التعليم والأنظمة الاقتصادية
0

منذ النشأة الأولى للمجتمعات، كانت هناك ضرورة قصوى لتأسيس أنظمة تعمل على تنظيم التعاملات بين الأفراد، بطريقة تُفضي إلى تحقيق أهداف هذا المجتمع. وتجسدت هذه الحاجة في النظُم الاقتصادية، والتي تساعد في الإجابة على ثلاثة أسئلة صعبة: ماذا يُنتَج؟ كيف ينتج؟ ومن سيستفيد بالإنتاج؟ ولما كان الوقوف على نظام اقتصادي بعينه يؤثر على سياق المجتمع بأكمله، يتأثر التعليم بشكل بالغ بالنظام الاقتصادي السائد. وتكون العملية التعليمية ومخرجاتها هي امتداد طبيعي لهذا النظام.

ولا يخفى على أحد سيطرة النظام الرأسمالي على الوضع الاجتماعي الحالي. وتمثل الرأسمالية مبادئ السوق الحر، والتي تقوم على ترك آليات السوق تعمل وفق قوانين خفية، العرض والطلب، بدون تدخل حكومي بارز. وأبرز ما يرسيه هذا النظام في المجتمع هو تعدد الطبقات الاجتماعية، بالإضافة إلى هيمنة المصلحة الشخصية، المدفوعة بالذاتية المطلقة. وعلى حد وصف المُنظّر الاقتصادي “آدم سميث” (Adam Smith)، فإن مثل هذا التضارب في المصالح هو ما يميز الرأسمالية ويجعلها تعمل.

دور التعليم في المجتمع الرأسمالي

كان التعليم يُمثل عملًا جماعيًا قبل ظهور مجتمع الطبقات، والذي بدأ منذ استغلال العبيد. حيث كان يتم تمرير العلوم والمعارف شفهيًا وعن طريق الإرشاد. ولكن منذ أن بدأ سيطرة طبقة بعينها على السلطات وعوامل الإنتاج، بدأ ينمو الإحساس بالحاجة إلى التفرد والسطوة. وتمثَل ذلك في محاولة احتكار التعليم الأكثر جودة، وتصعيب هذه المهمة على أبناء الطبقات الأدنى.

فعلى سبيل المثال، جعلت الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تسيطر على أوروبا في العصور الوسطى، تعلُم الإنجيل مقتصرًا فقط على فئة دون غيرها. فكان النبلاء ورجال الدين هم من يتعلموا اللاتينية وهو ما ساعد على تأويل تعاليم الإنجيل بطريقة تخدِم الإقطاعية والأرستقراطية.

وانعكس اهتمام من يملك الثروة من الآباء على توفير أكبر قدر من التميز لأولاده الذين سيكملون المسيرة من بعد ذلك، حتى أسفر هذا عن ظهور أماكن وأنظمة تعليمية بعينها، لا يلج إليها غير الصفوة، الذين سيرثون الجاه والمكانة الاجتماعية بعد ذلك، تمثل هذا في جامعات الصفوة مثل “جامعة كولومبيا” (Columbia University) والتي تفوق ثروة خريجها الاقتصاد الجزائري بأكمله.

ولم يتغير الوضع كثيرًا منذ لك الحين، حيث أسهمت الثورة الصناعية والتي أسهمت في إرساء معايير ثابتة يجب أن يتميز بها كل من هو مقدم على سوق العمل. ومع اعتماد التعليم شيئًا فشيئًا والترويج له كواحد من الفرص القليلة جدًا للترقي الطبقي، واكتساب مميزات الطبقة العليا، سعى النظام الحالي على غرس آثاره وأهدافه في كل ما يخص العملية التعليمية، حتى لا يكون لدى المتخرج منه أي عوائق تقف في طريق الانخراط مع هذا النظام فيما بعد.

الإعداد جيدًا للمستقبل في ظل السوق الحر

في عام 1920، أعد المفكران الماركسيان “نيكولاي بوخارين” (Nikolai Bukharin) و”يفجيني بريوبرازينسكي”  (Yevgeni Preobrazhensky) الخطوط االعريضة التي يتم العمل بها في النظام المدرسية تحت الرأسمالية. حيث أشاروا إلى ترويج العملية التعليمية لضرورة احترام طاعة النظام الاقتصادي الحالي. ويتمثل ذلك في عدم التشجيع على الفكر الإبداعي والنقدي والذي يساهم في تنمية الإحساس الذاتي للفرد، وبدلًا عن ذلك، يجب على الطلاب احترام النظام وعدم تشتيته والحرص على الطاعة تفاديًا للعقاب. ويعتبر غرس مثل هذه القيِم إعدادًا للأفراد حتى يتم تحقيق أقصى استفادة منهم في مجتمع السوق.

في الوقت نفسه، يتزايد دور النظام في رعاية جيل قادم يمثل القادة الجدد ورواد المستقبل. وتدعم العملية التعليمية ذلك من خلال غرس قدرات القيادة من الصغر، والاهتمام برفعة النفس والإحساس بالاستحقاق. ولا يتسنى ذلك إلا لأصحاب المكانة الرفيعة بالفعل، والذين هم التطور الطبيعي لعائلاتهم أصحاب النفوذ والسلطة. وتتم هذه العملية فقط في المؤسسات العلمية الغنية والعريقة والتي تتقلد ذمام هذه المهمة، يكون الكثير منهم فيما بعج قضاة أو رجال أعمال بارزين، وخلافه ممن لهم شأنًا.

وبخلاف ذلك، يرغب الرأسمالي أيضًا في رؤية من يدير عمله مكتسبًا أجود المهارات المؤهلات. لذا، يتم الإعتماد على الشهادات التي تمنح من برامج معينة، عادة ما تكون ذات أسعارًا مرتفعة، في أن تكون هي دليل اكتساب العامل للخبرات المطلوبة. ويكون الاتجاه أيضًا إلى الاهتمام بالبحث والتطوير، حتى يتمكن الرأسمالي من الوصول إلى أعلى معدل إنتاجية بأقل سعر ممكن.

وتشكل هذه المتطلبات، الواقع الحالي الذي نحيا فيه. فيذهب أبناء الطبقة الفقيرة إلى المدارس العامة، حيث التعليم ضعيف الجودة والذي لا يعين على التحديات التي ستقابل رواده. ويلتحق أبناء طبقة النخبة، بالمؤسسات العريقة والتي تضمن لهم استمرار فرض سيطرتهم على النظام المجتمعي الحالي. أما في المنتصف بين ذلك، فيوجد طبقة الباحثين والعاملين المهرة، والذين تقوم حياتهم على إيجاد فرصة مناسبة في هذا النظام.

مجانية التعليم والصراع الطبقي

لم تكن مجانية التعليم التي وصل إليها الكثير من المجتمعات سوى نتيجة لحراك طبقي على مر العصور. حيث مثلت الحركة التي نادت بأوضاع أفضل للعاملين في إنجلترا، خلال عام أربعينيات القرن التاسع عشر، بدايات المطالبة بنظام تعليمي عام مجاني، بالإضافة إلى الولوج إلى مجالات كان غالبًا ما يتم إبعاد العامة عنها مثل العلوم والثقافة. ومع مرور الزمن، استمرت هذه الحركات حيث نجحت الحركات الطلابية والعمالية في أستراليا إلى جعل التعليم ما بعد الثانوي مجانيًا في الماضي القريب.

ولكن لم يخلُ ذلك من حراك مضاد، حيث يحاول ساسة الرأسمالية دائمًا مجابهة هذه المطالبات عن طريق تعديل القوانين التي تقف ضد هذا المسعى. ومن ضمن هذه الإجراءات، هو خفض الديون الطلابية التي يتم إتاحتها لمساعدة الطلاب في الالتحاق بالجامعات. بالإضافة إلى التقليل من الإعانات الموجهة للمؤسسات العلمية، مما ينجم عنه حتمية انخفاض جودة التعليم.

0

شاركنا رأيك حول "التعليم والأنظمة الاقتصادية: دور التعليم في المجتمع الرأسمالي"