في أدب دستويفسكي.. الرحلة إلى أوروبا – الجزء الثاني

دستويفسكي
2

سنة 1862، عَبَر الكاتب الروسي الشهير “فيودور دوستويفسكي– Fyodor Dostoyevsky” حدودَ روسيا للمرة الأولى لزيارة “بلاد العجائب المقدّسة” كما يحلو له أن يسمّي غرب أوروبا؛ وقد دامت رحلته شهرين ونصف وشملت عددًا من أهم المدن الأوروبية: فيينا، لندن، باريس، فلورنسا، ميلانو، البندقية، جنوة، جنيف، برلين، لوسرن، كولونيا، بادن-بادن، دوسدن، وفسبادن.

وعند عودته إلى بلاده، جمع دوستويفسكي ملاحظاته وانطباعاته، ونشرها سنة 1863 بين دفّتي كتابٍ عنوانُه: “ذكريات شتاء عن مشاعر صيف -Winter Notes on Summer Impressions”.. سنعرض بعض أفكاره في هذا المقال.

اقرأ أيضا: قراءة في أدب دوستويفسكي الأديب الجَدَلي عاثر الحظ – الجزء الأول

روسيا في القرن 19: هل التحضّر يَنفِي الأصالة؟

يبدأ دوستويفسكي الفصل الأوّل من الكتاب بقوله:

منذ أشهر عدّة، توحون إليّ، يا أصدقائي، بأن أصف لكم أخيرًا ما أحسستُ به في البلاد الأجنبية، وما تركته تلك البلاد في نفسي من آثار (…) فما عساني أكتب أو أحكي من أمور جديدة مجهولة؟ مَن مِنّا، نحن معشر الروس، أعني أولئك الذين يقرؤون الصحف والمجلات على الأقل، لا يعرف أوروبا أكثر مما يعرف روسيا مرتين على أقل تقدير. أقول مرّتين من باب التأدب، ولو قلت عشر مرات لكنتُ أصدق.

أعتقد أنّ هذا المقتطف يلخّص بشكلٍ أو بآخر كلّ ما في الكتاب، فالسيّد دوستويفسكي يتلقّى طلبات من أصدقائه بِقَصّ انطباعاته عليهم عن أولى رحلاته إلى أوروبا الغربية، ويَهُمُّ دوستويفسكي بتلبية رغباتهم بكلّ مروءة، لكنّ الأمر يؤول دومًا به إلى الانجراف عن رواية أحداث السفر وينتهي به المطاف بالتركيز على تقديم نظرته الخاصة عن الثقافة والهوية الروسية في القرن التاسع عشر.

يعرض دوستويفسكي طوال الكتاب إشكالية “أصالة الهوية”، ويعالجها من منظورات مختلفة، ففي البداية يستهلّ القضية بوصف الارتباط العميق بين الروس وأوروبا الغربية في ذلك الوقت:

ها أنا ذا إذن في الطريق إلى بلاد العجائب المقدّسة، التي طالما تنهّدتُ تحرّقًا إلى زيارتها، ظللتُ ثابتًا على إيماني بها. إنني ليتفق لي أحيانا أن أتساءل حتى وأنا في هذا القطار نفسه: “أنحن روسٌ حقا يا رب؟ أنحن روسٌ حقا؟ لماذا تُحدِث فينا أوروبا هذه الفتنة كلها ولماذا تستهوينا هذا الاستهواء كله، أياً كنا؟”

لقد كان الروس في تلك الفترة مهووسين بأوروبا الغربية، منبهرين بثقافتها وتطوّرها، وكانوا يعتبرونها قِبلةً لا غِنى عنها لمن يريد الإفلات من شبح التخلف والهمجية. فقد كانت أوروبا الغربية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تعيش موجة التنوير التي أثارت الحركة العلمية والفكرية وحرّكت عجلة التقدم الصناعي، وأشعلت القضايا الاجتماعية الرافضة للظلم والاستبداد، وأبدت الكثير من مظاهر البعث نحو الحضارة، مما جعل هذه القطعة من الكرة الأرضية تتربّع كشمس تشعّ نورًا بأفكارها واختراعاتها وفنّها على باقي العالم.

يصف دوستويفسكي ذلك قائلًا:

إنّ كل ما نملكه تقريبًا من تطوّر في ميدان العلم والفن والحضارة والإنسانية إنما يأتينا من هناك، من “بلاد العجائب المقدسة”! ذلك أنّ حياتنا كلها، منذ نعومة أظفارنا، إنما تشكلت على النمط الأوروبي! كيف يمكن لأحد منّا أن يقاوم هذا التأثير، وأن لا يستجيب لهذا النداء، وأن يصمد أمام هذا الضغط؟ كيف لم نتحول بعد إلى أوروبيين تماما؟

إلاّ أنّ دوستويفسكي لم يكن يرى أنّ طريقة الروس في التعاطي مع الثقافة الأوروبية كانت سليمة تمامًا، وكان يجد أنّها بعثت على الكثير من الآفات.

أوّلا، المجتمع الروسي كان طبقيًا جدًا في تلك الفترة، وكان مقسّمًا إلى طبقات أهمها طبقة النبلاء الأرستقراطية والمثقّفة، وهي الفئة التي كانت “تتلقى الإشعاع الأوروبي” وتنهل منه، وتحرص أشدّ الحرص على اتّباع تعاليمه وتقليد ممارساته، ومن الشهير أنّ أبناء النبلاء الروس آنذاك كانوا يتعلّمون اللغة الفرنسية ويولونها اهتمامًا فائقًا على حساب اللغة الروسية الأم، كما أنهم استبدلوا القفطان الروسي بالزي الفرنسي، وتبنّوا كلّ ما استطاعوا من عادات أوروبية أملاً في أن يدخلوا حيّز الرّقي..أمّا الفلاحون والعبيد فكانوا في كوكب آخر منفصل تمامًا، تشغلهم مشاكلهم اليومية وحالة القهر التي كانوا يعانون منها.

يرى دوستويفسكي أنّ انحياز النخبة الروسية إلى الثقافة الأوروبية الغريبة تمامًا على التراث والعادات والشخصية الروسية، يرى أنّ هذا قد زاد حجم الشرخ الموجود بين طبقات المجتمع الروسي وجعله أسوأ بكثير، فيقول ساخرا:

إننا نبلغ من الكمال ومن التمدن والتحضر ومن كوننا أوروبيين أن الشعب يشعر بغثيان حين ينظر إلينا. إن الشعب ينظر إلينا الآن نظرته إلى أجانب، ولا يفهم شيئًا من أقوالنا، ومن كتبنا، ومن أفكارنا.. وذلك كله تقدم. هو تقدم، شئتم أم أبيتم. ونحن الآن نحتقر الشعب والمبادئ الشعبية احتقارًا يبلغ من العمق أننا نحس باشمئزاز لم يكن معروفًا قبل اليوم حتى في عهد أصحابنا مانتبازون ورووان.

كما كان دوستويفسكي متأسفًا ومتألمًا بسبب تقديس النخبة الروسية لكل ما هو غربي تقديسًا أعمى مجرّدًا من التحليل المنطقي والحجة العقلية. يقول:

منذ خمسة عشر عامًا، أيام كنت أتردد إلى ندوة بلنسكي، أذكر أن أفراد تلك الندوة جميعا كانوا ينحنون احتراما للغرب، أعني لفرنسا بوجه خاص، مع تقديس يبلغ حد الغرابة. كانت فرنسا أيامئذ على “الموضة” وكان ذلك في عام 1846؛ كانوا لا يكتفون بعبادة أسماء جورج صاند وبرودون وغيرهما، ولا يكتفون باحترام أسماء لوي بلان ولودرو رولان وأمثالهما؛ بل كانوا كذلك يعظّمون أشدّ التعظيم أشخاصًا لم يلبثوا أن انهاروا ولم يصمدوا مذ وُضِعوا في موضع الامتحان.

لقد كان دوستويفسكي يدعو ببساطة إلى أن يحافظ الروس على المقوّمات الإيجابية التي تشكّل الشخصية الروسية الأصيلة المتميّزة، تلك المقوّمات التي لا تضرّ أحدًا ولا تشكّل عائقًا في وجه التقدم الفردي والمجتمعي، وذلك بالتوازي مع “غربلة” الأفكار والممارسات التي يتم استيرادها من الدول المتقدّمة عوض استهلاكها مباشرة دون تفكير. يقول:

صدّقوا، يا أصحابي، أنني لن أستطرد استطرادًا طويلًا لأبيّن أن هذه المدنية ليست هي التطور.(…) لن أبيّن أنّ الناس لدينا يخلطون خلطًا فاحشًا بين هذه المدنية وبين قوانين التطور السليم الواقعي، وأن هذه المدنية قد أصبحت في الغرب نفسه مدانة منذ زمنٍ طويل..

اقرأ أيضا: جولة افتراضية في العاصمة الساحرة “فيينا”… أفضل المدن للعيش في العالم!

دوستويفسكي في بلاد العجائب المقدّسة

كان دوستويفسكي مشغول البال بروسيا طوال الرحلة، يقول:

حين كان يقترب بي القطار من آيدتكونن، كنت أفكّر –ما زلت أتذكر هذا- كنت أفكر في كل تراثنا القومي الذي أبرحه إلى أوروبا، فكان بعض أحلامي يدور حول هذه الأمور. وكنتُ أفكّر في هذا الموضوع بالذات: بأيّة طريقة أثّرت فينا أوروبا في عصور مختلفة محاولة أن تفرض علينا حضارتها دائمًا؟ إلى أي مدى تحضرنا؟ ما عدد الذين أصبحوا منّا متحضّرين؟

هذا الهَوَس سببه أنّ دوستويفسكي -كما أشرنا من قبل- ناقمٌ على النخبة الروسية لأنّها تعرّت من هويّتها وقدّست الغرب سالكةً طريقًا خاطئًا باتّجاه التقدّم.

لكنّ نقمة دوستويفسكي لم تقتصر على بني جلدته فقط، فقد كان ناقمًا أكثر على الغرب أنفسهم، وقد تجلّى هذا في التهكم اللاذع الذي صبغ روايته للمشاهد التي وقف عندها في ألمانيا، إنجلترا وفرنسا. يقول مثلاً بسخرية بالغة:

ها أنذا إذن في باريس!… لا تحسبوا مع ذلك أنني سأحدّثكم كثيرًا عن هذه المدينة. ذلك أنني أقدّر أنكم قد شبعتم قراءة عنها باللغة الروسية. ثم إنكم قد ذهبتم إليها بأنفسكم، فلا شك أنكم لاحظتموها خيرًا مما لاحظتها أنا. (…) ولكن اعلموا أنني وجدت لمدينة باريس تعريفًا، وأنني زينتها بنعت ما أزال أنعتها به: إنها أكثر مدن الأرض تجملا بالأخلاق والفضيلة. يا له من نظام! يا لها من حكمة! يا لها من علاقات محدّدة وطيدة! إنّ كلّ شيء في باريس مضمون ومرتّب سلفًا. إنّ كلّ الناس في باريس مسرورون سعداء كل السعادة، حتى لقد انتهى بهم الأمر، من حسن نيّتهم وصدق عزيمتهم، إلى الاقتناع بأنهم كذلك حقاً. (…) فالبرجوازي الباريسي مثلاً يكاد يكون مقتنعًا اقتناعًا واعيًا بأنّه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأنّ كل شيء في هذا العالم على خير ما يرام.

وقد قارن دوستويفسكي بين لندن وباريس، فقال:

هو [اللندني] لا يحاول كالباريسي، أن يوهم نفسه، وأن يعزي نفسه، وأن يزعم لنفسه أن كل شيء يجري على ما يرام. هو لا يخبئ الفقراء كما في باريس، مخافة أن يعكر الفقراء صفو نومه وأن يقلقوه.

وقد ركّز دوستويفسكي عمومًا على السلبيات فقط، فوجد أنّ البلاغة الفائقة التي يتباهى بها الفرنسيون مجرّد لغوٍ أجوف، وبالنسبة إليه كل علاقات الزواج البرجوازية مبنية على المصالح المادية، وأنّ لكلّ زوجة عشيقًا وسيمًا تخبّئه تحت السرير.. وغيرها من الصور البائسة عن واقع شعوب بأكملها.

ويميل النقاد والقرّاء عمومًا إلى الاعتقاد أنّ هذا السرد منبعث من شعور دوستويفسكي بالنقص أثناء تجوّله في الشوارع الأوروبية، وليس هذا الشعور متولّدًا عن نقص فردي بل عن إخفاق قومي في مجابهة الغرب ومواكبته. وقد عقّب دوستويفسكي نفسُه على سرديته لانطباعاته عن الفرنسيين فقال:

أنتم تزعمون أنني أبالغ، وأن ما أقوله هو من باب التشنيع الحاقد الذي يدفع إليه التعصب الوطني، ولا يمكن أن يكون صحيحًا. ولكنني نبّهتكم منذ البداية، يا أصدقائي، إلى أنني قد أكذب فأسرف في الكذب، فلا تنزعجوا إذن. ولعلكم تعلمون أيضًا أنني إذا كذبت فليس ينفي ذلك اقتناعي بأنني لا أكذب. وحسبي هذا الكلام! ..واتركوا ذراعيّ طليقتين فلا تغلّوهما.

لذا، فقد تكون الآراءُ والأفكارُ المطروحةُ لا موضوعيةً في بعض الأحيان، إلا أن الكتاب يظل مرجعًا هامًا فيما يتعلّق بإشكالية الحفاظ على الشخصية القومية أثناء السير في موكب التطور العالمي.

خدعوك فقالوا.. أنا مثقف ! – كيف تحكم على ثقافة أحدهم؟

هل قرأتم هذا الكتاب أو غيره من أعمال دوستويفسكي؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.

2