0

جريمة إنجلترا في حق البشرية، رياضة الحمقى ومنبع التعصب، هكذا كان يصف جورج لويس بورخيس، الأديب والناقد الأرجنتيني، كرة القدم كواحدة من مُمارسات الحمقى والتي انتشرت كنتيجة لانتشارهم، اشتهر عن بورخيس في بلده الأرجنتين كرهه الشديد لكرة القدم، حتى أنه في كأس العالم لسنة 1978 تعمد أن يجعل إحدى محاضراته في نفس موعد بث مباراة الأرجنتين الأولى.

“كرة القدم منتشرة لأن الحماقة كذلك”
– جورج لويس بورخيس.

لم يتحدث بورخيس عن سبب كراهيته بوضوح، إلا أن ما يمكننا أن نستنتجه من قصته القصيرة “يبدو كذلك Esse est Percipi”، تحكي القصة حكاية سائح يعود لزيارة الأرجنتين بعد فترة طويلة من آخر زيارة له، ليجد أن أحد أكبر ملاعبها ليس موجودًا ورغم ذلك يستمع للمذياع بالقرب منه ليجد أن هناك مباراة تذاع في الراديو والمشجعين تتملكهم الثورة، يتمكن من الوصول عن طريق أحد معارفه لرئيس إحدى النوادي ويسأله أين يقع الملعب الجديد ونتيجة المباراة السابقة، ليجيبه بمفاجأة:

“لا توجد نتيجة، ولا جداول ولا حتى مباريات، الملاعب هُدمت بالفعل، اليوم كل شيء يُنتج بالتليفزيون والراديو، لعبت آخر مباراة كرة قدم في هذه العاصمة في الرابع والعشرين من يونيو عام 1937، ومُنذ ذلك الحين أصبحت كرة القدم، كالكثير من الألعاب الرياضية، فنًا دراميًا ينتجه رجل واحد في كشك”.

كرة القدم

يمكننا أن نستنبط كراهية بورخيس لكرة القدم من بغضه الشديد للقومية والدولة والأسلوب المجتمعي بشكل عام والجماهيري بشكل خاص، في أحد لقاءاته مع الكاتب البيروفي ماريو بارغس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل، يصف بورخيس القومية على أنها “أصعب آفات العصر على الاجتثاث” إن مشكلة بورخيس مع القومية ينبع أساسها من التأييد الأعمى الذي يتخذه القوميون فقط بسبب انتمائهم لنفس العرق أو المحيط الجغرافي، هذا التأييد الأعمى والتعصب هو نفس ما رآه بورخيس في جماهير كرة القدم.

سيكولوجيا الجماهير

في الواقع إن التحول الذي يحدث لمشجع كرة القدم في وسط باقي جمهوره لا يختلف كثيرًا عن التحول الذي يحدث في نفس السياسي عندما يقف بين أعضاء حزبه. يفقد كل منهما إحساسه الفردي وطباعه وحتى قد ينسى كل مشاغل حياته وتندمج ذاته مع ذات بقية الأعضاء أو المشجعين ليكونوا “الجمهور”.

كانت نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أول بداية لتشكيل “جماهير” العصور الحديثة، مع صعود البلاشفة الشيوعيين للحكم في روسيا وانتشار الثورات الاشتراكية في أرجاء أوروبا. أثارت هذه الجماهير تساؤلات مفكري اليمين عن القوى التي تتحكم بهم وتحولهم من ذواتهم الفردية، والتي قد تكون رحيمة هادئة، إلى ذات واحدة جمعية قادرة على ارتكاب أفظع الجرائم.

كان المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون أحد أهم المؤثرين في دراسة “علم نفس الجماهير” بكتابه الشهير “سيكولوجيا الجماهير” والذي وصلت شهرته إلى أن أصبح الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت أحد قراء لوبون.§ ويستشيره في العديد من المشاغل السياسية.

كرة القدم
كتاب سيكولوجيا الجماهير

من البديهي جدًا أن يكون أي ليبرالي أرستقراطي مثل جوستاف كارهًا للجمهور ومشبهًا له بالبرابرة الذين يريدون القضاء على الحضارة، وفي الواقع يمكننا أن نلخص كتابه كله في مجموعة أوصافٍ أدبية جميلة للجمهور مثل أن الجمهور وإن كان به ألف فردٍ ذكي فإنهم إذا اجتمعوا لم يتألف من جميعهم سوى أحمق واحد، وهو متطرف راديكالي في أي قراراته، فهو لا يكاد يشعر بالشك حتى يتحول لليقين، ولا يكاد يشعر بالنفور حتى يتحول فورًا إلى مجرم خطير قادرٍ على التخريب.§ إلخ..

وليست هذه الأوصاف الأدبية ما جذبت هتلر وموسوليني وكبار رجال السياسة لقراءة كتاب لوبون، ولكن كانت فصوله في “ترويض الجمهور”. يعامل لوبون الجمهور كما ذكرنا “كالبرابرة”، الذين يجب على رجل السياسية فقط أن يرضيهم، لذلك لم يعطِ لوبون فصولًا كثيرة حيال تفسير سلوك الجماهير فهو يكتفي بالقول إن الفرد يتبع غريزته البدائية القبلية عندما يصبح وسط جمهور، وبهذا يهبط من سلم الحضارة ليتحول لهمجي غريزي§.

كانت نصائح جوستاف لقائد الجمهور تتمثل في تفسيره للمؤثر الأول على الجماهير: الهيبة والإيحاء، الجمهور أحمق كما يصفه جوستاف، يتأثر بالعواطف أكثر من تأثره بالعقل والمنطق، لذلك يجب أن يكون للزعيم القدرة على تمثيل عواطفه بشكل جيد للتحكم في تلك الجماهير§ وأن يستغل العامل النفسي الذي يتحكم في تلك الجماهير بسيطة العقل، كأن يكرر مطالبه عليهم مرارًا وتكرارًا حتى تصبح من ثوابت وجدانهم ويسلموا بها§.

ماذا عن الجماعات بلا زعيم؟ لا جماعة بلا زعيم، هكذا رأى لوبون، يجب أن يكون هناك عقلٌ مُدبر للجماعة وهذا ما يحدث في جماهير كرة القدم، هناك دائمًا قائد منهم يوجههم جيدًا لما يفعلون، كذلك الذي يخترع جملة تشجيع جديدة للاعب ما عندما يُحرز هدفًا رائعًا.

 الطوطم والتابو لعالم النفس سيغموند فرويد: عندما بدأ الإنسان بتحريم الأشياء!

كرة القدم، التعصب والقومية

القليل من جمهور كرة القدم غير متعصب، بل أن بعضهم يفتخر -كنوع من الانتماء- بأن يصف نفسه كمتعصب لفريقه. لم يفسر جوستاف لوبون لماذا يتصرف الجمهور هكذا، لقد أمعن في وصفه وفي كيفية ترويضه دون الحديث عن تفسير سلوكه، واستمر علماء النفس الاجتماعيون يسيرون على تفسيرات لوبون “الهيبة والإيحاء”§.

جاء فيما بعد علماء مثل سيغموند فرويد، عالم النفس الألماني، في محاولة لاستكمال تفسير لوبون، إلا أن منهجية فرويد قد سيطر عليها الجانب الجنسي المُهيمن على منهجيته في التحليل النفسي فجوبهت محاولته في تفسير سلوكيات الجماهير بنقد واسع حتى من تلاميذ مدرسة التحليل النفسي§.

حديثًا استمر العلماء بربط حاجة الإنسان للتواجد في جماعات بسطوة الجمهور على نفس الفرد، اقترح ليون فستنغر، عالم النفس الاجتماعي، في نظرية المقارنة الاجتماعية theory of social comparison أن تكوُّن الجماهير مرتبط بحاجة الأفراد للتأكد من أفكارهم§، يعطي أفراد الجماهير لنفسهم نوعًا من التشجيع والتأييد الذي يوثق ارتباط كل فردٍ منهم بمعتقده الشخصي أولًا وبجمهوره ثانيًا.

تلعب الغريزة، كما قال لوبون، دورًا هامًا كذلك في انتمائنا للجماهير، وجدت أحد الدراسات أن الفرد يحصل على مكافأة بيولوجية عند انضمامه لجمهور وفي حال مغادرته لذلك الجمهور§ (مطرودًا مثلًا) فإن القشرة الحزامية الأمامية الظهرية dorsal anterior cingulate cortex، وهي منطقة مسؤولة عن الشعور بالألم الجسدي بشكل أساسي، تظهر نشاطًا ملحوظًا كنوع من المعاقبة البيولوجية عند الخروج من المجموعة.

يُفسر لنا هذا سبب ارتباط كرة القدم بالقومية، التي مقتها بورخيس، القومية تعني الانتماء الأعمى للجماعة، والحق أن التاريخ أثبت رؤية بورخيس لكرة القدم على أنها مرتبطة بقومية الشعوب، كان موسوليني، الفاشي الإيطالي، أول من رأى في كرة القدم أداة رائعة لخلق ما سماه “توحيد الشعب” تعمل هذه الأداة جيدًا كل أربعة سنوات لتعيد تنشيط الرغبة في التفوق العرقي عند الشعوب، وهكذا كان موسوليني من أول وأكبر داعمي الفيفا في العالم.

الجدير بالذكر أن بداية ظهور كرة القدم كرياضة لأول مرة في إنجلترا، كان ذو ارتباط وثيق بالفوضوية وبالقومية: كانت تُلعب كرة القدم بين فريقين كل فريقٍ يمثل قرية من القرى الإنكليزية وكان هدف كل فريق هو إيصال الكرة إلى قرية الفريق الخصم، والقواعد: لا قواعد. أدت الكرة لأعمال شغبٍ هائلة في كل أنحاء إنجلترا، بل وأوروبا كلها فيما بعد، وذلك ما جعل إدوارد الثاني§ يحظر كرة القدم لأول مرة في إنجلترا ليتبعه فليب السادس ويطبق الحظر في فرنسا.

كرة القدم

رأى بورخيس، وجورج أورويل كذلك أن الأصول العرقية العنيفة والقومية التي ارتبطت بكرة القدم استمرت معها ليومنا هذا، وهو ما نشهده بالفعل حاليًا في التشجيع الأعمى لفرق المنتخبات القومية في كأس العالم، أو حتى الفرق المحلية. لكرة القدم تاريخ طويل لا ينتهي في عمليات الشغب، ككارثة ملعب هيسل عام 1985 والتي لقي فيها 60 إنسانًا حتفهم في مشاجرة بين مشجعي يوفنتوس وليفربول.

كرة القدم، كفن درامي كما يصفها بورخيس، طغت على كرة القدم “الرياضة” لذلك قد نجد أن عدد مشجعي الكرة قد يفوق عدد لاعبيها لاعتمادها على رغبة الإنسان بالتواجد في جمهور أو جماعة، بالإضافة إلى الشعور القومي بالقومية والانتماء بالأخص عندما يتعلق الأمر بوطن/ مسقط رأس الفرد.

التحليل النفسي: علم أم علم زائف؟

0

شاركنا رأيك حول "“كرة القدم منتشرة لأن الحماقة كذلك”.. ما الذي كان يقصده بورخيس؟"