قوائم أراجيك

شريحة زجاجية من مايكروسوفت تعد بحفظ البيانات لمدة 10000 عام

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

تقترح مايكروسوفت شريحة زجاجية لتخزين البيانات لعشرة آلاف عام.

تعتمد تقنية Project Silica على نقش البينات باستخدام الليزر داخل زجاج البوروسيليكات.

توفر الشريحة وسيلة أرشفة صامتة بلا حاجة للطاقة أو الصيانة.

تنوي استخدام الشريحة في الأرشيفات الوطنية والمتاحف لحماية المحتوى الرقمي.

تركز الآن على تحسين سرعة وكفاءة إنتاجها لتصبح قابلة للتوسع الصناعي.

لطالما حفظ الإنسان ذاكرته على ما تيسّر من مواد. من ألواح الطين إلى الورق ثم الأقراص الصلبة، كانت الفكرة واحدة: أن نترك أثراً يصمد أمام الزمن. اليوم، تقترح مايكروسوفت وسيلة جديدة قد تعيد تعريف مفهوم الأرشفة الرقمية، شريحة زجاجية قادرة على تخزين تيرابايتات من البيانات لمدة قد تصل نظرياً إلى عشرة آلاف عام.


شريحة زجاجية بدل الأقراص المتآكلة

المشروع الذي يحمل اسم Project Silica يعتمد على تعديل الزجاج باستخدام ليزر فمتوثانية شديد الدقة. بدلاً من تخزين البيانات مغناطيسياً كما تفعل الأقراص الصلبة أو الأشرطة، يتم نقش المعلومات داخل طبقات ثلاثية الأبعاد من زجاج البوروسيليكات، وهو نفس النوع المستخدم في أدوات المطبخ المقاومة للحرارة.

الفارق الجوهري هنا أن البيانات لا تُحفظ كسطح قابل للمسح أو التلف، بل كتغييرات فيزيائية دقيقة داخل المادة نفسها. هذا يجعلها محصنة نظرياً من التدهور التدريجي الذي يطال وسائط التخزين التقليدية، ومن الهجمات البرمجية التي قد تعبث بالمحتوى الرقمي.


تقنية متعددة الأبعاد

على المستوى التقني، تعتمد Silica على ما يُعرف بـ phase voxel، أي تسجيل البيانات عبر اختلافات طور الضوء داخل نقاط ثلاثية الأبعاد. كل “نبضة” ليزر ترسم وحدة بيانات داخل الزجاج، ما يسمح بتكديس مئات الطبقات في شريحة واحدة بسماكة لا تتجاوز مليمترين تقريباً.

في التجربة المنشورة في دورية Nature، سجّل الباحثون 301 طبقة، لكن السعة النظرية للشريحة تصل إلى 4.8 تيرابايت. هذا يعني القدرة على تخزين نحو مليوني كتاب مطبوع أو آلاف الأفلام فائقة الدقة على قطعة زجاج صغيرة يمكن وضعها في راحة اليد.


أرشفة بلا صيانة

الرهان الحقيقي للمشروع ليس السعة فقط، بل مفهوم “الإهمال الحميد”. أي إمكانية وضع الوسيط على الرف وتركه دون حاجة إلى طاقة أو صيانة مستمرة. في زمن تعتمد فيه مراكز البيانات على تبريد دائم واستهلاك هائل للكهرباء، تبدو فكرة التخزين الصامت لآلاف السنين تحوّلاً في فلسفة إدارة البيانات.


الفكرة ليست أن نخزن أكثر، بل أن نحفظ ما يستحق دون خوف من التلف أو التلاعب.

لهذا تركز مايكروسوفت على جهات مثل الأرشيفات الوطنية، المتاحف، واستوديوهات الإنتاج الضخمة؛ وهي مؤسسات تمتلك محتوى عالي القيمة وتسعى لحمايته من التقادم التقني ومن مخاطر الأمن السيبراني.


لماذا الآن تحديداً؟

نعيش عصر تضخم البيانات. الأشرطة المغناطيسية ما تزال خياراً أرخص للأرشفة طويلة الأمد، لكنها تحتاج إلى استبدال دوري، فيما تتقادم الأقراص الصلبة بسرعة. مع تصاعد الطلب على مراكز البيانات بسبب الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، يرتفع الضغط على البنية التحتية للتخزين التقليدي.

في هذا السياق، تبدو وسائط التخزين الضوئي المعاد تطويرها محاولة لإعادة التوازن. لا لتنافس السحابة في السرعة اليومية، بل لتوفر طبقة أعمق من الأرشفة الباردة التي قد تبقى دون تدخل بشري لعقود أو قرون.


التحدي لم يعد علمياً

بحسب الفريق المطور، تجاوزت التقنية معظم العقبات البحثية، وبات التحدي في قابلية التوسع الصناعي. أي تحسين أنظمة الليزر الفمتوثانية لتعمل بسرعة أكبر وبتكلفة أقل. استخدام حزم ليزر متعددة وأنظمة تغذية راجعة مغلقة يشير إلى أن المشروع يفكر منذ الآن بمسار إنتاج تجاري، لا بمجرد تجربة مخبرية.

ذو صلة

اختيار زجاج البوروسيليكات أيضاً قرار عملي، لأنه مادة متوافرة ومستقرة وتتحمل الحرارة والرطوبة، ما يفتح الباب لاستخدامها في بيئات مختلفة دون شروط تخزين معقدة.

قد لا نستبدل أقراص التخزين لدينا بشرائح زجاجية قريباً، لكن الفكرة تضع سؤالاً عميقاً أمام الصناعة: كيف نحفظ ذاكرتنا الرقمية في زمن تتسارع فيه التقنيات وتشيخ الأجهزة بسرعة؟ بين التخزين السحابي المتجدد والوسائط الفيزيائية شبه الخالدة، يبدو أن مستقبل الأرشفة لن يكون مجرد مسألة سعة، بل مسألة بقاء.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة