رواية يوم غائم في البر الغربي .. رحلة عبر الزمن

رواية يوم غائم في البر الغربي .. رحلة عبر الزمن 9
6

إذا أردت أن تقرأ رواية ممتعة تقضي معها أياماً من التشويق والتسلية الشديدة فأنصحك بهذه الرواية، وإذا أردت شاهداً على عصر حافل بالأحداث العظام أيضاً أنصحك بهذه الرواية، وإن كنت من محبي السير الذاتية وقصص الشخصيات التاريخية الشهيرة فبالتأكيد أنصحك بهذه الرواية.

نتناول اليوم رائعة الأديب محمد المنسي قنديل؛ “يوم غائم في البر الغربي“، وقد كانت أول ما قرأت له وأجمل ما قرأت له كذلك. ربما لأنه في هذه الرواية بلغ من الإتقان في نسج خيوطها عبر أكثر من حقبة زمنية واستخدامه لرموز تاريخية مختلفة مرحلة لم يبلغها في أي من أعماله الأخرى.

يجري زمن الأحداث الأساسية لهذه الرواية في فترة الاحتلال البريطاني لمصر، بالتحديد في أثناء حكم اللورد كرومر والكفاح ضد الاستعمار، لذلك لا تندهش عزيزي القارئ إذا قابلت العديد من الشخصيات من التاريخ في هذه الرواية، فالرواية ثرية بعدة خطوط تتلاقى كثيرًا.

في البداية هيا نتعرف على بطلة الرواية التي سوف تأخذنا في رحلة عبر الزمن، البطلة عائشة التي تلقفتها الأيام وتلاعبت بها هنا وهناك لتعطينا قطعة من حياتها عاشت بها عشرات الحيوات.

في البداية نتعرف على عائشة الطفلة الصغيرة التي يُقتل أبوها ثم يتم تزويج أمها من عمها رغمًا عنها، هذا العم المعروف ببطشه وشهوانيته وجبروته، تحمي الأم عائشة من طائلة العم حتى تبلغ سن المراهقة فتقرر أنها يجب أن تغيب عن أنظار هذا العم الذي لا يراعي حرمة دين ولا قرابة ولا دم.

ولكن أين تذهب الأم بابنتها؟

وأين المكان الذي لا يصل إليه هذا العم الذي سيسعى للانتقام بعد تهريبها ابنتها؟

تفتق ذهن المرأة عن فكرة عبقرية أراد لها الكاتب أن تسكن عقلها، فقد قررت أن تذهب بها إلى المدرسة الداخلية للراهبات، وهو أبعد مكان عن تفكير العم، قامت الأم بمحو عائشة من سجل الأحياء لتظهر بدلًا منها ماري الفتاة المسيحية التي تهرب إلى المدرسة خوفًا من بطش العائلات في قريتها.

في المدرسة عاشت عائشة حياة من الخوف والرهبة في البداية قبل أن تبدأ في مد جذورها وإقامة علاقات الصداقة مع زميلتها إيزيس والراهبة الصغيرة مارجريت.

ماري ومارجريت والمحطة الأولى

كان من الممكن لولا وجود مارجريت – الراهبة الحنون – في حياة ماري أن تمضي رحلتها في المدرسة سلسة كبقية التلميذات، لكن مارجريت قامت بتغيير المسار بطريقة غير مباشرة.

حياة مارجريت كانت أيضًا تسير بهدوء لولا لحظات الاكتئاب التي كانت تدخل فيها من وقت لآخر لتعتكف في كهفها ولا تحدث أحدًا من البشر. وفي إحدى مرات اعتكافها حدث فيضان في البلدة كلها ومن ضمنها المدرسة، وكادت أن تُنسى في الكهف لولا حارس المدرسة رزق الذي أنقذها من الموت غرقًا.

مارجريت ورزق قصة عشق غير متكافئة، فالراهبة الصغيرة الأجنبية من المؤكد لا يجب أن يجمعها الحب مع الحارس المصري الأسمر، فلا المجتمع المنغلق في المدرسة أو المجتمع المصري نفسه يقبلان مثل هذه العلاقة، لكن حدثت فقط لتغيير مصير ماري أو عائشة، حب مارجريت ورزق كان لا بد وأن يُكتشف في يوم من الأيام، ونتيجة هذا الاكتشاف كانت كارثية كما هو متوقع، فرزق تم سحله وتعذيبه ومارجريت تم إرسالها إلى وطنها مرة أخرى بعد إخفاقها.

والنتيجة الأهم فهي طرد عائشة من المدرسة بما أنها كانت العالمة الوحيدة بهذه العلاقة وساعدت في إخفائها، لينتهي هذا الفصل من حياة عائشة.

وقفة صغيرة مع إيزيس

إيزيس الصديقة كانت ملجأها الوحيد بعد طردها، وقد فتحت لها منزلها لتحضر حفلةً تغير مجرى حياتها مرة أخرى وبصورة كبيرة.

في هذا الحفل في قصر أهل إيزيس، التقت عائشة علية القوم، بل والتقت أيضًا المندوب السامي البريطاني الذي سوف يكون لها محطة في منزله بعد ذلك، والتقت كذلك بهوارد كارتر الذي أعدكم بقصة شائقة معه عندما تلتقي عائشة به المرة القادمة.

المحطة الثانية في قصر الدوبارة

Evelyn_Baring,_1st_Earl_of_Cromer_by_John_Singer_Sargent

أرادنا الكاتب أن نطل على هذه الفترة فائقة التشويق في تاريخ مصر، لكن هذه المرة من مكان مختلف، من قصر الدوبارة مقر المندوب السامي البريطاني اللورد كرومر في مصر. لذلك قام بوضع عائشة هناك كوصيفة لزوجة اللورد الليدي كاثرين التي تكره وجودها فى مصر وتكره أهل البلد، بل وتكاد تكره زوجها ولا تستطيع التأقلم مع هذه الحياة الجديدة.

وتعمل عائشة لها في دور المترجمة الصامته التي تترجم لها المهم فقط من الكلام، ولكن سبب وجود عائشة في القصر ينتهي مع مغادرة الزوجة البلاد بسبب مظاهرة غاضبة أمام قصر اللورد.

يجب أن نتوقف هنا لنذكر أنه حتى الآن لم تكن عائشة لها أي دراية بالواقع السياسي ولا بالأحداث التي تجري في مصر، كانت غارقة في واقعها الأليم الذي تعيشه، وحتى اللورد في البداية كان بالنسبة لها لا يزيد عن زوج مخدومتها ذو المقام العالي والأهمية والذي يعاملها بتهذيب.

بعد رحيل الليدي تقوم عائشة بوظيفة المترجمة الخاصة للورد كرومر، حيث تترجم له بصفة يومية الصحف التي تصدر باللغة العربية، خصيصاً اللواء التي يصدرها مصطفى كامل، ليبدأ الوعي السياسي لدى عائشة يتكون.

وفي إحدى الأيام تلتقي عائشة مع عبد الرحمن الرافعي الكاتب فى جريدة اللواء، ليسألها ماذا تفعل في هذا المكان وهي المصرية؟ ليكون هذا لسؤال القشة التي قصمت ظهر البعير لتخرج عائشة من القصر للمرة الأخيرة وتبدأ مرحلة أخرى من قصتها.

المحطة الثالثة في أحضان القاهرة

daily1.482259

في هذا المرحلة من الرواية نرى عائشة الناضجة التي تأخذ قراراتها بنفسها لأول مرة بعد ما كانت ريشة في مهب الريح، وتقرر أن تكون محطتها القادمة كأحد أفراد جريدة اللواء، وتذهب إلى الجريدة بنفسها وتطلب العمل.

وبالطبع قربها من الدار المعتمدية وعملها بها لفترة طويلة جعل من حصولها على هذا العمل في منتهى السهولة خصوصًا مع معرفتها باللغة الإنجليزية والفرنسية.

وتقابل هناك حبها الأول والمثال الشهير محمود مختار، والذي كان يعمل مثلها في اللواء، وساعدها في البداية في الاستقرار في المدينة الكبيرة التي تدخلها وحيدة لأول مرة، ويحصل لها على مسكن ويعرفها على أم عباس التي تتحول إلى أم بديلة لها.

حياتها فى القاهرة كانت مختلفة، فتعرفت فيها على أشياء لم تكن تخطر لها ببال، مثل وجه البركة وهو مكان للغواني عرفته عن طريق الموديل التي يقوم مختار باستخدامها فى عمل تماثيله، نبوية المستحية والتي سوف يأتي ذكرها بعد ذلك في أحداث الرواية.

حب مختار وعائشة لم يكتب له النجاح. كان بقلب الفنان المرهف لايستطيع تحمل الكثير، لذلك عند أول هزة تعرض لها ترك كل شيء ورحل، فبعد مظاهرة حاشدة تم القبض عليه وتعذيبه وإهانته، ولم تتحمل كرامته هذا ليحطم تماثيلة ويقرر ترك البلد بأكملها بل وترك عائشة كذلك، لتشعر عائشة أن أبواب المدينة تغلق في وجهها ويتنازعها الحنين لأمها وقريتها لتبدأ مرحلة جديدة في روايتنا.

وقفة صغيرة مع العذاب و النجع مرة أخرى

هذه المرحلة من روايتنا كئيبة للغاية ومليئة بالعذاب، فبعد فراق مختار وجدت عائشة كل الأبواب مغلقة أمامها، الجريدة توقفت، مصطفى كامل توفى، لم يعد لها مصدر للرزق ولا قوة للبحث عنه. وفي هذه الفترة أتى إليها عمها عمران ليخبرها أن أمها مريضة، وأنها هي من طلبت منها أن يأتي إليها بعائشة، نريد أن نصرخ بعائشة ألا تصدقه، لكن للأسف كلمات القارئ لاتصل للبطلة، لتسير إلى مصيرها في حتمية روائية.

تذهب عائشة للقرية لتكتشف كما توقعت عزيزي القارئ أن والدتها توفيت وأن عمران علم مكانها من مختار حين ذهب لطلب يدها من والدتها قبل المظاهرة وجاء ليأخذها ليفعل بها ما ود منذ البداية.

هذا الجزء من الرواية محبط بشدة، فعائشة احتملت التشرد بعيداً عن والدتها من مكان إلى مكان وتعلم الحياة وحيدة فقط لتهرب من هذا المصير، لكن يبدو أنها قامت بتأجيله فقط لتقع في النهاية بين براثن هذا العم الذي لا يخشى الله.

وبعد الاعتداء عليها مراراً وتكراراً تقوم الذئاب بإنهاء مأساتها لتقتل العم الشرير وتصبح الحرية من حق عائشة لكن بعد فوات الأوان، فعائشه تحمل في أحشائها طفل زنا.

وقفة أخرى في وجه البركة والخلاص عندما يأتي من القبح

بعد عودة عائشة إلى القاهرة علمت أن مكانها لم يعد في منزل أم عباس حيث تعلمت الحب العفيف، ولم تجد أمامها باباً مفتوحاً سوى باب نبوية في وجه البركة محل الداعرات الدائم، في هذا المكان تخلصت من طفلها وبدأت تجمع بقاياها لتعود إنسانة مرة أخرى، وتقابل كارتر مريضاً لتقوم برعايته ويبدأ الفصل الأخير من الرواية مع كارتر.

المحطة الأخيرة لقاء تاريخي مع كارتر وتوت عنخ أمون

Howard Carter (1873-1939) english egyptologist near golden sarcophagus of Tutankhamon (mummy) in Egypt in 1922 (photo Harry Burton) colorized document (Photo by Apic/Getty Images)

في هذه الرواية كما قلت العديد من الخيوط المختلفة التي تجتمع في النهاية لتصنيع النسيج المتفرد لها، مثل الأجزاء التي حكى فيها قصة إخناتون وتوت عنخ أمون أو قصة حياة كارتر، هذه الأجزاء إن قرأتها وحدها لأحسست أن هناك تشتيت للقارئ، لكن في النهاية تجد أن الأحداث كلها متصلة ببعضها البعض وبعائشة.

لقد قابلت عائشه كارتر مرتين في خلال الرواية؛ مرة في الحفل ومرة في حديقة منزل اللورد كرومر، والمرة الثالثة عندما وجدته مريضًا وطببته في وجه البركة، وفي هذه المرة طلب منها أن ترحل معه فربما يكون القدر يجمعهما سويًا مرة بعد الأخرى لسبب ما.

ذهبت معه إلى طيبة ليكمل بحثه الشغوف في الآثار المصرية، ليجد في النهاية ما يريد ويكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وتمضي هي في رحلتها للبحث عن مكان لنفسها سواء في قلبه أو بجواره أو كما كانت منذ البداية وحدها.

6