هينري برغسون - فلسفة الوجود الشعوري
1

يتساءل برغسون في كتابه الطاقة الروحية قائلاً: “من أين جئنا؟ وما نحن؟ وإلى أين المصير؟”، كتمهيد للدخول في نقاش إشكالية لطالما كانت محط اهتمام الكثير من الفلاسفة، ألا وهي الإشكالية المتعلقة بوجودنا.

وبالرغم من هذا الاهتمام إلا أنه لم يكن كافياً من وجهة نظره، إذ أنه رأى أن غالبية الفلاسفة اهتموا بفكرة الوجود بشكل عام وأهملوا في تحليلاتهم وجودنا نحن، ولذلك فقد حاول برغسون وبوضوح وفي أكثر من موضع في كتاباته، تبيان أن الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن أن يكون بالاعتماد على المذاهب الفلسفية. معتبراً أن التمذهب وضع حاجزاً بين هذه الفلسفات وبين التساؤلات المتعلقة بوجودنا، أي حال دون الإجابة عنها.

ولذلك ينطلق برغسون في محاولة الإجابة عن تساؤلاته، حيث أنه من الهام قبل البحث عن الأجوبة، أن ندرس آلية التفكير الخاصة بنا، وأن نقوم بنقد أنفسنا خاصة أننا عندما نصل لمسألة أصل الإنسان وطبيعته ومصيره فإننا نبتعد، عن دراستها وننتقل لنفكر في الوجود بشكل عام وفي الواقع وفي الزمان والمكان، والروح والمادة، ثم نهبط بعد ذلك درجة درجة إلى الشعور وإلى الحياة.

هينري برغسون - فلسفة الوجود الشعوري

ولكن هذه الدراسة غالباً ما ستتناول الفكرة البسيطة التي يكونها الباحث بنفسه قبل أن يدرسها. وما يجعله يفعل ذلك هو أن يسهل عمله ويوهم نفسه أنه وصل لما يريد، وهنا يبني الفيلسوف أفكاره على أسس رياضية وهذا ما يرفضه برغسون تماماً. لأنه يعتبر أنه لا يمكن استخراج مبدأ يساعد في حل مسائل مهمة عن طريق الرياضيات؛ فهذا الأسلوب لا يؤدي للمعرفة المنشودة.

ولكن كما يشير برغسون فإننا قد نرى في مناطق التجربة وقائع معينة، وهذه الوقائع لا بد أن تلتقي في نقطة لتقترب إلى اليقين. وهنا نجده يعتبر أن الفلسفة ليست بناءً يشيده فرد ولا مذهباً فلسفياً يقيمه مفكر.

ما هو الشعور؟

يميز برغسون الشعور بصفةٍ؛ هي أظهر صفاته فيقول:

الشعور يعني الذاكرة قبل كل شيء، فإما أن يكون هناك ذاكرة وإما ألّا يكون ثمة شعور، فالشعور الذي لا يذكر من ماضيه شيئاً وينسى نفسه بغير انقطاع يفنى ويحيا في كل لحظة.

نلاحظ هنا أن كل شعور هو ذاكرة، هو انصهار ما حدث في الماضي مع واقعنا وحاضرنا، فالشعور هو ما يمكن أن نطلق عليه بالحدس أو التنبؤ بأحداث المستقبل، فنحن بشكل طبيعي نتهم بأحداث الواقع في سبيل معرفة ما سيحدث في المستقبل، فالمستقبل موجود: يدعونا إليه، بل يجرنا جراً.

إن هذه الحالة من الانجذاب الدائم نحو المستقبل تدفعنا للعمل الدؤوب والتعب من أجل الوصول إلى ما لم يقع بعد أو تذكر ما تم وقوعه: “تذكر ما لم يعد موجوداً، واستباق ما لم يوجد بعد، تلكم هي إذاً الوظيفة الأولى للشعور”.

وهنا نجد برغسون يبين أنه لو كان الحاضر لحظة رياضية لما وجدناه حاضراً بالنسبة للشعور وهذه اللحظة التي تفصل الماضي عن المستقبل فنحن دائماً نعيش على أنقاض الماضي ونحاول التشبث به ومن خلال هذا التشبث والاتكاء، نفكر بما هو غير موجود أو بما لم يوجد بعد، فالشعور جسر ملقى بين الماضي والمستقبل.

كما ينتقد برغسون الفكرة القائلة بأن الشعور مرتبط بدماغ، فيقول:

إن كان الشعور مرتبطاً عندنا بالدماغ فيجب أن نسند الشعور إلى الكائنات الحية التي لها دماغ وأن ننكره على من عداها.

هنا يؤكد خطأ هذا الدليل فيبين أنه لو كان هذا الكلام صحيحاً لجاز القول بأن الهضم مرتبط أيضاً بوجود المعدة، ولكن من المعروف أن المتحول يستطيع الهضم رغم عدم وجود معدة لديه، وكلما ازداد تعقد الكائن الحي أصبح لديه أعضاء متعددة لوظائفه الحيوية، وهذا ما ينفي القول بأن الدماغ لا بد منه للشعور.

إذاً نستطيع القول: كل كائن هو شاعر، والشعور مبدئياً ملازم للحياة.

هينري برغسون - فلسفة الوجود الشعوري

إذا ألقينا نظرة على الدماغ لوجدنا أنه مكون من جملة عصبية وهي تحتوي على النخاع والأعصاب وكل جهاز في هذه الجملة له وظيفة محددة ومختلفة عن الأخرى، وهذه الأجهزة تتحرك تحت تأثير مؤثر خارجي فتأتي حركات الجسم كردة فعل على التنبيه الذي تلقاه وفي بعض الحالات لا يحصل المنبه على استجابة مباشرة من الجسم وإنما يصعد التنبيه إلى الدماغ مباشرة.

وبالنسبة للفليسوف برغسون بالطبع، بشكل عام الدماغ على اتصال بأجهزة النخاع عامة ويتلقى منبهات من كل نوع؛ فالدماغ إذاً عضو اختيار. وكلما هبطنا بالسلسلة الحيوانية قلت وظائف الدماغ وضوحاً حتى نصل إلى الجملة العصبية البدائية حيث يصبح رد الفعل آلياً كالمتحول. ومهما دنت تركيبات الكائن بقيت وظيفة الرد على منبه تعمل وبهذا إذا كان الشعور يحفظ الماضي ويسبق الحاضر، فذلك لأنه مكلف باختيار.

فإذا كان الشعور يعني الاختيار وكانت وظيفة الشعور هي التقرير فمن المشكوك أن نصادف الشعور في الأجسام التي لا تتحرك تحركاً تلقائياً.

ولكن لا نستطيع القول إن هناك كائن غير قادر على الحركة؛ حتى النبات يتحرك. ولكن الشعور الملازم لكل حي يغفو في الكائنات عندما لا يكون هناك حركة تلقائية ويشتد في النشاط الحر. أما إذا انتقلنا للمادة، لوجدنا أنها مجرد كتلة هيولية تستطيع أن تغير شكلها ولا تكاد تكون شاعرة ولكي تنمو هذه الكتلة إما أن تسير في اتجاه الحركة، وهذا طريق العمل مع درجاته المتزايدة شدةً وعمقاً، والثاني أن تنال ما تريد من غير أن تمضي ساعية ورائه، ولكن شعور الخدر سرعان ما يصبح سباتاً لا شعور.

إذاً المادة هي سكون وضرورة، ومتى ظهرت الحركة فإن الكائن الحي يختار أو يميل للاختيار، والمادة ضرورية في هذه الحياة، والشعور ينفذ للمادة ويحملها هذا على التنظيم لتكون أداة حرية، ولكن المادة أحياناً تكاد تطوق الشعور لتجعله يقع في سبات اللاشعور. فلسفة برغسون ملتوية بعض الشيء، أليست كذلك؟

المادة والحركة والطاقة

الحركة والمادة متلازمان، لا يمكن فصل الأول عن الثاني، إذا لا توجد حركة بدون مادة، ولا مادة ساكنة بدون حركة. ولا يمكن إدخال الحركة في المادة إدخالاً لأن ذلك سيؤدي إلى الفناء والموت البطيء للكون، وهذا يتنافى مع العلم. وكما نعرف الطاقة لا تفنى ولا تخلق من العدم وهذه مقولة علمية، لكن مقولتنا الفلسفية المقابلة والتي تحتاج لبرهان هي: الحركة لا تفنى ولا تخلق من العدم.

سنحاول أن نبرهن على صحة هذه المقولة: لننطلق في برهاننا من أن للطاقة معياران؛ الأول كميّ والثاني نوعيّ. كذلك للحركة ذات المعياريين.

هينري برغسون - فلسفة الوجود الشعوري

وكما نعرف الطاقة ملازمة للمادة وخاصة من خواصها، كذلك الحركة ملازمة للمادة وخاصة من خواصها، لكن الطاقة تنتج عن الحركة، وهذا يحقق تلازماً بين المادة والحركة والطاقة. إذاً وحسب برغسون؛ الحركة لا تخلق ولا تفنى بحسب أهواء الفلاسفة. والحياة فيها حركة مستمرة ولذلك فهي لا تستقر، لأنها بحاجة مستمرة للنمو عدداً وغنىً وتكاثراً.

المادة والفكر والشعور

الآن إذا وضعنا المادة والشعور، كلٌ منهما بجانب الآخر؛ لوجدنا أن المادة هي عبارة عما ينقسم ويحدد، أما الفكر فهو ما لا يمكن أن نقول عنه وحدة أو كثرة، وهو اتصال، والفكر هو تناثر للكلمات في العقل. ونحن بطبيعتنا لا نستطيع أن نحيط بكل ما نفكر به إحاطة تامة، إلا عندما نعمد إلى ترتيب أفكارنا على أوراق، فترتبط المادة وقتها بالفكر.

عندما يظهر التحقق المادي للفكر، تعطى الحياة معنى، ونكون قد بلغنا مفهوم الفرح، وهو الذي ينبئنا أن الحياة قد نجحت على حد تعبير برغسون يا رفاق. فحيث يوجد الفرح يكون الخلق، كالأم التي تنظر لأبنها بفرح وتشعر بأنه خلقته جسماً وروحاً، وفرح الفنان عندما يخلق لوحة جميلة. أما الفرح الحقيقي هو عندما يشعر الشخص بأنه قد أنجز ما عليه وأتم ما أراد الوصول إليه.

هنا يظهر الفرق بين المرء الذي يبحث عن الاستحسان والمديح، ويريدهما لأنه لا يكون قد ظفر بشيء. وبين الواثق المبدع الذي يشعر أنه فوق كل تلك المظاهر، هو في هذه الحالة إنسان قادر على الخلق.

 

1

شاركنا رأيك حول "برغسون وفلسفته: عندما يكون الشعور مبررًا للوجود الإنساني"