئاتها المريحة، لتعمل حيث لم يكن من الممكن تشغيلها من قبل.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة