يشير مصطلح ألمانيا النازية إلى الفترة التاريخية التي مرّت بها ألمانيا حينما كانت تحت حكم الحزب النازيّ بقيادة أدولف هتلر من 1933 إلى 1945.1

وسنقوم بهذا المقال بتوضيح أهمّ ما ميّز تلك الفترة، من وصول الحزب النازيّ للسلطة، والسياسات التّي اتّبعها، وخسارته في النهاية.

وصول الحزب النازيّ للسلطة

الحزب النازيّ هو حزبٌ سياسيٌّ انطلق من حركةٍ جماهيريةٍ معروفة باسم الاشتراكيّة القوميّة، واسمه الفعليّ هو حزب العمّال الاشتراكيّ القوميّ الألماني، أو ما يدعى باللغة الألمانية (Nationalsozialistische Deutsche Arbeiterpartei (NSDAP.

قام أنطون دريكسلر بتأسيس هذا الحزب عام 1919، والذي دُعي في بادئ الأمر حزب العمال الألمانيّ، ثمّ عُدِّل اسمه عام 1920 إلى حزب العمّال الاشتراكيّ القوميّ الألماني. ولاحقًا في ذلك العام قام هتلر الذي كان أحد الأعضاء حينها بوضع منهجٍ دائمٍ للحزب، وذلك بصوغ برنامجٍ مكوّن من 25 بندًا، وأهمّ ما جاء في هذا البرنامج هو مقاطعة معاهدة فرساي، والدعوة لتوسيع أراضي الدولة الألمانية، بالإضافة إلى تصاعد النداءات الداعية للتظاهر الوطني، والتي ترافقت بخطاباتٍ معاديةٍ للسامية شديد اللهجة.

وبحلول 1921 أطاح هتلر بزعماء الحزب الآخرين وتولّى زمام الأمور، فنما الحزب النازي في عهده باطراد في إقليم بافاريا، ثمّ حاول هتلر وأتباعه الإطاحة بحكومة هذا الإقليم عام 1923، لكن الانقلاب الذي عوِّل عليه أن يتطوّر إلى حركة تمرّدٍ وطنيٍّ ضد جمهورية فايمار فشل، وكنتيجةٍ لذلك تمّ حظر الحزب النازيّ مؤقّتًا، وسجن هتلر معظم عام 1924. لكنّه شرع بعد إطلاق سراحه ببناء حزبه مرةً أخرى، متعهّدًا هذه المرّة بتحقيق السلطة باتّباع الوسائل السياسية القانونية، وبدأ الحزب الذي نمت عضويته، بخوض الانتخابات البلدية والفيدرالية بشكلٍ متزايدٍ.

يمكن القول أنّ لأزمة “الكساد العظيم” فضلًا في إيصال الحزب النازيّ للمستوى الوطنيّ، حيث وفّر الارتفاع الكبير والسريع في مستوى البطالة عامي 1929-1930 ملايين الناخبين الغاضبين العاطلين عن العمل، والذين استغلهم الحزب لصالحه. وعلى الرغم من انخفاض نسبة البطالة لاحقًا عام 1932 مما خفّض من عضوية الحزب، لكن هتلر استطاع المناورة، فاقنع رئيس الجمهورية الألمانية بول فون هيندنبورغ بتعيينه مستشارًا وذلك عام 1933. وبعد ذلك بفترةٍ قصيرةٍ، أصدر مجلس النوّاب قانون “التمكين”، الذي مكّن حكومة هتلر من إصدار مراسيم مستقلة عن مجلس النوّاب والرئاسة، وتولّى هتلر صلاحياتٍ ديكتاتوريةً، ثمّ قامت حكومة هتلر بحظر باقي الأحزاب السياسية، وأعلنت أنّ الحزب النازيّ هو الحزب السياسيّ الوحيد المسموح به في ألمانيا. وبعد وفاة هيندنبورغ عام 1934، حصل هتلر على لقب “الفوهرر” أي القائد، وأصبح القائد الأعلى للجيش وقائدًا للحزب النازيّ أيضًا.2

سياسة ألمانيا النازية

لا بدّ أنّ وصول هتلر وحزبه إلى السلطة قد انعكس على سياسية ألمانيا بشكلٍ كبيرٍ، وما قرّره هتلر وفعله سيبقى حديث الأجيال القادمة لعقودٍ، وفيما يلي أهمّ ما ميّز تلك الفترة:

السياسة الخارجية في ألمانيا النازية

حالما تولّى هتلر مقاليد الحكم، قام بتوجيه سياسة ألمانيا النازية الخارجية لتحقيق أهدافه، وذلك بالتراجع عن معاهدة فرساي، واستعادة مكانة ألمانيا في العالم، على حدّ تعبيره. فانتقد خارطة المعاهدة، على الرغم من أنّ معاهدة فرساي تقوم على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا أنّ لهتلر وجهة نظرٍ مختلفة، فهو يرى أنّها حرمت سكّان ألمانيا المتزايدين حقّهم من “مساحة المعيشة”، وفصلت الألمان عن بعضهم البعض، وذلك بإقامة الدول الجديدة كالنمسا وتشكوسلوفاكيا، التي يعيش فيها العديد من الألمان.

فقامت ألمانيا النازية بالانسحاب من عصبة الأمم (League of Nations) عام 1933، وأعيد بناء القوات المسلحة الألمانية متجاوزةً بشكلٍ صريحٍ ما نصّت عليه معاهدة فرساي. ولم يقتصر الأمر على هذا، فقام هتلر باحتلال الراينلاند عام 1936، وضمّ النمسا 1938، وغزا تشيكوسلوفاكيا عام 1939. بالإضافة لكونه غزا بولندا عام 1939.

وهكذا تمّ الأمر، ستّ سنواتٍ من السياسة الخارجية لألمانيا النازية كانت كافيةً لإشعال فتيل الحرب العالمية الثانية، فقد أعلنت بريطانيا العظمى وفرنسا الحرب على ألمانيا.

محاولة احتلال أوروبا

بعد أن غزا هتلر بولندا، دُقّ ناقوس الحرب، لكن هتلر وضع نصب عينيه هزيمة بريطانيا وفرنسا، فقام بتشكيل التحالفات مع اليابان وإيطاليا عام 1940 لتشكيل ما سُمِّي بالاتفاق الثلاثيّ، وقد تمّ التوّصل قبل ذلك لتوقيع ميثاق عدم الاعتداء بين الطرفين النازيّ من جهة والاتحاد السوفييتيّ من جهةٍ ثانيةٍ. لكن في عام 1941 نقضت ألمانيا العهد وشنّت حربًا واسعةَ النطاق على الاتحاد السوفييتيّ، بمحاولةٍ منها لسحق القوّة الشيوعية الكبرى بالعالم. لكن بعد دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب عام 1941، وجدت ألمانيا نفسها تقاتل في شمال إفريقيا وإيطاليا وفرنسا ومنطقة البلقان بالإضافة للاقتتال مع الاتحاد السوفييتي. إذن ما حصل هو أنّ هتلر في بداية الحرب كان يسعى للسيطرة على أوروبا، لكنّه بعد 5 سنواتٍ من الحرب وجد نفسه يقاتل من أجل وجوده فحسب.3

القتل المُمنهج لليهود الأوربيين

عمد النازيّون منذ تولّيهم الحكم إلى تضييق الحياة على مواطنيّ ألمانيا اليهود، فقاموا بالعديد من الإجراءات الهادفة لاضطهادهم وحرمانهم من الحقوق الإنسانية والمدنية، وقد زادت هذه الحملات عددًا وضراوةً خلال الحرب. لم يقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد قامت القوات النازيّة بقتل آلاف اليهود البولنديين عند غزو بولندا، بالإضافة إلى احتجاز الكثير منهم فيما عُرِف بـ”الأحياء اليهودية”، حيث كانت الظروف المعيشية مروّعةً، وجُوِّعوا حتّى الموت، وقد تكرّر هذا النهج في العديد من البلدان التي احتلّها النازيّون.

لكن القتل الممنهج قد بدأ فعلًا عام 1941، وذلك بعد أن وضع الحزب النازيّ الخطط النهائية لتنفيذ القتل المنظّم لجميع اليهود الألمان، وهو ما دُعِي بـ”الحلّ النهائي للمشكلة اليهودية”، فتمّ تشكيل “فرق الموت” التي اجتاحت أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، وكانت مهمتها قتل اليهود رميًّا بالرصاص، ثمّ تمّ إنشاء أول “معسكر للإبادة” في تشيلمنو في بولندا، وهناك استمر النازيون بمواصلة قتل اليهود على نطاقٍ واسعٍ، ولاحقًا تم إنشاء معسكراتٍ للاعتقال ومعسكرات للإبادة في مناطقَ عديدةٍ من أوروبا.

وهكذا استمر الأمر طوال فترة حكم هتلر، حيث لم يتوقف قتل اليهود إلا في الأشهر الأخيرة من الحرب، وذلك عندما كانت القوات النازية تتراجع نحو برلين. وبحلول الوقت الذي انتحر فيه هتلر في نيسان 1945، كان عدد اليهود الذين قُتِلوا ما بين الأحياء اليهودية، والمجازر الجماعية رميًّا بالرصاص، ومعسكرات الاعتقال، ومعسكرات الإبادة، حوالي 6 مليون يهودي، وهذا ما دُعِي بـ”المحرقة اليهودية” أو “هولوكوست Holocaust”.4

نهاية هتلر

بحلول عام 1943 أصبح من الواضح تقهقر القوات الألمانية، خصوصًا بعد هزيمة الجيش الألماني السادس في معركة ستالينجراد في شباط من ذلك العام. وفي العام التالي، عسكرت قوات الحلفاء الغربيين في نورماندي وفرنسا، وبدأت بشكلٍ ممنهجٍ بدفع الألمان للتراجع نحو برلين. هذا ما دفع العديد من القادة العسكريين الألمان للاقتناع بالهزيمة الوشيكة، لذا حاولوا خلع هتلر من السلطة، على أمل التفاوض على شروط استسلام أكثر ملاءمةً، لكن محاولاتهم لاغتيال هتلر باءت بالفشل، وكردّ فعلٍ لما قاموا به أعدم أكثر من 4000 شخصًا من مواطنيه.

كنتيجةٍ للحصار الذي فرضه السوفييت على برلين، قام هتلر بالانسحاب إلى مخبأه وذلك في شهر كانون الثاني من عام 1945، واستمرّ في إصدار الأوامر والالتقاء بمرؤوسيه في ذلك المكان، حتّى أنّه تزوّج عشيقته إيفا براون قبل يوٍم واحدٍ من انتحاره. وفي 30 نيسان من عام 1945، انتحر هتلر بابتلاع كبسولة السيانيد ثمّ أطلق النار على رأسه. بعد ذلك بفترةٍ وجيزةٍ، استسلمت ألمانيا النازية استسلامًا غير مشروطٍ، وانتهت الحرب العالمية الثانية.5

المراجع