أجريت أول جراحة تحول جنسي ناجحة في العالم في يوم ١٥ ديسمبر ١٩٥٢ لأحد الجنود الأمريكيين، أجراها له مجموعة أطباء اسكندنافيين، وكان الرجل يدعى جورج يورجنسن، وقد أجرى العملية حتى يتحول على أثرها إلى أنثى تحمل اسم كريستين، ثم عاد بعدها إلى وطنه وبعث برسالة إلى أسرته يقول فيها: "لقد أصبحت ابنتكم. وليس ابنكم"، ويقال إنهم قد تقبلوا الموقف واعتادوه بعد ذلك.

ومن بعدها تحول جورج "كريستين لاحقاً" إلى مادة إعلامية ثرية لوسائل الإعلام العالمية عندما نشرت صحيفة نيويورك ديلي نيوز الأمريكية على صفحتها الأولى قصة تحوله إلى أنثى هي كريستين، ومن ثم ماتت كريستين بالسرطان في الثالث من مايو عام 1980، ومنذ ذلك الحين أصبحت هذه العملية من العمليات التي تجرى في العديد من دول العالم بعد أن يثبت علميًا أن الشخص غالبًا ما يكون أقرب إلى الجنس الآخر منه إلى الجنس الذي ينتمى إليه، وأن عملية التحويل أصبحت أشبه بعلاج لعيب خلقي، نظرًا لما يعانيه من اضطرابات جنسية، وعلى شاكلة القضية وتنقلها بين وسائل الإعلام وجدت السينما فيها مادة رحبة من الممكن أن يبنى عليها الكثير من الحكايات.

التحول الجنسي في السينما المصرية

كانت السينما المصرية من رواد ذلك التناول بأكثر من منظور سواء كان التحول بشكل كامل، أو معالجة القضية كمجرد تنكر وتخفي رجال في زي نساء ونساء في زي رجال، ودارت أغلب مواضع السينما المصرية في إطار كوميدي، باعتبار أن الموضوع لم يطرح إلا هزلًا بهدف إثارة الضحك والسخرية منه.

فعادة الكوميديا لا تحمل إلا غرضًا وهو إما التفخيم من قضايا بسيطة أو التقليل من حجم قضايا كبيرة حتى ينفر منها المتلقي ولا يتبعها، وربما كان هدف السينما المصرية في أساسه هو البعد عن هذه العملية، لذا فعادة ما كانت إلا هزلًا يتلقاه المشاهد حتى يضحك، وبالتالي إذا قرر التفكير في الأمر في حياته الخاصة سرعان ما سينصرف عنه لأنه دائمًا يتلقاه بشكل ساخر ومضحك، ومن أشهر تلك الأعمال، فيلم "السادة الرجال" الذي تم إنتاجه عام 1987 بطولة معالي زايد التي تحولت جنسيًا لرجل، ومن قبله فيلم "الآنسة حنفي" الذي تم إنتاجه عام 1954 الذي قرر فيه الرجل "إسماعيل يس" أن يتنكر في زي امرأة، وفيلم "للرجال فقط" بطولة كل من "سعاد حسني ونادية لطفي" الذي تم إنتاجه عام 1964 وقرار سيدتين التنكر في زي رجلين حتى تتطابق مواصفتهما مع مهنتهما.

بنات العم.. إعادة إنتاج القالب

ويستمر ذلك الشكل الهزلي ويطول أيضًا في السينما المعاصرة، فقدم فيلم "بنات العم" عام 2012 من إخراج أحمد سمير فرج، بطولة الثلاثي: أحمد فهمي، شيكو، هشام ماجد، والذي تناول حياة ثلاث فتيات أصابتهنّ لعنة متوارثة جعلتهنّ يتحولن إلى رجال.

إذ إنه عندما أراد صناع العمل تناول الفكرة في عصر التكنولوجيا وما مر علينا من تطور كبير، لم يستطيعوا أن يتخلوا عن الشكل الفانتازي وإسناد الأمر لقضايا جادة، بل بُني الفيلم على فكرة "اللعنة"، تلك الفكرة المستحضرة من الأساطير اليونانية بداية من لعنة أوديب وإلكترا وديونيسوس فما الذي أتى بها إلى القرن ال21؟

لتكون الإجابة على ذلك السؤال هو أن السينما المصرية لم تكن قادرة على أخذ مثل هذا النوع من القضايا مأخذ الجد، لأنه في هذه الحالة سيقابل العمل بالرفض التام، وفقًا لثقافة المجتمع المصري وما يحوطه من معتقدات دينية وأخلاقية ترفض التوجه لتلك القضايا ومناقشتها، كما أنه لا يمكن أن ننسى أن المرجعية الأصلية منذ بداية مناقشة القضية في الأفلام القديمة كانت جميعها كوميدية لذا ففي الأغلب لم يتقبل المُشاهد المصري القضية في شكل جاد مبني على أسس علمية ووصف دقيق لمشاعر ذلك المتحول ومعاناته الجنسية والنفسية.

هاتولي راجل.. الأكثر ذكاءً

ولكن في عام 2013 قدمت السينما المصرية شكلًا آخر مختلفًا بعض الشيء عن فكرة التحول، ففي فيلم "هاتولي راجل" من إخراج أحمد شاكر وبطولة كل من: كريم فهمي، إيمي سمير غانم، كريم محمود عبدالعزيز، بُني أساس الفيلم على افتراضية "ماذا لو أصبح المجتمع المصري نسائيًا وليس ذكوريًا"؟

ومنها تحمل المرأة كل صفات الرجل ويحمل الرجل كل صفات المرأة، ولكن ظل الفيلم يدور في حلقة مفرغة عن طريقة التعامل بين الجنسين وكيفية المعاملة وأحكام الطلاق والغيرة والسخرية من أفعال النساء عندما يقوم بها الذكور والعكس، وحاول أن ينوه بالإشكالية الجنسية عن طريق مشاهد كوميدية يشكو فيها الرجال معاملة نسائهم لهم أثناء معاشرتهم في الفراش، لكن الحدث بات في إطار كوميدي دون التطرق لأسباب حدوث تلك المشاكل، ولكن الفرضية في أساسها تعد نوعًا من أنواع التحايل المشروع في مناقشة القضية، أي يسمح لنا "هاتولي راجل" أن نقول أنه كان الأكثر ذكاءً بين باقي أفلام السينما المصرية من حيث طريقة تناوله للموضوع.

التحول الجنسي في السينما العالمية.. سياق آخر

أما عن السينما العالمية فيبدو أنها كانت أكثر جرأة من السينما المصرية وخاضت تجارب عدة لمناقشة التحول الجنسي، وبالعودة إلى أصل الحادثة الأولية التي كانت هي شرارة الانطلاق الاولى للسينما نجدها قد وقعت في أمريكا، أي أن الغرب تقدم عن العرب في تقبل الأطروحة اجتماعيًا من الأساس، إذًا فعند طرحها سينمائيًا لم تلق هجومًا عليها مثلما تخشى السينما المصرية.

وعلى ذكر السينما المعاصرة قدمت السينما العالمية فيلم "الفتاة الدنماركية" من إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية، عام 2005 إخراج "توم هوبر"، تدور أحداثه في منتصف عشرينات القرن العشرين حول حياة الرسامة (أليسيا فيكاندير) عندما تطلب من زوجها الفنان الشعبي (إيدي ريدماين) أن يقوم بارتداء ملابس أنثى والجلوس على هيئة أنثى لإكمال لوحة فنية كانت قد بدأت بها وهي بحاجة لإكمالها، ليُساعدها بذلك زوجها.

ومن ثم يتطور موضوع تقليد الزوج لأنثى لتصبح الزوجة تُلاحظ تحولًا في صفات زوجها نحو الأنوثة مما أضر بعلاقتهما الزوجية. ومع محاولاته للإبقاء على نفسه ذكراً إلا أنه أصبح مُقتنعاً أنه امرأة من الداخل، مما جعله يُراجع الأطباء ، ومنهم من نصحوه بإجراء عملية تحول جنسي.

ناقشت السينما في ذلك الحين واقعة حقيقية لتؤكد على تقبل المجتمع الغربي لذلك التحول منذ زمن بعيد، وعلى نحو آخر انطلق الفيلم في حدثه على تسلسل منطقي لا علاقة له بالفرض أو الإسناد للخرافة واللعنة، فذروة الحدث قد بدأت بمجرد ارتداء رجل لزي امرأة وكأن ذلك الزي قد نبش عن مكنونات لم يكن يعلمها من قبل، ومنها يجسد بكل دقة المعاناة الزوجية التي عاناها الرجل مع زوجته وأثر ذلك على علاقتهما، وعن شعوره الداخلي وإحساسه بذكورته التي أصبحت منعدمة ومحاولات تمسكه بها وسيطرة الأنثى عليه حتى تمت عملية التحول.

الرجل المتحول.. امرأة رائعة

وفي عام 2017 تم إنتاج الفيلم الإسباني "امرأة رائعة" إخراج "سباستيان ليليو"، والذي تدور أحداثه حول فتاة متحولة جنسيًا تدعى "مارينا" كانت في حياتها السابقة رجل، ولكن حبكة الفيلم تتطرق لما بعد قضية التحول، حيث تطمح الفتاة في أن تصبح مغنية مشهورة، وتلتقي الفتاة برجل تحبه ويحبها وتخطط لمستقبلها معه. ولكن الرجل يكبرها بـ 30 عاماً، يمرض الرجل بمرض خطير، ثم يموت وتكون مارينا محل شك حينها. حيث لايثق بها الأطباء وأسرة الرجل، ويتم التحقق من مارينا من امرأة من المباحث لمعرفة ما إذا كانت مشتركة في وفاته، ومن هنا يشتد الصراع، وتظل مارينا تناضل من أجل حقها في أن تكون هي نفسها. وتخوض معارك قوية متذكرة قوتها الذكورية التي كانت قد أمضت حياتها سابقًا بها في القتال حتى تصل في نهاية الفيلم إلى أن تكون امرأة كاملة وقوية وصريحة ورائعة.

فأخذ الفيلم طابعًا تراجيديًا جادًا لم ينحرف ولو لمشهد واحد نحو الكوميديا، بل بات يقدم معاناة تلك الفتاة ليست لأنها متحولة بل لأنها فتاة بالفعل عشقت وأخلصت ثم قُوبل عشقها بالتجني عليها في قتل عشيقها، ليجعل المتلقي متعاطفًا مع تلك الأنثى في كافة الأحوال، وفي إطار آخر لم يبعد الفيلم عن ماضيها كرجل وقدمها ذكية رائعة كانت قادرة على استثمار حياتها السابقة في حياتها المعاصرة حتى تنجو من أزماتها.