الحقيقة المرّة مجدداً .. في عالم الأعمال الأفكار لا قيمة لها

افكار لا قيمة لها
14

ترددت أن أكتب هذا المقال لأني كنت أعتقد أن ما سأقوله فيه أصبح واضحاً للجميع، لكن كنت مخطئاً. حتى اليوم لايزال الكثير يعتقد بما يعرف بالفكرة العبقرية الحارقة الخارقة المتفجرة التي يجب أن يحتفظ بها في رأسه كسرّ أمن قومي لأنها ستحقق له النجاح الكاسح .. إذا حولها لمشروع.

حسناً دعني أصدمك مجدداً، الفكرة لا قيمة لها، ولا يوجد مشروع على وجه الأرض نجح لأنه يحمل فكرة مميزة .. أبداً .. وباختصار .. التنفيذ هو الذي يعطي القيمة للفكرة.

امتياز القادم الأول

إن امتياز القادم الأول  First-mover advantage لأي سوق جديد قد يوحي بضمان النجاح 100%، لذا يعتقد خطأ الكثير ممن يسمون أنفسهم رواد أعمال -وهم مبتدئين ولا يعرفون عن الريادة شيئاً سوى اسمها- أن دخولهم إلى السوق الجديد الذي لا توجد فيه أي منافسة بعد سيضمن لهم النجاح. ومن الجهة الأخرى فإن أي تأخير في دخول أي سوق سيضمن الفشل وشدة المنافسة وصعوبة العمل فيه.

في دراسة أكاديمية حول هذا الموضوع تم التوصل إلى أن 15 من 50 تصنيفاً للمنتجات فقط نجحت فيها الشركات عندما دخلتها أولاً. بالتالي من يأتي إلى السوق لاحقاً يتعلم من أخطاء المنافس الذي جرب السوق، وبالتالي لا يرتكبها ويوفر على نفسه الوقت والجهد والمال، مما يساعده لتحقيق نجاح أكبر.

وهناك أمثلة كثيرة جداً من حولنا عن شركات ناجحة لم تكن الأولى في أسواقها، بل حتى لم تكن العاشرة ولا الخمسين أحياناً.

انظر إلى غوغل، فهو لم يكن أول محرك بحث على الويب، كان قبله عمالقة مثل Infoseek وياهوو و12 موقع آخر، لكن غوغل نفذ الفكرة بطريقة صحيحة من خلال خوارزميات تم تطويرها لعرض نتائج أفضل وبسرعة أعلى.

انظر إلى فيس بوك، هو لم يكن أصلاً شبكة اجتماعية، ولاحقاً عندما تحول إلى شبكة اجتماعية لم يكن الأول أيضاً، بل سبقه Friendster  و Myspace وغيرها حوالي 50 شبكة أخرى. لكن فيس بوك رفع الشبكات الاجتماعية لمستوى أعلى من خلال خدمات وتطبيقات كثيرة دمجها بها.

انظر إلى ستاربكس، لم يكن أول مكان عام لتناول القهوة، سبوتيفاي لم يكن أول مكان للاستماع بطريقة قانونية إلى الموسيقى والأغاني، لكن هؤلاء نفذوا أفكارهم بطريقة أضافت عليها القيمة وجعلتهم المتفوقين في أسواقهم حتى مع دخولهم متأخرين.

انظر إلى آيبود، لم يكن أول مشغل أغاني Mp3 ولا الأرخص، بل كان مرتفع الثمن جداً ودخل السوق متأخراً بعد سوني، لكنه نجح لأنه ارتبط بمكتبة الآيتونز الضخمة من الأغاني مما أضاف قيمة للمستخدم. وإن أردنا سرد الأمثلة الحديثة لن ننتهي، باختصار أن تكون الأول لا يضمن لك النجاح، لأن الفكرة العبقرية لا قيمة لها ولا أحد سيدفع لك مقابل سماع فكرتك.

لديك فكرة عظيمة؟ شاركها!

إن كنت ريادياً أو لديك فكرة مشروع عظيمة وتبحث عن ممول، أو مجرد استشاري، لا تطلب منه التوقيع على وثيقة عدم الإفشاء  NDA، لأنه ببساطة لا يمكنك حماية فكرتك، وليس مطلوباً منك ذلك ولن يضرك شيء إن أفشى فكرتك لأحد أو نفذها بنفسه. لكن واقع الحال يقول أن المستثمرين الذين يلتقون بعدد كبير من رواد الأعمال بشكل دوري أصبحوا يعرفون جيداً أن الريادي الذي يطلب هذه الوثيقة أو على الأقل الالتزام الأدبي بعدم الإفشاء إنما هو مبتدئ وغير جاد ومن المهم الابتعاد عن الاستثمار معه. فضلاً عن كل هذا، المستثمر ليس لديه الوقت ولا الخبرة لتنفيذ فكرتك العظيمة، وإلا لما جاء ليستثمر في مشروعك، لأنه يبحث عن خبرتك في التنفيذ وليس عن فكرتك لأنه يعرف مسبقاً عدداً ضخماً من الأفكار الرائعة .. أو التي يظنها كذلك أصحابها.

العلامات التجارية وبراءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية هي أطر لحماية نتاج تنفيذ الفكرة وليس الفكرة بحد ذاتها. أي لنقل لدي فكرة السيارات الطائرة، الحاسوب الذي يفكك مثل قطع الليغو، توليد الكهرباء من الصوت، رؤية الروائح، كل هذه أفكار مجنونة لا يمكنني حمايتها. يمكنني حماية رؤيتي الخاصة لطريقة تنفيذ تلك الأفكار، أي يجب أن أقدم للهيئات التي تعطيني حماية لحقوق ملكية فكرتي ما يثبت أني سأنفذ فكرتي بطريقة معينة، حتى لو لم أنفذها حالياً، بالتالي لو جاء أحدهم ونفذ نفس الفكرة بطريقة مختلفة لا يمنعه شيء من ذلك.

يسري نفس الأمر على الكتب والأفلام والمسلسلات، فهناك عدد كبير من الأفلام عن أحداث شهيرة كالحرب العالمية الثانية ولم يأتي أحد ويطالب بحماية فكرة فيلمه أو كتابه ويمنع الغير من تنفيذ مشروع يتحدث عن نفس الموضوع، لأنه ببساطة كل شخص ينفذه بطريقته الخاصة، وبالتالي يمكنه منع انتهاك حقوق كتابه أو فيلمه على التحديد، أي يمنع نسخ النصوص منه أو سرقة المشاهد، لكن لا يمكن منع صنع كتاب أو فيلم يناقش نفس الموضوع الذي يناقشه كتابي أو فيلمي.

يقول جورج برنارد شو ” إذا كان لديك تفاحة وأنا لدي تفاحة وتبادلنا هاتين التفاحتين سينتج لدى كل منا تفاحة، لكن إذا كان لديك فكرة وأنا لدي فكرة وتبادلنا هاتين الفكرتين سينتج لدى كل منا فكرتين”.

gorge

 

في الحقيقة هذا شيء يعارضه العرب عموماً، وفكرة المقالة بكاملها لن تعجب الكثيرين، لكن أنا أدعوك لمشاركة فكرتك مع العالم حتى لو كنت ستنفذها بنفسك. لا تشاركهم تفاصيل التنفيذ بل شارك فكرتك لعلها تكون خطوة في تغيير هذا العالم نحو الأفضل. عندما تشارك فكرتك مع أحدهم قد يعرف أن ينفذها أفضل منك ويجري تحسينات عليها وبدوره يشاركها مع غيره. هذا المناخ من مشاركة الأفكار بانفتاح مع بعضنا البعض يساعدنا على رؤية فرص جديدة لم تخطر لنا من قبل، وبالتالي يمكننا تنفيذها وإنشاء مشاريع ناجحة من فكرة عامة يعرفها الكل لكن طريقة تنفيذها شيء تخصنا وضمن بيئة محلية محددة.

لا أريد أن يفهم كلامي على أن الفكرة لا أهمية لها، لا أقول هذا بالطبع، الفكرة مهمة لكن لا قيمة لها ولا تعطي أي قيمة لشيء  ولا تتوقع حصة من المشروع فقط لأنك صاحب الفكرة. المشروع الناجح هو القائم على فكرة جيدة تم تنفيذها بطريقة صحيحة تعطي قيمة جيدة بواسطة فريق عمل متميز تقوده إدارة صحيحة.

لاحظ أن هناك عدة عناصر لازمة لتحقق النجاح لمشروعك، وفي نفس الوقت هناك الكثير من الأفكار الساذجة أو الغبية التي نتجت عنها مشاريع ناجحة وذلك بسبب تنفيذها بشكل صحيح. كما أن الفكرة تخضع لتعديلات لتتحول لاحقاً بتنفيذها إلى مشروع يلقى اهتماماً، وهنا تجد أنك لو قمت بحماية الفكرة ونفذت شيء آخر لاحقاً كأنك تعترف بفشل فكرتك التي كنت تظنها “عبقرية”.

والآن هل لديك فكرة مشروع عظيمة؟ أغلق جهازك وابدأ بتنفيذها .. لا تعرف كيف تنفذها؟ شاركها مع أحدهم قد يعرف .. مجاناً.

14

شاركنا رأيك حول "الحقيقة المرّة مجدداً .. في عالم الأعمال الأفكار لا قيمة لها"