الكتاب الأصلي مقابل نظيره المضروب: معركة أخلاقية مشتعلة في عالم القراءة

محمد إبراهيم جاد الله
محمد إبراهيم جاد الله

8 د

منذ أعوام والساحة الأدبية والثقافية مشتعلة باختلافات وانقسامات بسبب وجود معركة الكتاب الأصلي ضد المضروب (المقلد) في الأسواق، البعض يدافع عن هذه الكتب المقلدة، والبعض الآخر يتمنى لو يستيقظ فلا يجد منها كتابًا.

في معركة الكتاب الأصلي نتساءل: كيف وصلت هذه الكتب المقلدة إلى الأسواق؟ ما فائدتها؟ وكيف تهدد صناعة الكتب كلها؟ هذا المقال هو محاولة لعرض أساسيات وركائز هذه المشكلة والآراء المختلفة بشكل حيادي قدر الإمكان.

معركة الكتاب الأصلي

الكتاب الأصلي من الكاتب للقارئ

علينا أولًا معرفة ما هو الكتاب الأصلي وكيف يصل إلينا لفهم هذا الخوف والقلق من عدم شرائه، أصحاب المطابع يقومون بإصدار كتب أصلية، ويتم هذا الأمر بعدد من الخطوات.

في البداية يتم ترخيص دار النشر، ثم يقوم صاحب الدار بتعين عدد كبير من العمال، فهو لا يذهب للكاتب ويستلم منه ما يكتب بكل تأكيد، بل يتم أخذ العمل وعرضه على لجنة قراء، وفي حالة تم قبول العمل، يتم إرسال الكاتب إلى لجنة مراجعة وتدقيق، ثم إلى أشخاص آخرون لتصميم الغلاف ولرسمه، وبعد هذا يذهب الكتاب لعمال الطباعة والتغليف، وما إلى ذلك، هذا غير عشرات العمال الذين يقومون بأنشطة يلزم وجودها مع وجود عدد العمال السابق يمكننا أخذ عمال النظافة كمثال.

ذو صلة

بالتأمل في الفقرة السابقة يمكنك تخيل حجم التكاليف التي يتم إنفاقها على دور النشر حتى يستمر عملها، وتستطيع دفع رواتب عمالها، بعد أخذ الكتاب وطبعه، تقوم الدار بتوزيعه على عدد معين من المكتبات الرسمية، وهذه المكتبات تضع هامشًا معقولًا لربحها ثم تبيع الكتاب للقارئ، والمال الذي يدفعه القارئ يساعد المكتبة حتى لا تغلق، والمكتبة تعطي المال لدار النشر، وهذا المال يوزع على كل الفئات التي تم ذكرهم في الفقرة السابقة، وبالطبع الشخص الأهم في هذه العملية وهو الكاتب نفسه.


عوامل أخرى تُضخِم سعر الكتاب الأصلي

لا تسير عمليات إصدار الكتب دائمًا بهذا النظام، فهناك كتب مترجمة، وكتب يتم استيرادها من الخارج، وكلها كتب أصلية، بالطبع في حالة الترجمة يتم دفع المال مقابل حقوق الملكية، المهم هنا أن هذه الكتب التي تأتي من بلدان أخرى، أي أنها تتأثر بسعر الدولار، وبالتالي قد يكون الكتاب في الأساس رخيصًا، لكن نظرًا لتضعف العملة المحلية أمام الدولار وتضخمه، يبدأ سعر الكتاب بالارتفاع إلى أسعار فلكية، وهذه المشكلة تهدد الكتاب الأصلي في عدد من الدول العربية مثل: مصر.

شارع الأزبكية المتهم الأول ببيع الكتب المضروبة - معركة الكتاب الأصلي

شارع الأزبكية المتهم الأول ببيع الكتب المضروبة

الكتاب المضروب وطريقة وصوله للقارئ

الحقيقة أن الطريق هنا أقصر بكثير، والعملية هنا سهلة للغاية، أنت هنا لا تحتاج لمراجعين ومصححين ولا تحتاج إلى أي عمال، بل والأمر المثير للسخرية أنك لا تحتاج إلى الكاتب نفسه، كل ما يقوم به المزور هو متابعة السوق، ورؤية الكتب التي يكون عليها إقبال كبير، وهنا يبدأ طباعة هذه الكتب في مطبعته الخاصة غير الشرعية، ثم يعطيها لبعض أصحاب المتاجر الصغيرة في الشارع، وبائعين الجرائد، وبعض العمال الذين يفترشون الأرصفة، والأراضي.

هنا تذهب الأرباح بشكل مباشر إلى صاحب المطبعة والقليل منها إلى البائع، أما العنصر الأساسي في هذه العملية وهو الكاتب، فهو بعيد كل البعد عن هذا، وبالطبع دار النشر التي تحتفظ بحقوق النشر الخاصة بالكتاب؛ هذه العملية بهذا الشكل تعتبر تصرفًا شيطانيًا، وشيء لا يحتمل ويجب أن يتم القضاء عليها في الحال.

لكن هل هذه هي الجوانب المتاحة فقط للنظر إلى مشكلة الكتب المضروبة (المقلدة) بشكل موضوعي؟

الكتاب الرقمي.. طرف ثالث قوي في معركة الكتاب الأصلي والمضروب

الكتاب الرقمي.. طرف ثالث قوي في معركة الكتاب الأصلي والمضروب

الكتب الرقمية.. والقرصنة الرقمية

في وقت قرأت هذا المقال سيكون عدم التطرق إلى الكتب الرقمية والقرصنة الرقمية ضيق أفق وقصر نظر واضح، ففي الوقت الذي كان الكتاب ودور النشر يحاربون فيه أصحاب المطابع المزورة وكتب الأرصفة، ظهرت لنا الكتب الإلكترونية والتي تعرف بالـ “PDF”، وهنا بدأت كارثة أخرى بالتشكل، وحتى الأربح التي كانت تذهب إلى مكتبة وبائع اختفت، القارئ أصبح يقرأ كل الكتب مجانًا، والمقرصن يستفيد بهامش ربح يقل ويكثر تبعًا للإعلانات الموضوعة في موقعه، وهناك الكثير من أصحاب هذه المواقع حول العالم لا يأخذون أي أرباح.


الكتب المضروبة وسبب الإقبال عليها

الكتب المضروبة توفر للقارئ الكتب التي يريدها بأرخص سعر ممكن، في بعض الأحيان يصل سعر الكتاب المضروب إلى عُشر سعره الأصلي، وهذا بالطبع يجعل الكثير من القُراء يذهبون إلى الكتاب المضروب، خاصةً وأن الكتب لا تشبه السلع الأخرى، فإذا قمت بشراء هاتف أو حذاء أو بنطال مضروب -تقليد- فإن العيوب تكون واضحة، غير أن الكتب المضروبة تقدم نفس المحتوى الموجود في الكتاب الأصلي، قد يكون الكتاب المضروب مصنوع بجودة رديئة، ولكن هذا أمر يمكن تجاهله.


أسعار الكتب الأصلية والقدرة الشرائية للفرد

على العكس من الفقرة السابقة، نجد الكتاب الأصلي وأسعاره الضخمة، لكن الجدير بالذكر أن أسعار الكتب في الوطن العربي تتشابه بشكل كبير مع متوسط أسعار الكتب عالميًا، إلى في بعض دور النشر التي تقوم بالفعل باستغلال القارئ، وهذا التشابه ينقلنا للنقطة الأهم في هذا المقال وأرى أنها سبب هذه المشكلة، وهي القدرة الشرائية للفرد، معظم دول الوطن العربي تعتبر القدرة الشرائية للفرد ضعيفة.

في معركة الكتاب الأصلي يمكنني أخذ مصر بسبب معرفتي بها كمثال.

في مصر إذا أردت شراء كتب تراثية مكونة من مجلدين أو ثلاثة فإن الأسعار تقترب من الألف جنيه، بل هناك روايات وكتب أصبحت تحظى بشعبية واسعة وما زالت أسعارها مرتفعة، الرواية الواحدة قد تصل إلى 300 جنيه، ويمكنك مراجعة أسعار أعمال هاروكي موراكامي الأصلية، ولكن كما قلت هذه الأسعار تتشابه مع الأسعار العالمية، لكنها بالطبع لا تتفق مع دخل الفرد، خصوصًا إذا كان هذا الفرد قارئًا نهمًا حينها سيصبح فقيرًا في أسابيع قليلة.

سور الأزبكية

بداية ظهور الكتب المضروبة

في مصر تعتبر أماكن الكتب المضروبة معروفة وقد كثر الحديث حولها من الحكومة والأفراد، وقد حدثت الكثير من المباردات لمحاولة تحجيم هذه الأماكن لكن دائمًا ما تبوء هذه المحاولات بالفشل، وما زلنا نسمع عن النبي دنيال في الإسكندرية، وسور الأزبكية في القاهرة؛ وتعتبر الكويت أيضًا من الدول التي شهدت مشاكل كبيرة مؤخرًا بسبب جشع أصحاب المطابع غير الشرعية وقد وضعت الحكومة الكويتية عددًا من التشريعات لردع هذه التصرفات لكن لا فائدة تذكر.

في خضم معركة الكتاب الأصلي تم عمل تقارير صحافية كثيرة عن الأماكن التي اشتهرت بكونها مصادر للكتب المضروبة، ويعتبر سور الأزبكية من أشهر هذه الأماكن كما قلنا.

ومن هناك يمكننا وضع يدنا على نقطة البداية، فمعظم البائعين هناك يرفضون أن يتم أتهامهم ببيع الكتب المضروبة، ويقولون إنهم يبيعون الكتب القديمة، وهذا بالفعل ما كان يحدث مجموعة من البائعين ومحبين الكتب يقومون بتجميع الكتب القديمة والمستعملة والمكاتب التي تركها أصحابها، حتى يبيعوها بأسعار قليلة.

الكتب قديمة ولكنها ما زالت أصلية لا مشاكل فيها ولا شبهة، وهذه الكتب ما زالت تباع الآن في متاجر ضخمة وعلى أرصفة معروفة في أنحاء العالم، لكن بدأت المشكلة حينما قرر بعض البائعين التعاون مع أصحاب المطابع غير المرخصة، وباستغلال مواقع بيعهم للكتب القديمة بدأت عمليات بيع الكتب المضروبة، وهكذا انطلق هذا الشلال الذي لا نعرف كيف نوقفه إلى الآن.

اقرأ أيضًا:


ما هي الحلول لأزمة الكتاب الأصلي إذًا؟

وفي معركة الكتاب الأصلي ضد الكتاب المضروب يكمن حل هذه المشكلة في نقطتين أساسيتين:

  • النقطة الأولى: هي ارتفاع دخل الفرد، وهذه النقطة شائكة ويصعب الحديث عنها في هذا المقال، بل هي مشكلة أكبر من المشكلة المطروحة، لذلك يعتبر من العقلانية النظر إلى النقطة التالية.
  • النقطة الثانية: تقليل أسعار الكتب الأصلية، ولن تتم هذه النقطة إلا باهتمام حقيقي من الحكومة والدولة والمؤسسات الخيرية، فهناك مشاريع كثيرة كانت تتم من قبل مؤسسات ضخمة توفر كتب تراثية وعالمية بأسعار تناسب جميع طبقات الشعب.
مكتبة عامة وحل من الحلول الجيدة للمشكلة

المكتبات العامة

هناك طريقة يمكن اعتبارها مهربًا أخيرًا أو حلًا ثالثًا، وبشكل أكثر دقة يمكن اعتبارها هي الحل عند انعدام الحلول، هذه الطريقة هي المكتبات العامة.

ففي الوقت الذي يعجز فيه الفرد عن شراء كتاب معين، ولا يهتم بشيء غير المعرفة يمكنه الذهاب لأي مكتبة واستعارة الكتب وقراءتها كيفما يشاء، ولكن للأسف هذا الأمر على أهميته إلا أننا لا نجده في وطننا العربي إلا نادرًا وكذلك نادرًا إذا وجدنا أحد يتحدث عنه، ومع ذلك قد يكون هذا حل جيد لأطراف كثيرة أهمها القارئ.

أخلاق الفرد وتأثيرها في نوع الكتاب الذي يشتريه

المنظومة الأخلاقية للفرد

من النقاط الجوهرية في هذه المشكلة المطروحة هي الأخلاق التي يتبعها الفرد باختلاف مصادرها وأشكالها، البعض يرى أن من حقه الوصول إلى المعرفة بأي طريقة، والبعض الآخر يرى أنه من المخجل أن نشتري كتب مضروب ونجد هؤلاء الأشخاص يبحثون عن الأصلية فقط لضمان وصول الحقوق إلى أصحابها، وهناك أشخاص أخرى لا يهتمون بهذا ولا ذاك، وإنما يقومون بشراء ما يقع تحت أيديهم.

بالطبع لن أقوم بالحكم على منظومة أخلاقية يتبعها فردٌ ما فكل إنسان حر باتباع الشيء الذي يعتقد فيه الصواب، كذلك ليست كل الأشخاص سواء، فربما الفرد الذي ينادي ويسخر من الكتب المضروبة يقرأ كتاب في العام أو لا يقرأ، وعلى العكس قد يكون مشتري الكتب المضروبة فقير يقراء عشرات الكتب شهريًا.

تعتبر هذه المسألة من المشاكل الشائكة، والتي أعتقد أنها ستظل هكذا لمدة طويلة، المشكلة تحدث بسبب اشتراك العديد من الأفراد والمؤسسات، وبالطبع هذه المشكلة تعتبر مصلحة ضخمة عند المئات ويتأكد هؤلاء أن هذه الفرخة التي تبيض الذهب ستظل حية إلى الأبد.

حل المشكلة أيضًا يحتاج إلى تعاون وتنازلات من أفرادى عديدة، ونحن لا نملك شيء إلى تحليل الموقف والذهاب في الطريق الذي نراه الأصوب، ففي النهاية جميعنا نتفق أن من حق الكاتب أن ينتفع من أعماله الخاصة، خصوصًا إذا وضعنا أنفسنا مكانه.

لك أيضًا:

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

بينها جمجمة لزعيم عربي… وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

بينها جمجمة لزعيم عربي... وقف بيع رفات بشرية في مزاد بلجيكي!

2 د

قررت دار دور وفاندركيندير للمزادات العلنية ومقرها العاصمة البلجيكية بروكسل، إيقاف عمليات بيع ثلاث جماجم بشرية تعود لأفارقة، بعد الكثير من الانتقادات التي واجهتها بعد إعلانها عن مزاد بيع الرفات البشرية.

وبحسب صحيفة تايمز البريطانية، فإن الدار البلجيكية، عرضت الجماجم الثلاث وإحداها تعود لزعيم عربي، تم تزيينها بالجواهر والأحجار الكريمة، وتعود لحقبة الاستعمار البلجيكي للكونغو، وكان من المقرر أن يبدأ السعر بين 750 وحتى ألف يورو.

وذكرت دار المزادات البلجيكية في بيان لها، أنها لا تدعم ولا بأي شكل من الأشكال، إذلال ومعاناة البشر خلال فترة الاستعمار، وأضافت مقدمة اعتذارها من كل شخص شعر بالسوء أو الأذى جراء ما حدث، وقامت بسحب الجماجم الثلاث من المزاد.

يأتي هذا، بعد تقديم منظمة ذاكرة الاستعمار ومكافحة التمييز غير الربحية، شكوى إلى السلطات في بلجيكيا، لإيقاف المزاد المعلن عنه.

منسقة المنظمة، جينيفيف كانيندا، قالت في تصريحات صحيفة لوسائل إعلام محلية، إن المزاد المعلن عنه، يجعلك تدرك بأن أولئك الضحايا تم قتلهم مرتين، الأولى حين ماتوا أول مرة والثاني من خلال المزاد، مضيفة أن العنف الاستعمار هو ذاته يعيد نفسه بشكل مستمر.

والجماجم الثلاث تعود للقرن الثامن العشر، جين استعمرت بلجيكا، إفريقيا، ما تسبب بموت أكثر من 10 ملايين شخص بسبب المجازر والفقر والأمراض.

إحدى تلك الجماجم، تعود للزعيم العربي موين موهار، قتل على يد جندي بلجيكي عام 1893، وتدعى "جوهرة الحاجة الأمامية"، لوجود حجرين كريمين ملتصقين بها.

بينما تعود الجمجمة الثانية لشخص مجهول، وصف بأنه آكل لحوم البشر، والأخيرة أحضرها طبيب بلجيكي، بعد انتزاعها من شجرة الموت والتي يبدو أن صاحبها لقي حتفه نتيجة طقوس دينية وثنية كانت سائدة في إفريقيا.

وبحسب المعلومات فإن تلك الجماجم من المفترض أن تعاد للكونغو، بناء على توصية من لجنة برلمانية تسمح بإعادة الرفات البشرية الموجودة في كل المتاحف والهيئات الرسمية البلجيكية.

وقالت الباحثة ناديا نسايي، إنه ينبغي على السلطات البلجيكية، إصدار تشريع جديد يجرم كل أفعال محاولة بيع رفات بشرية.

وأضافت واضعة كتاب "ابنة إنهاء الاستعمار"، إن بيع الرفات البشرية شيء غير مقبول إطلاقاً، ويجب على بروكسل إعادة الرفاة البشرية إلى أصحابها الحقيقيين، بعد أن سرقوها واعتبروها غنائم حرب.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.