صورة من المشهد الأشهر في الفيلم
0

نحاول نحن البشر كل يوم تطوير عالمنا، وجعله أكثر ملائمة لنا ولمتطلباتنا، ولكن وبسبب السرعة التي يسير بها العالم أصبحنا ننسى الهدف الأساسي من هذه التطورات، أصبحنا ننسى الهدف من المنازل والعمل والزواج، أصبحت حياتنا جلها مصطلحات نهرول تحت مظلتها دون أن نعي جوهرها الحقيقي، ولماذا وضعنا هذه المصطلحات؛ في هذا الفيلم “والعدالة للجميع” سنرى كيف تضيع قيمة الإنسان وحياته دون ملاحظة من أحد.

عن فيلم And Justice for all

آل باتشينو من فيلم And Justice for all

تم إصدار هذا الفيلم عام 1979، والفيلم من إخراج نورمان جويسون، ومن كتابة فاليري كورتن، وباري ليفينسون، وهو من بطولة الممثل الكبير آل باتشينو، وقد رشح آل باتشينو لجائزة الأوسكار والجولدن جلوب عن دوره في فيلم And Justice for all لكنه لم يفز بأي منهما؛ يقوم آل باتشينو في الفيلم بدور المحامي “آرثر كيركلاند”، ويمثل آرثر هنا الضمير، وظيفة المحامي التي اشتهرت دائمًا بأنها ضمير مأجور، أصبحت الآن ضميرًا حيًا ويقظًا.

ضمير يقظ

يبدأ فيلم And Justice for all بمشهد لآرثر كيركلاند وهو خلف القضبان، سنعرف بعد ذلك أنه تطاول على قاضي في جلسة من جلسات دفاعه مما دفع القاضي لإصدار أمر بالقبض عليه وسجنه تأديبًا له، ومشهد البداية هذا يوضح لنا الكثير، لأننا خلال الفيلم بل وبالتأمل في الواقع حولنا سنجد أن الأمر لا يسير هكذا في المحاكم، لا أقصد هنا حدوث مشاجرة بين محامٍ وقاضٍ، بل أقصد أن يغضب محامي غضبًا يجعله يتشاجر مع القاضي، وكأن القضية تخص المحامي وحياته بشكل شخصي.

الذي يحدث في الواقع أن المحامي يعتبر وظيفته مجرد وظيفة مثل أي وظيفة، وظيفة تجلب له المال حتى يستطيع العيش ودفع الإيجار وثمن الطعام والشراب، ولكن هل يجب على المحامي أن يعمل بهذه الطريق؟ أم يجب أن يكون ضمير المجتمع، الضمير الذي يشير إلى الفساد ويوضح مكانه حتى لو عاد هذا الفعل عليه بالضرر وساهم في تقليل راتبه أو حتى رفضه من العمل؟

آل باتشينو من فيلم سربيكو

أعتقد أن آل باتشينو حاول في فترة السبعينات من القرن الماضي تمثيل الضمير في الوظائف المهمة في المجتمع الأمريكي، وبالطبع في العالم بأكمله، ففي عام 1973 نجده في فيلم “Serpico” كان يقوم بدور الضابط سيربيكو الضابط الذي رفض الفساد والرشاوي في مراكز الشرطة وقرر أن يحارب وحده كل الفساد، وقرر أن يتحمل الضغوطات والكره الذي سيتعرض لهما من زملائه، وبمثل هذا الحماس نجده مرة أخرى في فيلمنا هذا يرفض أيضًا أخذ المال -الرشاوي- مثل زملائه ويقرر أن يقوم بعمله على أكمل وجه حتى لو تسبب هذا في فصله من العمل.

آرثر والجد سام فيلم And Justice for all

آرثر وعلاقاته بالجد سام

نشأ آرثر في كنف جده سام الذي يقوم بدوره “لي ستراسبرج” يحب آرثر جده بشدة، ويظهر هذا الحب من خلال زيارات أسبوعية بين آرثر وجده في دار المسنين، وعلى الرغم من أن الجد سام ضعيف الذاكرة وبالرغم من اعتقاده أن آرثر ما زال طالبًا لم يصبح محاميًا حقيقيًا إلا أن العلاقة بين الجد سام وآرثر كانت علاقة جيدة وكثيفة، ولم تكتب لزيادة وقت الفيلم، بل كان لهذه العلاقة عمقًا مميزًا يمكن ملاحظته من اللقاء الأول بين الجد وحفيده. 

قاضي جيد وقاضي بغيض

في هيئة القضاة هناك قاضيان بارزان في فيلم And Justice for all لهم أدوار محورية، القاضي الأول هو فرانسيس رايفورد ويقوم بدوره “جاك واردين” وهذا القاضي يحب آرثر ويحاول مساعدته، كما نلاحظ أنه يدعوه إلى رحلاته في الإجازات، أما القاضي الثاني فهو القاضي هنري ت. فليمنج ويقوم بدوره “جون فورسيذي” وهو قاضي يكره ويبغض آرثر بشدة، ويبادله آرثر الشعور نفسه.

نجد أن هناك الكثير من المشاكل بين القاضي هنري فليمنج وآثر، هنري يرفض أن يقوم بالنظر في بعض القضايا التابعة لآرثر ونظرة القاضي البسيطة على هذه القضايا ستنقذ إنسانًا من العيش في زنزانة بلا تهمة حقيقية، وبسبب الشجارات والمشاحنات نجد أن جميع المحامين يعرفون العداوة بين هنري وآرثر؛ فجأة يحدث ما لا يتوقعه أحد ونجد أن القاضي الكبير هنري فليمنج متهم في قضية اغتصاب ويريد المحامي آرثر أن يدافع عنه وهذا لأن الناس تعرف بغضهم لبعض بالتالي إذا دافع عنه آرثر فهذا يعني أنه يمتلك سببًا وجيهًا لذلك.

آرثر وجيل باركر فيلم And Justice for all

جيل باركر.. العلاقة الوحيدة

جيل باركر هي قاضية أيضًا تقوم بدورها “كريستين لاهتي”، كانت جيل ضمن هيئة القضاة التي كانت مسؤولة عن استجواب آرثر ومساءلته في بعض الأشياء التي تخص عمله، وبناءً على هذه المناقشات يسمح للمحامي بالاستمرار في عمله أو إيقافه، وعلى الرغم من أن الجلسة كانت للمساءلة إلا أن جيل أعجبت بآرثر ولحقت به، ودعاها آرثر بدوره للعشاء، وهنا بدأت العلاقة النسائية الوحيدة لآرثر في فيلم And Justice for all.

على الرغم من أن العلاقة الظاهرة بين آرثر وجيل باكر هي علاقة عاطفية إلى أن دور هذه العلاقة في الفيلم أكثر تعقيدًا، وله تأثير أهم من ذلك بكثير، فقد سمحت هذه العلاقة لكاتب الفيلم بجعل آرثر الذي يرمز للمحامي صاحب الضمير والمبادئ في مواجهة مباشرة أمام جيل التي ترمز للهيئة القضائية وتدافع عنها، وهنا لم يستمر الفيلم في عرض وجهة نظره من جهة واحدة، بل أعطى مساحة للقضاء أيضًا للدفاع عن نفسه.

وخلال هذه العلاقة نبدأ في مشاهدة حوارات قوية تخص المحاماة والقضاء، كما نجد أن القضاء أصبح مطلعًا على أشياء وتفاصيل ما كان ليعرفها لولا العلاقة بين جيل وآرثر التي سمحت لجيل بسماع التفاصيل من آرثر، لكن هذه العلاقة ليست علاقة هادئة ومستمرة، بل نجدها علاقة كثيرة التذبذات والمشاكل، ونجد آرثر يريد دائمًا الهروب منها لأنه يجد اختلافًا كبيرًا في طريقة تناولهم للمشاكل ومعالجتها والنتائج التي يصل إليها هو وجيل.

آرثر وجاي بورتر

جاي بورتر.. عندما تقودك كلمة واحدة إلى الجنون

يقوم جيفري تامبور بدور جاي بورتر وهو صديق قريب لآرثر، نجد تطورات كبيرة ومحورية في شخصية جاي خلال الفيلم؛ يبدأ مشهد جاي الأهم عندما يذهب إلى منزل آرثر ويبدأ بالصراخ والبكاء، وذلك بسبب تبرئته المتهم إيرل سومز من تهمة قتل، وهو يعلم أنه قام بها، وبعد خروج إيرل من السجن قام بقتل ولدين في نفس الليلة، وبسبب الأحداث المتكررة والشعور بالذنب بدأ جاي يفقد السيطرة على نفسه.

في البداية فاجأ جاي الجميع عندما ذهب إلى حفلةٍ حليق الرأس، جذب صلعه المفاجئ هذا الأنظار إليه ثم عاد كل شخص لما كان مشغولًا به مرة أخرى، وكانت هذه الخطوة هي عملية تمهيدية لتوضيح أن أمور القضاء جعلت جاي يفقد زمام الأمور، ومع تقدم الأحداث نجد جاي قد سرق جميع الأطباق من مطعم المحكمة ويقف في أسفل المحكمة ويقوم بتكسير الأطباق ولا يسمح لأحد بالاقتراب منه، وبعد محاولات كثيرة استطاع آرثر الوصول له، وجاءت سيارة الإسعاف وقرر آرثر الذهاب معه، لذلك أعطى ملف القضية التي كان من المفترض ان يدافع عنها إلى زميل له.

أعتذر.. لم أتذكر!

كما قلنا في البداية لا يجب على المحامي أن يتعامل مع وظيفته مثل أي وظيفةً أخرى، إذا حدثت مشكلة في متجر ملابس أو مطعم يمكن أن تُحل المشكلة، أما عندما يكون الإنسان نفسه هو محور المشكلة هنا يجب أن تختلف مستويات الاهتمام، ونجد معالجة هذه النقطة عندما أعطى آرثر ملف قضيته إلى زميله، على الرغم من أن آرثر أكد على زميله أن ينظر في أوراق القضية وذلك لأن القضية بسيطة ويسهل إخراج المتهم منها إلا أن زميل آرثر لم يتذكر القضية إلى بعد بدأ الجلسة.

هرول المحامي إلى قاعة المحاكمة، لكن لسانه لم يسعفه للدفاع عن المتهم وذلك لأنه لم يطلع على أي تفاصيل تخص هذه القضية، وبسبب هذا الخطأ البسيط، نجد أن المتهم حكم عليه بالسجن، في مشهد لاحق نجد زميل آرثر يعتذر إليه بسبب نسيانه هذه القضية، ويتجلى هنا مفهوم الوظيفة في العصر الحديث، المال وآداء ساعات العمل والذهاب للمنزل هذا هو الهدف، أما الإنسان نفسه الذي تم إلقاؤه في السجن فلا أحد يهتم له إلا آرثر، لكن المشكلة أن المتهم لم يتحمل السجن ليلة واحدة وقام بالانتحار فور وصوله إلى الزنزانة.

جيف بعدما فقد السيطرة على نفسه فيلم And Justice for all

جيف ميكالف.. وحافة الجنون

جيف هو متهم يدافع عنه آرثر، لم يقم جيف بأي جريمة وتم أخذه إلى السجن والحكم عليه بسبب مخالفة بسيطة، كل ما يحتاجه آرثر هو كلمة من القاضي هنري فليمنج وهذه الكلمة ستخرج جيف من خلف الأسوار، لكن جيف يماطل في هذا القرار بل لا يهتم به، ويرى أن السجن هو مكان مناسب لمعظم الناس كي لا يقومون بأي جرائم حتى لو كان العقاب الذي ينزل بهم هو عقاب ظالم.

يظهر الفيلم نتيجة قرار فليمنج بذكاء شديد وذلك عندما يقوم فليمنج بحوار عن السجن والعدالة مع آرثر، وذلك أثناء استحمام فليمنج في حمام بخاري، وفي الوقت ذاته كان جيف قد فقد السيطرة على نفسه وقام بسرقة مسدس من ضابط وهو الآن يهدد السجن بأكمله، وذلك تحت حالة هيستيرية يصعب فيها الإقناع والحديث، سجين مظلوم لم تدفعه المماطلة إلا إلى الكبت والجنون وفي الوقت الذي كانت حياة جيف تأخذ منه بسبب قرار من فلمينج، كان فليمنج نفسه يعيش حياته بكل سعادة بالرغم من أنه متهم في قضية اغتصاب.

انهيار آرثر

مع سرعة الحياة يفقد الإنسان قيمته، ونجد أن الطبيب يتعامل مع المريض كحالة توفر له المال فقط، وبدلًا من التعامل مع البشر كبشر نجد أن الطبيب لا يرى الإنسان بل يرى كبد، ويرى كلية، ويرى طحال، يتحدث مع شرايين مغلقة، ومع قلب معطوب أم الإنسان فلا يهم، وهكذا المهندس، وهكذا التاجر، كل إنسان يقوم بعمله بشكل مجرد بعيدًا عن الهدف الحقيقي من ورائه.

وبالرجوع إلى آرثر نجد أنه لم يعد يحتمل المزيد، صديقه فقد عقله لأنه تسبب في حادثة قتل، والقضايا التي أمام آرثر واحدة انتحر صاحبها، والأخرى جن صاحبها وهدد السجن بأكمله مما جعل الشرطة تتعامل معه بالقوة، وحتى القضاة، قاضٍ متهم في قضية اغتصاب ويطلب منه أن يدافع عنه، وقاضٍ آخر يحاول الانتحار أكثر من مرة، ومع محاولات انتحاره ويأسه ما زال مسؤولًا عن حياة مئات البشر.

آرثر والقاضي هنري فليمنج فيلم And Justice for all

قرار مفصلي وانفجار لا بد منه

مشهد المحاكمة النهائي هو المشهد الأهم في الفيلم، وهو المشهد الذي سيقرر آرثر أن ينفس فيه عن غضبه، بعد حصول آرثر على أدلة جديدة تدين هنري فليمنج كان أمام قرار مفصلي وهو أن يدافع عن القاضي أو يعترف بالحقيقة، وأمام الضغط الواقع عليه من بداية الفيلم، وضميره الذي يتألم أمام كل ما يراه كان من السهل التنبؤ بالقرار الذي سيتخذه، وقد انفجر آرثر في وجه المحكمة قائلًا جملته الشهيرة “المحكمة برمتها تخالف النظام”.

وهكذا نكون قد انتهينا من مراجعة فيلم يعتبر من أهم الأفلام التي تجعل الإنسان يعيد التفكير فيما يصنعه كل يوم، وكيف يمكن أن يؤثر قرار صغير منه على حياة إنسان بأكملها، وعلى الرغم من مرور أكثر من 40 عامًا على صدور الفيلم، إلا أننا ما زلنا نعيش في وقتنا الحالي نفس المشاكل، وما زلنا نهمش الإنسان ونتعامل معه بشكل غير إنساني، وأختم هذا المقال بقول الكاتب جبران خليل جبران من كتابه “النبي” عندما تحدث عن العمل فقال:

والعمل يكون باطلًا وبلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة، لأنكم إذا اشتغلتم بمحبة فإنما تربطون أنفسكم وأفرادكم بعضها ببعض، ويرتبط كل واحد منكم بربه”. 

أقرأ أيضًا: أفلام DC دي سي الأنيميشن: الطريق إلى حرب أبوكوليبس

0

شاركنا رأيك حول "فيلم And Justice for all .. عندما تصبح السينما ضمير المجتمع"