تأثير الفن على حياتي: نقلة نوعية من العُزلة والحزن إلى الفلسفة الشخصية

تأثير الفن على حياتي: نقلة نوعية من العُزلة والحزن إلى الفلسفة الشخصية
5

تأثير الفن على حياتي مهول فعلًا، ولا أستطيع أن أسرده بشكلٍ كامل في مقال واحد، لكن سأحاول إيصال فكرتي بأقل عدد ممكن من الكلمات. هذا المقال سأروي فيه قصتي مع الفن بالمُجمل، وكيف له أن أثر عليّ بالإيجاب. وحولني من شخص مُنساق من قِبل الآخرين، إلى شخص لديه فلسفة حياتية خاصة، ومن خلالها يستطيع التصرف والحكم على الآخرين، وعلى نفسه.

الفن ليس السينما فحسب، الفن هو أي شيء وكل شيء تستطيع أن تشعر معه بالنشوة والحب. الفن هو  شيء يرفع معدلات الدوبامين في جسدك حتى تصل إلى عنان السماء، ولا تهبط إلا بعد ساعات وساعات. الفن هو نزعة الإنسان نحو الكمال، وتلك النزعة لن تصل إلى مُرادها حتى عند فناء البشرية من الوجود.

اليوم سأتحدث عن تأثير الفن إيجابيًّا على حياتي، بشيء من الاختصار تارة، وبشيء من الهيام المُطلق تارة أخرى.

أقرأ أيضًا: أقوى أفلام تحفيزية ستغير نظرتك لحياتك.. لترى العالم بشكل جديد

قبل تأثير الفن على حياتي، ما هي بدايتي معه؟

فيلم oliver twist

أول لقاء فعلي بيني وبين الفن، كان في فترة الإجازة الصيفية للصف الثاني الثانوي، مباشرة قبل دخول الصف الثالث الثانوي بجمهورية مصر العربية. ذهبت مع صديق لي إلى منطقة (محطة الرمل) بالإسكندرية، فقط للتنزه. لكن لفت نظري كتاب غريب مُلقى على الطريق، وعندما اقتربت منه اكتشفته أنه ينتمي إلى أحد باعة الكتب المتواجدين هناك. وقتها لم أعرف ما هو الأدب فعلًا، وكنت أكره الفصحى أشد الكره، وقد لاحظ البائع ذلك فعلًا.

قال لي: “أتريده؟”، رددت بالإيجاب، وقتها قال أن سعره 20 جنيهًا، لكن من أجلي فقط، سوف أحصل عليه مقابل 10 جنيهات. وبالفعل حصلت عليه، وفي طريقي للمنزل قال لي صديقي أنني أنفقت نصف مصروفي لذلك اليوم على لا شيء، لا فائدة من الكتب على كل حال. لكنها كانت تجربة جديدة، وأردت خوضها.

كان الكتاب بعنوان “الاستدعاء الأخير”، للكاتب عمرو المنوفي. كان يتحدث عن الأطباق الطائرة وما إلى ذلك، كانت حبكة رواية تستهوي مرحلتي العمرية جدًا. وبشكلٍ مفاجئ، أنهيت الكتاب في جلسة واحدة لمدة 4 ساعات من القراءة المستمرة!

كانت تجربة غريبة، لم أعتد على القراءة لأكثر من ربع ساعة، بدلت وضعيتي ألف مرة. كان شعورًا لم أحسسه من قبل أبداً، لكنه كان رائعًا بحق.

بعدها وجدت نفسي أخرج ورقة وقلمًا، وأشرع في سرد قصة تحت عنوان: “توسلات يائسة”. لا أعلم من أين أتت الكلمات، لكن اتضح أن القراءة العابثة للمناهج الدراسية، ومشاهدة الدبلجة العربية للكارتون والأنمي وأنا صغير، زودتني بحصيلة لغوية عبقرية. بعدها أخذت القصة لأبي ولم يُصدق أنني من كتبها، قال أنني سرقتها من الإنترنت.

وقتها اكتشفت عالمًا مليئًا بالأسرار والغوامض والروائع التي لم أكن أعلم عنها شيئًا: عالم الأدب. بدأت في شراء كتب كثيرة جدًا، روايات لا حصر لها، كلها لكتّاب مُعاصرين مثل حسن الجندي، محمد عصمت، أحمد عبد المجيد، شريف عبد الهادي، إلخ. ومع الوقت تعرفت على كتابات الرافعي والعقاد وألبيرت كامو ونيكوس كازانتزاكيس ونجيب محفوظ وأنيس منصور ومايكل كرايتون وكارل ساغان وأحمد خالد توفيق وغيرهم وغيرهم وغيرهم.

لذلك بدايتي مع الفن، كانت مع فن الأدب، بعدها من نفسه نقلني إلى فن السينما. وذلك عبر تجسيد لرواية (أوليفر تويست) للكاتب تشارليز ديكنز، في صورة فيلم سينمائي رصين بالبريطانية المُحببة إلى قلبي، إنتاج 2005. والسينما بدورها عرفتني على فن الموسيقى، التصوير، الإخراج، الرقص، إلخ. ثم نقلتني السينما إلى عالم الأنمي الياباني عبر استكشافي لعالم الأنميشن الأمريكي أولًا (وترشيح أنمي Death Note من قبل أحد أصدقائي)، ومن هنا عرفت اليابان وثقافتها، وكيف تُصنع الأنميات، وتوغلت أكثر في فنيّات كتابة السيناريو وتكوين المشاهد بصريًّا، وعشرات الأشياء الأخرى.

ومن هنا انفتح العالم كله أمامي، وصرت أتعرف في كل فن على الكثير من الأعمال المُذهلة، وبذلك أصبحت حياتي أفضل، وتغيرت 180 درجة بالكامل. هنا بدأ تأثير الفن يظهر عليّ، وهنا يبدأ مقال اليوم.

تأثير الفن عليّ لم يكن هينًا، كان كفيلًا بإخراجي من العُزلة والحزن

سيدة تشرب قهوة وتقرأ كتابًا

عُزلتي كانت إجبارية في الواقع، لأنني لم أعرف وجود أنواع أخرى من الفنون مسبقًا، وإلا لكانت اختيارية، أليس كذلك؟

في فترة بداية اكتشاف القراءة من الصفر، كنت وحيدًا إلى أقصى حد. لم يكن لديّ أصدقاء أبدًا، حتى زملاء الدراسة، لم أشعر معهم بالارتياح، ببساطة كانت فترة ما قبل الجامعة فترة سيئة بكل المقاييس على صعيد العلاقات الشخصية. لذلك كانت القراءة هي الملاذ، معها عرفت أنه يمكنني تكوين رابطة مع الكاتب حتى نهاية الرواية، يمكنني محاورته ومناقشته، يمكنني التساؤل عن الذي سيحدث قادمًا، ويمكنني التفاجؤ أنه استطاع اللعب بي وإقناعي بشيء يختلف تمامًا عن الذي كان بصدد فعله.

ذلك النوع من التفاعل الذهني والعاطفي كونته مع السطور والكلمات والأوراق بدرجة لم أستطيع تحقيقها في أرض الواقع. كان الفن هو الصديق الخيالي الذي دائمًا ما قال لي: “لا تحزن، أنا بجانبك”.

أقرأ أيضًا: تعرف على أسباب نجاح أفلام جون ويك التي ربما لم تخطر في بالك!

أيمكن أن يكون تأثير الفن هو الوسواس القهري؟ أجل، هذا ممكن

الوسواس القهري

اضطراب الوسواس القهري، أو الـ OCD – Obsessive-Compulsive Disorder، هو نوع من الالتزام المُطلق بالاحترافية في كل شيء. ويتخطى الأمر حيّز العمل والعلاقات، ليصل إلى حيّز ترتيب الغرفة ورصّ الكتب في الرفوف، وحتى ضبط قطعة الصابون في المرحاض في وضعية تماثلية مع سيراميك الحائط.

تأثير الفن عليّ كان إيجابيًّا في هذه النقطة، على عكس ما قد يعتقد البعض. الفن أثبت لي أنه تجسيد لنزعتنا نحو الكمال، تسخير تام لشبكة متشعبة من المهارات البشرية في مختلف المجالات، لنصل في النهاية إلى عمل فني يدب فينا النشوة بمجرد التعامل معه للمرة الأولى.

لذلك أنا مؤمن أن الفنون يجب أن تكون كاملة مُكمَّلة، يجب أن تكون متماثلة، يجب أن تكون على أعلى قدر ممكن من الجودة والاحترافية. هذا رسّخه بداخلي أسلوب (ستانلي كوبريك) التماثلي في إخراج الأفلام، وأي مُتابع لأفلامه، سيعرف ما الذي أتحدث عنه هنا.

هذا الوسواس القهري جعل حياتي مُريحة بشدة، جعل كل شيء في مكانه، لا شيء يضيع، لا مهمة تُنسى من الذاكرة، ودائمًا كل شيء في الموضع المخصص له دون تحريف.

هل تأثير الفن فعلًا هو نَفسٌ أفضلُ من النَفس؟

رجل يرسم نفسه

ما هو التعلُّم؟ ببساطة هو تغيير في السلوك نتيجة اكتساب خبرة مُعينة في الحياة. الفن علمني الكثير من الأشياء، أعطاني عشرات وعشرات الخبرات، وبذلك استطعت تكوين فلسفتي الحياتية الخاصة التي بها أتعامل في حياتي اليومية مع أي شخص.

علمني الفن أنه لا يجب التفرقة بين إنسان وإنسان بمنظور العقيدة، الأيدولوجية، الجنس، الميول الجنسية، أو أي شيء آخر. علمني الفن أنه لا يجب الحكم على الآخرين بالسوء بمجرد أنهم مُختلفون معي في وجهات النظر. كل إنسان من حقه أن يؤمن بالذي يؤمن به، ولا يحق لي التدخل في شؤونه على الإطلاق، هذا ليس من شأني.

علمني الفن أن أحترم الجمال وأقدره، وأن أكون صريحًا في ردود أفعالي مع الآخرين. علمني أيضًا أن الاحترام هو الورقة الرابحة في أي نقاش. هل وصلنا إلى سدٍ في النقاش؟ حسنًا، لا يهم، أنا أحترم رأيك، وأنت تحترم رأيي، إذًا نحن متعادلان، كان من الشرف الحوار معك يا سيدي، أشكرك، مع السلامة.

كذلك علمني الفن أن الجاهل بفنوني، ليس بالضرورة أن يكون شخصًا سيئًا. في بعض الأحيان قد يُصاب مُحب الفن بجنون العظمة، وأنه إله مُنزه عن كل عيب، وجميع البشر من حوله مجرد عبيد لا يفقهون شيئًا في العلم المتفرد الذي يحتفظ به بداخل جمجمته.

لكن لا، الذي اكتسبته من الفن هو أن الإنسان لديه فنونه الخاصة في الحياة. الهيام بالإله فن، الزراعة فن، رمي الحجر على الماء فن، الاهتمام بالعائلة فن، أي شيء يُسبب السعادة لصاحبه فهو الفن الخاص الذي يبرع فيه هو وحده، دونًا عن سواه. لذلك علمني الفن أن الكل جماله في الكل، واستقطاع الجزء من الكل جبريًّا، لن ينتج عنه إلا فُتات تذروه الرياح سريعًا دون نتيجة مرجوَّة.

أقرأ أيضًا: فيلم The Irishman بمذاق ثنائية روبرت دي نيرو ومارتن سكورسيزي

جعلني أرى الواقع، بواقعية

أيادي مختلفة البشرة

حسنًا، هنا الأمر مأساوي قليلًا. هنا تأثير الفن عليّ كان سلبيًّا، في البداية.

جعلني الفن أرى الحياة بطريقة مختلفة، جعلني أترك أفراح العالم جانبًا لبعض الوقت، وأجد الهالة السوداء التي تُحيط كل شيء سعيد في الحياة. القراءة في فلسفة العدمية والتشاؤمية جعلتني أرى الحياة فعلًا بمنظار أسود، ولفترة طويلة من حياتي رأيت أن الحياة لا غاية منها، وأننا جميعًا أتينا دون سبب، وسنذهب دون سبب أيضًا.

لكن مع الوقت، نفس الفنّ الذي بث في النظرة السوداوية، هو نفس ذات الفن الذي غيّرها إلى نظرة أكثر اعتدالًا وحكمة. مع الوقت علمني الفن أن لا شيء أسود بالكامل، ولا شيء أبيض بالكامل. كل شيء في هذه الحياة يحتوي على درجات مختلفة من الرماديّ. بعض البشر لديهم رماديّ يميل إلى السواد، وآخرون لديهم رماديّ يميل إلى البياض، وأن الذين لديهم درجة رماديّ ثابتة في المنتصف، هم العباقرة الذين يستطيعون التلاعب بالآخرين، وفي نفس الوقت إظهار العاطفة تجاه من يُحبون.

أكسبني مهارات عديدة، وجدد شغفي باستمرار

رجل يكتب وأمامه حاسوب محمول

على عكس المتوقع، أعطاني الفن الكثير من المهارات الأساسية في الحياة. من مشاهدة الأفلام والأنمي، وقراءة الكتب والتعامل مع مواقف مختلفة لشخصيات خيالية، عرفت كيف يتفاعل البشر مع بعضهم البعض تحت ظروف مختلفة. وما هي مُقتضيات كل ظرف، ولماذا تصرفت الشخصية الفلانية هكذا، ولم تتصرف هكذا؟ كل تلك الأشياء جعلتني أعرف كيف أدرس الذي أمامي بناء على قاعدة معرفية من الخبرات التي مرّت عليّ بداخل شاشات السينما وصفحات الكتب.

وكلما فقدت الشغف في حياتي أو في موهبتي أو في أي شيء أفعله، بمجرد الدخول على فيلم أو مسلسل أو كتاب، أسترجع الشغف للاستمرار مُجددًا. لأن هذا العالم الساحر به تعويذة لا تستطيع أن تنكر تأثيرها عليك. تأثير الفن عليك دافع للأمام، وللوصول إلى مستوى لم تتخيل أنك ستصل إليه في يوم من الأيام.

وأكبر دليل على ذلك هو فن الكتابة. في البداية كنت هاويًا جدًا، أكتب الذي في عقلي مباشرة على الحاسوب، وأنشر ما أكتب على حسابي بموقع فيسبوك. بعض الأصدقاء يُعجبون، بعض الأصدقاء يغضبون، والحياة تمر. حتى اكتشفت مجال التدوين الإلكتروني، ذلك المجال الذي أجبرني على القراءة أكثر والمشاهدة أكثر حتى تكون لديّ حصيلة لغوية ومعرفية جيدة، تؤهلني للكتابة في الفن.

وها نحن ذا، بعد حوالي 5 سنوات في التدوين الإلكتروني، أكتب لكم عن تجربتي مع الفن. تلك التجربة التي بدأت برواية صغيرة جدًا، وقصة ضعيفة جدًا، وأحلام معدومة، لتنتهي بمقال لم أتوقع يومها أنني سأكون صاحبه على الإطلاق.

وفي الختام

تأثير الفن هو نفس تأثير غريزة البقاء على المرء، إذا لم تجد الفن في حياتك، لن تستطيع العيش. صدقني يا عزيزي، لن تتشبث فقط بأمل الاستيقاظ في يوم جديد لتكون الحياة أفضل من تلقاء نفسها. الفن هو الذي يربت على كتفك دائمًا، ويحرص على أن تستمر في العيش، لتضع البصمة “الفنية” التي تريدها على العالم، مهما كانت تلك البصمة.

5

شاركنا رأيك حول "تأثير الفن على حياتي: نقلة نوعية من العُزلة والحزن إلى الفلسفة الشخصية"