Ai Everything

صراصير آلية تستعد للمساعدة في إنقاذ ضحايا الكوارث

عبد الرحمن عمرو
عبد الرحمن عمرو

5 د

أجرى باحثون في جامعة كوينزلاند تجربة تطوير صراصير هجينة مزودة بكاميرات وحقن طبية صغيرة.

تعمل هذه الصراصير كروبوتات للبحث والإنقاذ، تستطيع التنقل في الأماكن الضيقة والصعبة.

توفر الصراصير الهجينة عيوناً إضافية داخل الشقوق وتسمح بتقديم مساعدة طبية أولية.

التحدي الرئيسي هو تحقيق استقرار ودقة التموضع عند تنفيذ الحقن في بيئات مضطربة.

تأتي التقنية في إطار الجهود لإيجاد وسائل إنقاذ جديدة تجمع بين البيولوجيا والتكنولوجيا.

في الكوارث الكبرى، لا تكون المشكلة دائماً في معرفة أن ناجياً ما يزال تحت الأنقاض، بل في الوصول إليه خلال الدقائق التي تسبق تدهور حالته. من هنا يبدو خبر تطوير صراصير هجينة مزودة بكاميرات وحقن طبية مصغرة أكثر من مجرد غرابة علمية؛ فهو يفتح باباً عملياً على شكل جديد من الروبوتات الحيوية المخصصة للبحث والإنقاذ، حيث تعمل الحشرة نفسها كمنصة تنقل واستشعار وتدخل أولي في الأماكن التي تعجز عنها فرق الإنقاذ أو الآلات التقليدية.


حين تصبح الحشرة أداة إنقاذ

بحسب تقرير نشرته The Guardian، يعمل باحثون في جامعة كوينزلاند بالتعاون مع مهندسين طبّيين من جامعة نيو ساوث ويلز على تطوير ما يسمونه بارابورغ، وهي صراصير عملاقة من نوع الصرصور الحفّار مزودة بإلكترونيات خفيفة وكاميرات ونظام حقن ذاتي يمكن تفعيله عن بعد. الفكرة الأساسية ليست جديدة تماماً في مجال الحشرات السيبورغ، لكن الإضافة هنا أن المهمة لم تعد تقتصر على الاستكشاف وجمع البيانات، بل تمتد إلى تقديم مساعدة طبية أولية لشخص محاصر.

هذا التحول مهم تقنياً. كثير من مشاريع الروبوتات الصغيرة تبرع في الرؤية والتنقل، لكنها تتوقف عند حدود الرصد. أما هنا فنحن أمام محاولة لجعل منصة الإنقاذ نفسها قادرة على تنفيذ فعل مباشر، حتى لو كان محدوداً، مثل إيصال جرعة إسعافية في اللحظات الحرجة.


لماذا اختير الصرصور تحديداً

الاختيار قد يثير نفوراً غريزياً، لكنه منطقي من منظور الهندسة الحيوية. هذا النوع من الصراصير يمتلك بنية قوية، وقدرة طبيعية على الزحف في الممرات الضيقة والتعامل مع الأسطح غير المستوية، وهي بيئة تشبه كثيراً الفراغات المتشكلة داخل المباني المنهارة أو الكهوف أو أكوام الحطام. بدلاً من بناء روبوت دقيق يحاول تقليد هذه الخصائص من الصفر، يستفيد الباحثون من ميكانيكا حيوية جاهزة ثم يعززونها بالتحكم والاستشعار.

هذا النهج يعكس اتجاهاً أوسع في الروبوتات الحيوية، حيث لا يجري استبدال الكائن الحي بآلة كاملة، بل يُستخدم كحامل طبيعي منخفض الطاقة وعالي الكفاءة. النتيجة قد تكون أقل تكلفة وأقدر على المناورة من كثير من الروبوتات المصممة للظروف نفسها.


الحقنة أصعب من الكاميرا

التحدي الحقيقي في هذا المشروع ليس فقط أن تصل الحشرة إلى الهدف، بل أن تتموضع بدقة كافية لتنفذ حقناً قريب المدى داخل مساحة مضطربة وغير مستقرة. ووفق النتائج الأولية، نجحت الصراصير الهجينة في تنفيذ الحقن بنسبة 95 بالمئة عندما كانت ضمن مسافة 15 سنتيمتراً من الهدف، بينما بلغت نسبة نجاح المهمة الكاملة، من الملاحة إلى الحقن، 72 بالمئة من التجارب.

هذه الأرقام تكشف شيئاً مهماً: التنقل وحده ليس المشكلة الوحيدة. الاستقرار، والاصطفاف، والتحكم عن بعد، وتقدير المسافة في بيئة معقدة، كلها عناصر حساسة في أنظمة الإنقاذ المصغرة. لذلك يبدو المشروع حالياً كإثبات مفهوم واعد أكثر منه تقنية جاهزة للنشر الميداني الواسع.

  • الكاميرا تمنح فريق الإنقاذ عيوناً داخل الشقوق الضيقة.
  • نظام الحقن يضيف طبقة تدخل أولي قبل الوصول البشري المباشر.
  • أصعب جزء عملياً هو التموضع الدقيق فوق هدف قد يكون مصاباً ومحدود الحركة.

ما الذي يضيفه هذا لفرق الإنقاذ

في عمليات البحث والإنقاذ، الوقت والرؤية والوصول هي أعمدة القرار. الطائرات المسيّرة مفيدة من الأعلى، والروبوتات الأرضية مفيدة في الممرات المفتوحة نسبياً، لكن الفراغات الصغيرة والمتغيرة تحت الركام تظل من أصعب البيئات. هنا يمكن لسرب من الحشرات السيبورغ أن يعمل كشبكة استشعار متنقلة، ترسل صوراً وبيانات موقعية وتسمح بتقدير حالة المصاب قبل المخاطرة بإدخال البشر أو المعدات الثقيلة.

الأثر العملي لا يتوقف عند الجانب الطبي. وجود وحدات صغيرة كثيرة ورخيصة نسبياً قد يمنح فرق الطوارئ مرونة تشغيلية أعلى، خصوصاً في الساعات الأولى بعد الزلازل، حين تكون الخرائط غائبة والبنية التحتية منهارة والقرارات مبنية على إشارات ناقصة.


الفكرة ليست أن تحل الصراصير محل المنقذين، بل أن تذهب أولاً إلى الأماكن التي لا يستطيعون بلوغها بأمان.


الجانب الأخلاقي حاضر أيضاً

مثل هذه التقنيات لا تمر من دون أسئلة أخلاقية. الفريق البحثي يقول إن الحشرات تُخدَّر أثناء تثبيت الأقطاب والشرائح الإلكترونية، وإنها تعيش مدة طبيعية بعد إزالة الأحمال. ورغم أن هذا يخفف الاعتراضات لدى بعض المتابعين، فإن استخدام كائنات حية كمنصات شبه روبوتية سيظل مجالاً حساساً، خاصة كلما زاد الاعتماد عليها أو توسعت قدراتها.

لكن المفارقة هنا واضحة: نفور الناس من الحشرات قد يصطدم بحقيقة أن هذه الكائنات نفسها قد تصبح في لحظة ما وسيلة إنقاذ لمن لا يملك ترف الاختيار. ذلك التوتر بين القبول النفسي والمنفعة العملية سيلازم على الأرجح أي نقاش مستقبلي حول الروبوتات الحيوية.


من تجربة مخبرية إلى سرب ميداني

الباحثون يتحدثون عن أفق زمني بين خمس وعشر سنوات قبل رؤية فرق إنقاذ تعتمد على أسراب متخصصة من هذه الحشرات، بحيث يؤدي كل فرد وظيفة مكملة للآخر، من الاستطلاع إلى تحديد المواقع وحتى إيصال دعم طبي محدود. هذا التصور ينسجم مع اتجاهات أوسع في الأنظمة الموزعة، حيث لا تعتمد المهمة على جهاز واحد خارق، بل على مجموعة صغيرة متعاونة.

ذو صلة

إذا نجح هذا المسار، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة فئة جديدة من تقنيات الاستجابة للكوارث تجمع بين البيولوجيا والاتصالات والتحكم الدقيق والطب الإسعافي. عندها لن يكون السؤال كيف نجعل الآلة تشبه الكائن الحي، بل كيف ننسج بين الاثنين أداة أكثر قدرة على إنقاذ البشر في أصعب اللحظات.

أحياناً تأتي أكثر أفكار المستقبل إقناعاً من كائنات نحاول عادة إبعادها عن بيوتنا. وفي مشهد الإنقاذ تحت الأنقاض، قد يصبح ما يبدو مزعجاً في الحياة اليومية أحد أكثر أشكال التكنولوجيا رحمة وفاعلية حين تضيق المسافة بين النجاة والفقد.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة