LEAP26

إيران تدخل التاريخ مع واحدة من أطول انقطاعات الإنترنت بتجاوز الألف ساعة

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

3 د

شهدت إيران انقطاعاً طويلاً عن الإنترنت، مما أثر على الحياة اليومية بشكل كبير.

مستويات الاتصال تراجعت إلى 1% فقط، مع انهيار شبه كامل في حركة البيانات.

التواصل المتبقي يتم عبر شبكة محلية تخضع لرقابة مشددة وتحكم كامل.

الاتصال الفضائي لم ينجح في كسر العزلة بسبب التشويش والعقوبات الشديدة.

الانقطاع يهدد الاقتصاد الرقمي ويعطل الوصول إلى معلومات الطوارئ والخدمات الحيوية.

حين تنطفئ الشبكة، لا ينقطع الترفيه فقط، بل تتعطل تفاصيل الحياة اليومية بصمت. تطبيقات المراسلة تصمت، المدفوعات الرقمية تتجمد، وتتحول الهواتف الذكية إلى أجهزة محلية بلا نافذة على العالم. هذا هو المشهد الذي تعيشه إيران منذ أكثر من ألف ساعة من انقطاع الإنترنت، في واحدة من أطول حالات الإغلاق الشبكي الوطني التي سُجلت منذ بدء مراقبة حركة الشبكات عالمياً.


انهيار شبه كامل في حركة البيانات

بحسب بيانات NetBlocks، بدأ التصعيد في 28 فبراير، اليوم نفسه الذي شهد ضربات عسكرية مشتركة استهدفت مواقع داخل إيران. ومنذ ذلك التاريخ، تراجعت مستويات الاتصال إلى نحو 1% فقط من معدلات ما قبل الانقطاع. أرقام Cloudflare Radar تدعم الصورة ذاتها، إذ سجلت هبوطاً حاداً بنسبة 98% في حركة HTTP خلال ساعات قليلة، ما يعني اختفاء طلبات البيانات من مدن رئيسية مثل طهران وأصفهان وفارس في وقت متزامن تقريباً.

هذه ليست تباطؤاً عادياً في الشبكة، بل انهياراً كاملاً في البنية الرقمية العامة، حيث تبدو البلاد كما لو أنها سُحبت فجأة من الإنترنت العالمي.


شبكة داخل شبكة

المتبقي من الاتصال يمر عبر ما يُعرف بـ الشبكة الوطنية للمعلومات، وهو مشروع قديم يهدف إلى إنشاء إنترانت محلية بديلة للويب العالمي. حالياً، يتم توجيه الحركة عبر مسارات IPv4 محدودة ومصرح بها حكومياً، ما يسمح فقط بخدمات داخلية معتمدة مسبقاً.

  • الوصول إلى المنصات الدولية شبه معدوم.
  • الخدمات المحلية تعمل ضمن بيئة مراقبة ومفلترة.
  • البنية المعزولة تقلل الاعتماد على مزودي الإنترنت العالميين.

تقنياً، يعني ذلك إعادة تعريف الإنترنت داخل الحدود، وتحويله من فضاء مفتوح إلى شبكة مغلقة ذات تحكم مركزي كامل.


فشل محاولات الالتفاف

حتى حلول الاتصال الفضائي لم تنجح في كسر العزلة. تقارير نقلت عن باحثين أن إشارات Starlink تعرضت لتشويش عالي المستوى، وُصف بأنه عسكري الطابع. كما أن تشريعات جديدة تجرّم حيازة هذه الأجهزة بعقوبات قصوى، ما يحد عملياً من أي محاولات فردية لاستعادة الاتصال.


العزل الرقمي لم يعد قراراً تنظيمياً فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة أمنية وسيادية.

هذا التصعيد يكشف أن التحكم في البنية التحتية للاتصالات بات يُعامل باعتباره امتداداً لإدارة المجال الجغرافي ذاته.


الكلفة الاقتصادية والإنسانية

التجربة ليست جديدة بالكامل على الإيرانيين. في يناير، تسبب انقطاع أقصر نسبياً في خسائر قُدرت بعشرات ملايين الدولارات يومياً، مع تراجع المبيعات الإلكترونية بنحو 80% وفق تصريحات رسمية. لكن الانقطاع الحالي أطول وأكثر شمولاً، ما يضاعف الضغط على الاقتصاد الرقمي، وسلاسل الخدمات، ورواد الأعمال الذين يعتمدون على التجارة الإلكترونية والإعلانات والمنصات السحابية.

منظمات حقوقية اعتبرت الوضع تجاوزاً للحقوق الأساسية، خاصة مع صعوبة الوصول إلى تحديثات الطوارئ أثناء العمليات العسكرية. حين يغيب الاتصال، لا تغيب الأخبار فقط، بل يتعطل الوصول إلى التنبيهات والخدمات الحيوية.


الإنترنت كساحة صراع

اللافت أن الأزمة الرقمية ترافقت مع تهديدات إعلامية طالت شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى، في مؤشر إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في الميدان التقليدي. مراكز البيانات فائقة الضخامة، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتحول تدريجياً إلى رموز جيوسياسية.

ذو صلة

في هذا السياق، يبدو الإنترنت أقل شبهاً بمرفق عام عالمي، وأكثر قرباً من كونه أداة سيادية يمكن فصلها أو إعادة تشكيلها وفق ضرورات اللحظة. السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء هو ما إذا كانت هذه الواقعة استثناءً طويل الأمد، أم ملامح مرحلة جديدة يصبح فيها الانقطاع الشامل خياراً سياسياً عادياً في زمن الأزمات.

ما يحدث اليوم لا يختبر مرونة الشبكات فحسب، بل يختبر الفكرة التي تأسس عليها الإنترنت أساساً: فضاء مفتوح يتجاوز الحدود. وعندما تنغلق الحدود رقمياً، يتبدل شكل العالم داخل الشاشة وخارجها معاً.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة