تصوف
0

يتناول الكاتب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس في كتابه تصوف: منقذو الآلهة الذي بدأ كتابته عام 1914، ثم رأى النور عام 1927، صراع الإنسان في الحياة وعلاقاته مع ما هو داخله وخارجه، في محاولة منه لمساعدة الإنسان على التناغم مع الإله والكون من حوله، وكان هذا ما قد جسده كازانتزاكيس في رواياته، وهو ما يتفق مع الصوفية التي ترى في صفاء القلب مع الله طريقة يستوعب من خلالها الإنسان الدنيا بحلوها ومرها، ليصبح وترًا منسابًا في إيقاع الحياة.

نرشح لك قراءة: أن تخلق عالمًا زوربيًا: فلسفة الحياة على طريقة الأسطورة الخالدة زوربا اليوناني

الإنسان بين المظهر والجوهر: عبدًا أتاه الله من لدنه علمًا

يشير الكاتب كازانتزاكيس في كتابه تصوف: منقذو الآلهة إلى روح الإله في هذا الكون بكل تفاصيله وأحداثه سواء كانت جيدة وحتى إذا بدت غير ذلك، وفي إطار هذا يلفت نظرنا إلى عجز الإنسان عن رؤية الجوهر بوضوح، واقتصار استيعابه على المظاهر فقط، وهو ما يتشابه كثيرًا مع مصطلح العلم اللدني، المتصل بالأسرار والغيب، الذي يمنحه الله لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء.

يناقش الكاتب كازانتزاكيس في كتابه تصوف رغبة الإنسان غير المحدودة في المعرفة؛ معرفة ما وراء كل ما يحدث معه، سواء فيما يخصه شخصيًا أو يخص الجنس البشري بأكمله.  فيطرح دومًا أسئلة مثل: لماذا تحدث الحروب؟ أين الله من الفقراء؟ وكيف يستمر الظالم في ظلمه دون رادع؟ وغيرها من الأسئلة التي تفتش عن الغيب، والأحداث التي يجدها الإنسان غير منطقية.

يؤمن كازنتزاكيس أن هذه الرغبة الهائلة في المعرفة تبدو غير مجدية، فيقول: “عليك أن تدرك وأن تقبل حدود العقل الإنساني بلا محاولات عصيان لا جدوى منه”.

سعي الإنسان لسبر أغوار الغيب ليس بغريب أو مرتبط بالعصر الحديث، فتلك الرغبة قديمة قدم الإنسان، وقد تمكنت من النبي موسى، ووضحها القرآن في قصة يعتبرها الصوفية لب التصوّف الإسلامي، كما جاء في كتاب “بحار الحب عند الصوفية” للكاتب أحمد بهجت، وهي قصته عليه السلام مع العبد الرباني.

تصوف كتاب لليوناني نيكوس كازانتزاكيس

كتاب تصوف منقذو الآلهة للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس
غلاف كتاب تصوف منقذو الآلهة للكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس

يطرح كازنتزاكيس في كتابه تصوف: منقذو الآلهة طريقة للتعامل مع ظواهر الحياة المثيرة لقلق الإنسان، فهو أولًا يطلب من الإنسان أن يكتفي بما يدركه من ظواهر فيما يسميه بالواجب الأول، ثم يطالبه بالتأمل فيما وراءها مطلقًا عليه الواجب الثاني، وهذا يتلاقى مع روح الصوفية التي تقوم على اجتهاد لتصفية القلوب إلى الله، لعله يفتح عليهم بأسراره ومكاشفاته.

فبالعودة مرة أخرى إلى قصة سيدنا موسى مع العبد الرباني، نجد أنها تجمع بين الواجبين المذكورين، ومن أهم دروس القصة التركيز على أن في الدنيا أحداثًا يختلف ظاهرها عن باطنها، فيكون الظاهر ألمًا أو انعدامًا للمنطق، مع أن الجوهر رحمة وحكمة.

فالنبي موسى كان بشرًا آتاه الله علمين، علم بني آدم، ثم كرمه بعلم الأنبياء، أما العلم اللدني فهذا ما تمنى أن يدركه حين طلب من العبد الرباني أن يعلمه مما لديه من علم، ومثل البشر تعجب من خرق السفينة، وتألم لمقتل الغلام الصغير، ثم استنكر إعادة بناء الجدار في القرية البخيلة.

منذ رد الفعل الأول، ذكّر العبد النبي موسى باتفاقهما على أن يصبر على ما يرى من الظاهر، وهو ما يشبه الواجب الأول الذي تحدث عنه كازانتزاكيس، وما وضحه له من جوهر يتفق معه الكاتب في الواجب الثاني.

ما وراء العقل والقلب

لطالما راود ذهني هذا السؤال: أيهما له سلطة على النفس: العقل أم القلب؟

فجاء رد كازانتزاكيس عليّ في هذا الكتاب، مشجعًا على ضرورة ترك الإنسان العقل والقلب وراءه، ليتقدم إلى الأمام، فيما أطلق عليه الواجب الثالث.

ورغم أنه لم يشر إلى أين يمكن للإنسان أن يتقدم بعد تجاوزه العقل والقلب، لكن يمكن الاستنتاج أنه يقصد الروح، فالروح وحدها تسمو فوق العقل والقلب والجسد، وهي قادرة على الخروج من كل السجون والحدود المحيطة بالإنسان.

يتشابه هذا الواجب الثالث لدى كازانتزاكيس بالمبدأ الذي قام عليه الرقص الصوفي، فاتباع الطريقة المولوية يرون في (رقص السماع) وسيلة تسمو بالإنسان فوق الشهوات عبر الإصغاء إلى الله والموسيقى، ويعود ليطالب الإنسان بالتحرر من الرغبات والمخاوف لينال حريته مما يكبله عبر قوله: “أعرف الآن أنني لا أطمع في شيء، ولا أخاف من شيء. لقد تخلصت من العقل والقلب وصعدت إلى أعلى. أنا حر”.

هذا التأكيد على سبيل الإنسان نحو الحرية لدى كازانتزاكيس عبر التخلص من الطمع والخوف في آن، يعتبر أيضًا مبدأً صوفيًا أصيلًا، ويعيد إلى الأذهان بيت الشاعر جبران خليل جبران الذي يقول في قصيدته المواكب: “زاهدًا فيما سيأتي ناسيًا ما قد مضى”.

يتلاقى تعبير كازنتزاكيس وجبران كأنهما فرعين لنهر واحد، ويمكن أن يكون هذا النهر هو القول الغامض للمتصوفة: “موتوا قبل أن تموتوا” والمقصود منه هنا، موت الرغبة في الدنيا وفي كل شيء سوى الله.

يطرح كازنتزاكيس كذلك أن الإنسان مُحمل بتناقضين، كرجل وامرأة مختلفين عن بعضهما البعض، في نظره يسعى الرجل إلى كسر القيود والخروج عن المألوف، أما المرأة فتشعر بالحنين نحو العودة إلى الأصل والتربة، وحتى إلى الرحم.

أؤمن أن هذا التناقض أصيلٌ داخل كل إنسان، ذكرًا كان أو أنثى، فنحن نحلم ونسعى إلى طموحات لا تنتهي، في الوقت الذي نتمنى فيه أن ينتهي هذا الصراع مع الحياة، ونرجو لو نعود أجنة في رحم أمهاتنا، شاعرين بالسكون والأمان، ضامنين المأكل، وآمنين من المخاطر.

مسيرة الإنسان نحو النجاة

نيكوس كازانتزاكيس - تصوف منقذو الآلهة
الكاتب والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس مؤلف كتاب تصوف: منقذو الآلهة

بالنسبة للكاتب، فإن حياة الإنسان بآلامها يمكن تلخيصها في صرخة يطلب فيها النجدة من هذه المعاناة، لهذا ينصح بأنه ينبغي ألا نتجاهل هذه الرغبة في الصراخ، أن نلبيها وننصت لها جيدًا، من أجل البدء في مسيرتنا نحو الخلاص، والتي تبدأ بالانتصار على العادة والكسل والضرورة.

يجادل أيضًا بأن هناك خطوات تالية من أجل تحقيق هذه النجاة، منها الإحساس بمباهج الحياة ومنغصاتها، والكفاح من أجل تطويعها ضمن إيقاع الكون.

ثم يعمق الكاتب فكرة الوحدة البشرية التي تجعلنا جميعًا مدفوعوين نحو مصير واحد مهما اختلفت حيواتنا، وهو ما عبَّر عنه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته (أنا من أنا يا ترى في الوجود): “أما نحن من مصدر واحد ألسنا جميعًا إلى مرجع”.

الأرض أيضًا لها جانب من هذا الحديث، نظرًا لعلاقتها بنجاة الإنسان من صراعاته، فالطبيعة بالنسبة له كلها بما فيه من أنهار وبحار وشجر وأثمار، حتى الوحوش والمخلوقات الوديعة تصرخ من خلال الإنسان وتحتاج له في أزماتها كما احتاج لها من أجل نجاته.

المعاناة تشتد داخلك، شخص يكافح لكي يخرج، ولكي ينفصل من جسدك ولكي ينجو منك.

الله المتجلي في كل علاقاتنا

The Saviors of God
غلاف النسخة الإنجليزية من كتاب تصوف: منقذو الآلهة للكاتب كازنتزاكيس

يتناول الكاتب في شرح رقيق علاقة الإنسان بالله، وبأخيه الإنسان وبالطبيعة، معبرًا مرة أخرى عن المعنى الإنساني لكل ما نعيشه في الحياة، كأنه نظر إلى العالم من زاوية لم نكن ندركها من قبل، فانتهى أن الله يود منا أن نقوم بالفعل لأجله ونفتش عنه في كل ما نسمع أو نرى، وهو أمر لا يدرك بالحواس الخمس وحدها.

في علاقة الإنسان مع الله، نستطيع أن نتملس ضرورة خضوع الإنسان إلى الله، فالخضوع إلى الإله الخالد يمكن الإنسان غير الخالد في تحقيق النصر للبشرية. وهذا الإذعان إلى الله يؤمن به المتصوفة كنتيجة للحب، وكانت رابعة العدوية هي أول من استعمل كلمة الحب في العشق الإلهي، دون أن تخاف شيئًا حين قالت: “أحبك جبين حب الهوى وحبًا لأنك أهل لذاك”.

يقول في حديثه عن علاقة الإنسان بالإنسان: “أحبب الإنسان لأنه أنت نفسك”، ويرى أن الله يتجسد في العشق الذي يجعل البشر يتلاحمون، فقد تأتي لحظة يتوحد فيها العدو مع الصديق، لأنهما في نهاية الأمر من أصل واحد.

تخيل أنك مزارع وأن الله يودك أن تغرس تلك البذرة، التي تنطلق شاهدة على قدرة الله، هكذا يمكن أن تستنتج علاقة الإنسان مع الطبيعة والتي لا تختلف كثيرًا للمتأمل عن علاقته بأخيه الإنسان.

رغم هذه النظرة لضرورة تلاحم البشر، فإن كازنتزاكيس يرى في المحارب الإنسان الأشرف في الكون لأنه جوهر عمله يتطابق مع الفضيلتين العظمتين في نظره وهما: المسؤولية والتضحية.

وربما يمكننا تفسير هذا الاتجاه لديه، عنده قراءة سيرته، وندرك أن طبيعة الحياة التي عاشها في ظل الحروب ألقت بظلالها على أفكاره، عندها يمكن أن نتقبل ولعه بالمحاربين في هذا الكتاب.

يختتم كازنتزاكيس كتابه تصوف: منقذو الآلهة بفصل عن السكينة، والسبيل لتحقيقها، مؤمنًا أنها تتحقق باحتراق الإنسان الذي لا ينتهي، وسعيه من غصن إلى غصن في كفاح مضني يمكنه في النهاية من الشعور بعمق السكينة.

لا أستطيع أن أستقر، لن أبلغ حد الاحتراق، ولو بلغت فلا أحد يستطيع إطفائي!

أجمل ما في كتاب تصوف: منقذو الآلهة للكاتب اليوناني كازانتزاكيس، أنه يمكن قراءته مرارًا وفي كل مرة يتوصل القارئ إلى معانٍ جديدة، تفتح له آفاقًا من نور، فهذه هي قراءتي الأولى لكن لن تكون الأخيرة.

0

شاركنا رأيك حول "تصوُّف كتاب لليوناني نيكوس كازانتزاكيس عن مسيرة الإنسان نحو النجاة"