0

ما بَنته خلال سنوات خسرته نتيجة قرارات بسيطة، بدّلت تلك القرارات أحوالها وقلبت سنوات ازدهارها إلى سنوات عجاف حوَلتها من مرتبة القائد إلى تابعٍ يلهث ليلحق بركب التطور، وهَوت بها من قمة المجد إلى قاعه حتى وقعت في غيبوبة، أفاقت منها لتجد نفسها بطلة فيلم وثائقي بعنوان (The Rise And Fall Of Nokia Mobile) يروي قصة فشل محزنة لا تليق بالعملاقة صانعة الهواتف المحمولة رفيقة ذكرياتنا “نوكيا”، فأي ذنب اقترفت حتى ترافقها لعنة الفشل لسنوات؟! هذا ما سنناقشه هذا المقال لتتعرف على قصة نجاح وفشل شركة نوكيا عرّابة الهواتف المحمولة.

أعوام ذهبية تلخص قصة نجاح نوكيا وصعودها إلى قمة المجد

تأسست نوكيا في فنلندا 1865 وبدأت في مجال الصناعات الخشبية وانتقلت بعدها لإنتاج الأسلاك الكهربائية والمطاط وغيرها، ثم دخلت بعدها سوق الهواتف المحمولة عام 1995 فأصدرت هاتف 8110 Nokia عام 1996 تلاه هاتف 3110 Nokia الأسطوري عام 1997، وفي عام 1998 أطلقت هاتف Nokia 6110 مع اللعبة المشهورة snake (الثعبان).

هاتف نوكيا 6610

وقد سطع نجم نوكيا ولمعت علامتها التجارية كأفضل شركة مصنِّعة للهواتف المحمولة في ذاك العام – 1998 – متغلبةً على شركة موتورولا، وفي عام 2003 أصدرت الهاتف الأول في التاريخ المخصص للألعاب وهو Nokia N-Gage، واستمرت نوكيا في رفد سوق الهواتف المحمولة بأفضل وأجود الهواتف وتابعت صعودها إلى قمة المجد إلى أن استطاعت في عام 2007 أن تستحوذ على 50% من الحصة السوقية وحققت مبيعات تجاوزت 50 مليار دولار.

“نوكيا، هل يمكن لأي أحد اللحاق بملك صناعة الهواتف المحمولة” كان هذا عنوان غلاف مجلة فوربس في عام 2007

بداية سقوط نوكيا أتت في نفس السنة التي تألقت فيها

بدأ عرش إمبراطورية نوكيا يهتز في نفس العام الذي صعدت فيه إلى المجد، عام 2007، فلم تلبث أن تمتعت بمجدها وهيمنتها على سوق الهواتف المحمولة حتى تلقت صفعة بمجيء شركة أبل بجهاز الآيفون في هذا العام معلنة نهاية عصر الهواتف التقليدية وبداية عصر الهواتف الذكية، ثم تبعتها سامسونج بإطلاق أجهزتها الأولى العاملة بنظام أندرويد عام 2008 لتزيح نوكيا عن عرش الصدارة إلى الأبد.

فشلت نوكيا في إصدار منتج منافس حتى عام 2010 حينما أصدرت هاتف Nokia N8. وعلى الرغم من أنه كان فائق الجودة آنذاك إلا أنه أتى ردًّا متأخرًا من نوكيا، فالمستخدمون كانوا قد انتقلوا بالفعل إلى هواتف الشركات المنافسة الجديدة لاستكشافها تاركين هواتف نوكيا وراءهم. ومع مطلع العام 2012 بدأت مبيعات نوكيا تنخفض واستمرت بالانخفاض حتى وصلت حصتها السوقية في عام 2013 إلى 5% فقط، ما جعلها تقف على حافة الإفلاس ولم تجد خيارًا أمامها سوى بيع قطاع الهواتف المحمولة الذي كان من نصيب مايكروسوفت.

Statistic: Nokia net sales worldwide from 1999 to 2020 (in billion euros) | Statista
مخطط بياني يوضّح صافي مبيعات نوكيا عبر السنين

أسباب فشل نوكيا.. كيف سقطت الإمبراطورية التي لا تقهر؟

بعد أن وصفتها فوربس بـ”ملك صناعة الهواتف المحمولة”، شكّلت نوكيا لسنين طويلة أسطورة العدو الذي لا يقهر؛ ولكن بسبب سوء الإدارة وعدم التأقلم مع التطور التقني بطبيعة الحال، دمّرت نوكيا نفسها بنفسها!

لا توجد علامة تجارية تريد أن تكون مثالًا للفشل في عالم الأعمال، إلا أن عدة قرارات اتخذتها شركة نوكيا ساهمت مجتمعةً في فشل علامة نوكيا التجارية في الحفاظ على مكانتها. ومن أبرز هذه القرارات،

الافتقار إلى الرؤية المستقبلية وعدم القدرة على فهم السوق

لم يكن لدى نوكيا رؤية واضحة لخارطة طريق منتجاتهم المستقبلية ولم تتمكن من توقع المخاطر والتهديدات المحتملة لتتجنبها، وقد ساعد ذلك في تمهيد الطريق لشركات أخرى كـ سامسونج وأبل وغيرها لتدخل سوق الهواتف المحمولة وتنافس نوكيا بضراوة.

احتدام المنافسة في سوق الهواتف المحمولة

لم تعترف نوكيا بالشركات التي دخلت سوق الهواتف المحمولة بعدها بأنها تشكل تهديدًا حقيقيًا لعلامتها التجارية، ولم تكن واعية لحجم المنافسة التي ستخلقها تلك الشركات حديثة العهد التي استطاعت بذكاء أن تتكيف مع التطور التكنولوجي وتلبي حاجة المستخدمين في آن معًا، فلمعت علاماتها التجارية وانطفأ اسم نوكيا.

الشراكة مع مايكروسوفت

أخطأت نوكيا حين ظنّت بأنه إذا أحب المستخدمون نظام تشغيل ويندوز على أجهزة الكمبيوتر فحتمًا ستحظى هواتف نوكيا بنظام تشغيل ويندوز فون بمحبتهم. فلم تكن الشراكة بين نوكيا ومايكروسوفت مثمرة كما كان متوقعًا لها، وفشلت محاولاتهما معًا في تزويد سوق الهواتف الذكية ببديل لهواتف أندرويد وأيفون.

قد تكون هذه اكبر خطوة قاتلة لنوكيا، فقد جعلتها تابعة لمايكروسوفت ممّا منعها من المنافسة في السوق بأريحية أو محاولة دخول عالم أندرويد في وقت أسبق، فلو كانت نوكيا عجّلت بصناعة هواتف تعمل بنظام أندرويد بدلًا من الشراكة مع مايكروسوفت، لربما كانت نجحت في الحفاظ على مكانتها في السوق.

التركيز على الاحتكار وإهمال الابتكار

إن الرضا هو أكبر عدو لأي شركة موجودة في سوق مفتوح تتحكم به قوى الطلب والتوريد، فعندما وصلت نوكيا إلى مرتبة الصدارة والهيمنة الكاملة على السوق غلبها شعور الرضا بأدائها والثقة الزائدة بعلامتها التجارية، فركزت على التصنيع والإنتاج لتلبية الطلب على أجهزتها أكثر من تركيزها على الابتكار، بينما كان الوضع مختلفًا مع سامسونج وأبل وإتش تي سي وغيرها والذين نجحوا في لفت انتباه المستخدمين إليهم وامتلاك قلوبهم بفضل أنظمة تشغيلها المعتمدة على الابتكار المستمر.

الاعتماد على قوة العلامة التجارية لوحدها

يبدو أن نوكيا أصابها مرض العظمة فقد بالغت في الاعتماد على قوة علامتها التجارية ولم تلقِ بالًا لتحديث وتطوير المنتج الذي تقدمه، حتى أتت شركات كأبل وهواوي بمنتجات حديثة متطورة لا تخلو من سحر الإبداع، فانصرف المستخدمون عن هواتف نوكيا واستبدلوها بالهواتف المنافسة.

أسباب أخرى ساهمت في فشل نوكيا

“نحن لم نرتكب أي خطأ، ومع ذلك خسرنا”. هكذا أنهى الرئيس التنفيذي لشركة نوكيا حديثه أثناء إعلان استحواذ مايكروسوفت على نوكيا
  • غياب الاستراتيجيات التسويقية الناجحة.
  • عدم اعتمادها نظام أندرويد.
  • الخلافات الداخلية في الشركة وغياب التنسيق.
  • عدم التكيف مع تغيرات السوق وحاجات المستخدمين.
  • الإدارة الفاشلة.

عودة نوكيا إلى سوق الهواتف المحمولة بحلّة جديدة

في عام 2016 أعلنت مايكروسوفت تخلّيها عن تطوير الهواتف بشكل نهائي، ومنحت حقوق استخدام علامة نوكيا التجارية لشركة HMD Global الفنلندية، والتي بدأت بإعادة إحياء مجد هواتف نوكيا وتحديث مزاياها، فأطلقت إصدارًا مُحدّثًا من هاتف Nokia 3310 ليذكرنا بنوكيا وعصرها الذهبي، ثم أطلقت هاتف Nokia 6 وتبعه مجموعة من الهواتف تخلّت HMD فيها عن نظام ويندوز معتمدة على نظام الأندرويد حتى تضمن وصول هذه الهواتف إلى أكبر شريحة من المستخدمين.

الإصدار المحدّث من هاتف نوكيا 3310

ولا تزال الشركة HMD تنتج المزيد من الهواتف تحت الاسم التجاري Nokia، تتمتع هذه الهواتف بمواصفات مواكبة للعصر الحالي لاقت استحسان المستخدمين بفضل جودة أدائها ومتانتها وتحديثاتها، حيث تأتي هواتف نوكيا بنظام أندرويد خام يتم دعمه بالتحديثات الفورية من جوجل نفسها – كهواتف جوجل بيكسل -، ولكنها بالطبع لا ترقى إلى منافسة كبار صانعي الهواتف الذكية.

أدى دخول نوكيا لعالم الهواتف الذكية واستخدامها لأنظمة أندرويد حتى في وقت متأخر إلى رفع أرباحها بشكل كبير من 12.5 مليار يورو في عام 2015 إلى 23.64 في عام 2016، وهي تعتبر قفزة جيّدة بالنسبة لشركة احتضرت لسنين طويلة.

وإلى الآن تستمر نوكيا في تصنيع هواتف أندرويد جديدة، بل وتنوي الدخول في عالم الأجهزة اللوحية أيضًا، حيث قامت بنشر صورة تشويقية على تويتر لأول حاسوب لوحي والذي من المحتمل أن يأتي باسم Nokia T20

دروس نتعلمها من أخطاء نوكيا التي أدت إلى فشلها

 

  1. الوجهة أهم من السرعة، لا بأس لو انطلقت ومشيت ببطء المهم أن تعرف إلى أين تتجه.
  2.  سيكون الفشل حليفك عندما تتوقف عن اتباع متطلبات السوق والمستهلكين وتتجاهل منافسيك.
  3.  الابتكار هو طوق النجاة للبقاء على قيد الحياة في عالم تنافسي.
  4. فكّر في الشراكات بناء على البيانات لا الافتراض، وادرس نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات المحتملة، فليس كل الشراكات ذات قيمة في عالم الأعمال.
  5. إذا أراد قادة السوق الاحتفاظ بمراكزهم القيادية، فعليهم إعادة تقييم أنفسهم باستمرار والسعي دومًا إلى التغيير، فالتغيير ضرورة للتماشي مع متطلبات العصر.
  6. احرص على تحديث خدماتك باستمرار، فليس من الحكمة أن تدخل معركة تنافسية رقمية وتحارب بأسلحة بدائية.
  7. لم تعد المنافسة في الأسواق المتعلقة بالتكنولوجيا بين البائعين بل تحولت إلى المنافسة بين النظم البيئية.

حتى وإن عادت نوكيا بخطوات خجولة إلى سوق الهواتف المحمولة، فإن وجودها أفضل من عدمه، والمهم أنها لم تزل على قيد الحياة وتحاول التعافي تدريجيًا من فشل دام لسنوات، هوى بها من قمة المجد إلى القاع، فكلنا أحببناها وحتى منافسيها، هي من ألهمتهم الابتكار ومهدت لهم الطريق ليدخلوا عالم الهواتف المحمولة ويبدؤوا رحلة نجاحهم من حيث انتهت نوكيا.

0

شاركنا رأيك حول "بعد سيطرتها على مجال الهواتف لسنين.. تعرف على أسباب فشل “نوكيا” وأخطائها الفادحة!"