رواية ليل وقضبان
0

تدور أحداث رواية ليل وقضبان لمؤلفھا الكاتب نجيب الكيلاني في السجون المصریة القدیمة، قبل ثورة یولیو، أي الفترة الملكیة، حیث لا وجود لعقوبة الإعدام، بل إن قتلت أو تاجرت في المخدرات أو فعلت جنایة یعاقب علیھا القانون، یكون لك الجبال والصخور في منفى بعیدٍ عن بني البشر، تُكسر فيه الصخور حتى یفنى عمرك.

روایة لیل وقضبان ورمزیة الاستبداد

ھذا ما استلھمه نجیب الكیلاني –راوي قصتنا– كي یغزل حبكة لیل وقضبان الدرامیة، والتي تجعلك تعیش بین شخصیاتھا وتشعر بكل ما یجول في صدورھم، تتألم معھم وتفرح وینتابك شعور بالخوف والقلق، وتفكر معھم كثیرًا، لعل التفكیر یجعلك تسرح في أفكار فلسفیة عمیقة ترمي بھا على ما تعیشه الآن في واقع یكاد یكون مشابھًا لأحداث ھذه الروایة!

السجان والمسجون

تبدأ أحداث رواية ليل وقضبان بوصف دقیق للجبل، وشمس أغسطس الحارقة، ومناظر المساجین وھم یمشون بخنوع وعجز، في طابور طویل یجرجرون وراءھم سنین عذاب ضاعت منھم في الجبل الأسود. ھناك ستسمع أنین فارس الشاب الیافع الذي قضى عشر سنوات من عمره یُكسر في صخور الجبل، وعبد الحمید صدیق زنزانته الذي یواسیه. فجأة تسمع صوت كرباج ینزل على ظھر فارس من الباشسجان الشلقامي وهو یقذعه بأفظع الشتائم. ویشتد التعذیب تعذیبًا مع دخول عبد الھادي بيك مدیر السجن بحصانه، فیرید الشلقامي أن یثبت له أنه عبده المأمون بضربه للمساجین بید من حدید، ویصول عبد الھادي بيك في الجبل ویرمق المساجین بكل احتقار، فھو یرى أن الجریمة تمشي في دمائھم، ھم لیسوا من طبقة بني البشر التي ینتمي إلیھا.

في بیت عبد الھادي بيك

مدیر السجن الذین یھابه الجمیع، إذ عند سماع صوت حصانه یأتي من بعید یرتبك المساجین والسجانین معًا.. ینظرون في الأرض خشیة أن تأتي أعینھم في عین المدیر فیحاسبھم على تجرؤھم علیه من مجرد نظرة. ھذا الملقب “بوحش السجون المصریة” یكون في بیته قطًا ودیعًا، مصابٌ بأمراضٍ لا حصر لھا، وزوجته عنایات ھانم امرأة جمیلة في الثلاثین من عمرھا، حُكم علیھا وھي في العشرین أن تتزوج من رجل أكبر منھا لكنه ذو منصب وجاه، اعتقدت أنھا ستعیش ملكة في المنفى تَقضي أوقاتًا رومانسیة بعیدًا عن ضوضاء المدینة، لكنھا تحولت إلى ممرضة لرجل مریض بالقلب والضغط والسكري.

الثمن مدى الحیاة

المسجونون كلھم ارتكبوا جرائم بشعة، فمنھم من حُكم علیه بالسجن مدى الحیاة، وھذه أقسى عقوبة، ومنھم من حكم علیھ بـ 15 عامًا، مثل فارس الذي قتل لیأخذ بثأر أبیه في الصعید، وعبد الحمید تاجر المخدرات، والشیخ سلامة الذي قتل أخیه بتحریض من زوجة الأخير نبیھة بنت حسن عرفات، أساس المصائب كلھا، وسنتكلم عنھا لاحقًا.

وعلى الرغم من أن كلًا منھم قام بفعل لا یغتفر، إلا أنك تعیش آلامھم كل یوم، تتعاطف مع قلة حیلتھم أمام بطش الباشسجان الشلقامي وعبد الھادي بيك، تسمع صوت الصفعة المدویة التي تنزل على قفا فارس فتشعر بذل وعار قد اعتراك، وتفرح بشدة عندما یضرب فارس الشلقامي ویسترد كرامته من جدید، وتقول مع المساجین “سلمت یداك یا فارس”.

من المسؤول عن الخطیئة؟ الإنسان أم الظروف؟

رواية ليل وقضبان
غلاف رواية ليل وقضبان للكاتب نجيب الكيلاني.

“دماء أجدادي لا تجري فیھا تلك الجراثیم الخبیثة..” كان ھذا رد عبد الھادي بيك على زوجته عنایات عندما حاولت أن تطلب منه أن یقلل من ضرب وإھانه المساجین وأن یضع نفسه مكانھم. لكن الأغرب أن عبد الھادي بيك نفسه شخص مرتشي، بالنسبة له ھذه لیست خطیئة، بل حق مكتسب فهو لیس أول أو آخر من یفعل ذلك، غیر أن الدولة لن تخسر الكثیر أمام بضعة جنیھات یتلقاھا.

لعلك تشفق على عنایات ھانم في البدایة، إذ حاولت كثیرًا الفرار منه، لكنھا لم تفلح، فھي ضحیة لعادات وتقالید أسرتھا المحافظة التي لا تقبل بالطلاق، ولكن رغم أنھا سلیلة الحسب والنسب ورغم رقتھا وجمالھا، إلا أنھا أتت الخطیئة، وخانت زوجھا!

انقطع النور في البیت فلم یكن من بد إلا الاستعانة بمسجون یفھم في الكھرباء، یرفع فارس صوته بأنه كھربائي، فیذھب مع السجان لبیت مدیر السجن، وتراه عنایات ھانم، شاب یافع الطول بلا أمراض أو علل، لن یشك به أحد قط، ھي لم تقع في غرامه، ولكنھا أرادت أن تنتقم لشبابھا المھدر، أرادت أن تكسر قیود العادات التي خنقھا بھا والداھا، وأن تذل عبد الھادي بيك كما أذل ھو أنوثتھا. وتوصلت أن ھذا أیضًا حق مكتسب، وأنھا لیست الخطیئة بل الثورة المضادة!

نبیھة بنت حسن عرفات ھي المسؤولة

الشیخ سلامة الذي عشق زوجة أخیه، فراودته عن نفسھا بشرط أن یقتل زوجھا، وعندما فعل وشت به لتحظى ھي بالعشیق الأصلي. فأصبح الشیخ سلامة مھووسًا، وإذا ما حدث مكروه لأحد قال إن نبیھة ھي من تسببت في ذلك، وإن نبیھة تتخفى في ھیئات بشریة مختلفة كي تجعل كل الناس تقع في الخطیئة.

التساؤل الذي یقفز في عقلك كلما أتت سیرة نبیھة، ھل ھي رمز یستخدمه الكتاب؛ لتكون مبررًا لصاحبھا؟ فمثلًا قد تكون ھي الوسواس الذي قبع في آذان عنایات كي تخون زوجھا، وھي الشیطان الذي جعل عبد الھادي بيك جبارًا والشلقامي عبد المأمور الذي یذل نفسه من أجل بضعة جنیھات. ھل نبیھة ھي من أشعلت قلب فارس بالحقد لیأخذ بثأر أبیه، وجعلت عبد الحمید یسلك طریق تجارة المخدرات؟!

إن كان ذلك فنحن إذًا مسیرین لا مخیرین، كما أرادت عنایات ھانم أن تریح ضمیرھا وھي ترتكب فعلتھا في المرة الأولى، ثم استساغتھا في الثانیة، فآلفتھا فأحبتھا، نعم أحبت الخطیئة، فھي لھا مذاق مختلف تمامًا تجعلھا أكثر إغراءً.

نھایة المطاف في رواية ليل وقضبان

ستظل حائرًا؛ ھل تتعاطف معھم، أم تمقتھم وتتمنى ھلاكھم في نھایة الروایة؟ كلما تعمقت في شخوصھم من خلال روعة ودقة وصف الكاتب لمشاعر كل شخصیة على حدة، ستتأكد أنهم كلھم ضحیة للظروف المحیطة، حتى عبد الھادي بيك ضحیة لمرضه وللمنظومة الفاسدة التي نشأ فیھا، ومنصبه الذي أرغمه على البطش كي یستمر ویأخذ قوت یومه، والشلقامي ضحیة لعبد الھادي بيك وسیكون استنساخًا له فیما بعد.

وعنایات ضحیة لأبیھا الذي لا یسمع ولا یرى سوى ابنته الودیعة التي تسمع الكلام دون نقاش. وفارس وعبد الحمید والشیخ سلامة ضحایا مجتمع مفكك تكالبت علیه أسوأ معاني الفقر والجھل والمرض، فجعل كلًا منھم یُقبل على فعلته كرد فعل لا أكثر.

ومع ذلك فھناك شخصیة تظھر في آخر رواية ليل وقضبان للكاتب نجيب الكيلاني كانت یمكن أن تمشي مع التیار، وتقبل بما فُرض علیھا إذ ھي “عبد المأمور” أیضًا، وكنت لتتعاطف معاھا لأنھا تفعل ذلك رُغمًا عنھا، ولكن یأبى الكاتب أن یجعلك تتساءل طوال الوقت، لیثبت لك أن كل نفسٍ بما كسبت رھینة، وأنه رغم كل الظروف المحیطة وإن لم تستطع أن تقول لا، فاصمت أو اھرب من القریة الظالم أھلھا.

اقرأ أيضًا:

لن أعيش في جلباب أبي بين الرواية والمسلسل، لماذا نلجأ للحذف والإضافة؟

رواية لیل وقضبان بین العمل الأدبي والفيلم

 

ليل وقضبان بين الرواية والفيلم 
رواية ليل وقضبان للكاتب نجيب الكيلاني بين العمل الأدبي والفيلم السينمائي.

رواية ليل وقضبان رشحھا الكاتب نجیب محفوظ لأن تكون فیلمًا سینمائیًا، ورسم السیناریت مصطفى محرم شخصیات الروایة كلھا مع زیادة شخصیات أخرى، بما یتناسب مع الحبكة السینمائیة. ومع ذلك فبالتأكید ستستمتع بقراءة رواية ليل وقضبان أكثر، لأن التفاصیل فیھا لا تقارن، قلبك یدق مع ھمسات الشكوى من المساجین خوفًا من أن یسمعھم أحد السجانين، مشاعرك تتضارب مع كل شخصیة في الروایة، فتكره عبد الھادي بيك وھو یبطش بالمساجین ولكن تتعاطف مع دموعه بعد أن یعرف خیانة زوجته له.

الفیلم لم یُظھر كل ھذه المشاعر، فحتى یكون فیلمًا یتعاطف معه الناس -بالنظرية القديمة- یجب أن یكون ھناك بطل شریر وبطل طیب، ففارس مثلًا تم تصویره على أنه شاب مثقف لم یقتل بل إن أسرته في الصعید قالت إنه أخذ بثأر أبیه حتى یتباھون به أمام الناس، وكان شخصًا آخر ھو القاتل. وعبد الھادي بيك یظھر في الفیلم شخصًا بلا مشاعر وبلا أمراض، ویعامل زوجته بخشونة، وزوجته تظھر بریئة طیبة لا تقترف خطأ، حتى أنك ستتعاطف معھا حین تخون زوجھا، وتقتنع أنھا أحبت المسجون المثقف الذي سُجن ظلمًا.

نجيب محفوظ رشح رواية ليل وقضبان لتتحول لفيلم سينمائي على يد السيناريست مصطفى محرم.
نجيب محفوظ رشح رواية ليل وقضبان للكاتب نجيب الكيلاني لتتحول لفيلم سينمائي على يد السيناريست مصطفى محرم.

الفيلم جمیل بالتأكید وستستمتع بمشاهدته، خاصة مع وجود كوكبة من الممثلين المخضرمين مثل محمود مرسي وتوفيق الدقن ومحمود ياسين وسميرة أحمد، ولكن فكرة الشر والخیر المطلق غیر منطقیة، فكل منا لدیه الجزء الأسود والأبیض من شخصیته، وھذا ما تمیزت به الروایة أن تجعل كل الشخصیات مركبة حقیقیة وتشبھنا، تحب فیھا الفطرة السویة، وتمقت الشر التي تجنیه. وفي الروایة والفیلم ستكتشف أن الإنسان سیعیش یصارع غرائزه دومًا، ھو خُلق لذلك، خُلق من خلیط عجیب یحمل خطیئة قابیل وخُلُق وسماحة ھابیل، وعلى الإنسان وحده أن یختار بینھما طوال الوقت، حتى لا یعیش أسیرًا لضمیره المعذب بین قضبان اللیالي الموحشة.

لك أيضًا:

أفضل المجموعات القصصية خلال 2020: جولة في القصة القصيرة وعالمها وكتابها

0

شاركنا رأيك حول "هل الطغيان مبررٌ للخيانة؟ سؤال تطرحه رواية ليل وقضبان للكاتب نجيب الكيلاني"