مهمة علية إنقاذ كتب العراق: كتاب كوميكس يوثق بطولة أمينة مكتبة البصرة المركزية

شيماء جابر
شيماء جابر

6 د

السيدة عالية محمد باقر اسم عليك أن تتذكره جيدًا، كما سيتذكره التاريخ المعاصر، ويدونه في صفحاته بأرقى معاني الشكر والتقدير والعرفان، كسيدة فاضلة شجاعة شديدة الوطنية، لا تتمتع بقدرات خارقة أو بقوة جسدية مهولة، بل تمتلك محبة للثقافة، فكان لها قصة من نوع آخر في حب الكتب والمحافظة على التراث الثقافي والحضاري؛ جعلت منها مثلًا يحتذى به وبطلة قومية خارقة، تتصدر صورتها أغلفة عدد من كتب الكوميكس المصورة للأطفال، ومنها كتاب: “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق Alia’s Mission: Saving the Books of Iraq“.

في العادة عندما نسمع كلمة البطل الخارق ضمن حديث عن الكتب، نتصور شخصية خيالية، تتمتع بقوة جسدية مهولة غير طبيعية بشكل لا يمكن تصديقه؛ تقوم بمنجزات خارقة، تنقذ بها البشر من الأهوال، وتدور حولها مجموعة القصص المصورة والكتب الرسومية المبنية على أحداث الخيالية “كوميكس” كشخصية سوبر مان مثلًا. لكن السيدة علية محمد باقر أو البطلة العربية الخارقة التي شغلت منصب أمينة المكتبة المركزية بمدينة البصرة في العراق، كان لها رأي آخر.


بطولة السيدة عالية محمد باقر

عالية باقر

ولدت السيدة عالية باقر (أو علية كما يتداوله البعض) في محافظة البصرة عام 1952، وحصلت فيها على درجتها العلمية في علوم المكتبات، فقد كانت ومنذ سنوات عمرها الأولى، تجد سعادتها الغامرة بين الكتب والمعلومات القيمة التي تقدمها لها، دفعها حبها وحماسها نحو الكتب لشغل منصب أمينة المكتبة المركزية في البصرة، لتشارك الكثيرين متعة القراءة، كانت تعتقد مثل جون ملتون بأن:

ذو صلة

«الكتب ليست جمادات لا حياة فيها، بل هي وعاء لقوة حياة كامنة».

وعلى هذا النحو، تأثرت بشدة عند معرفتها قصة إحراق مكتبة بغداد الكبرى (وهي ثالث أقدم مكتبة في العالم وكانت تسمى النظامية) إبان الغزو المغولي في 1258، ففي أسبوع واحد تمكن القائد المغولي هولاكو من تدمير معظم مكتبات المدينة، وكان عددها ستًا وثلاثين مكتبة، وتقول الأساطير إن كثرة الكتب التي ألقيت في نهر دجلة صبغت المياه بلون الحبر الأزرق، فلطالما مثلت المكتبات بوصفها حافظة وحارسة لمعالم الهوية الثقافية أهدافًا عسكرية في الحروب، لكن تاريخ المكتبات في العراق لم يتوقف.


«تبدو هذه الكتب في عيني أشخاصًا… أحياء… يتنفسون… وأصدقاء أعزاء جدًا».

جزء من حوار دار على لسان السيدة عالية داخل صفحات كتاب “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق”.

فيديو يوتيوب

تنطلق القصة من مقولة الكاتب الأرجنتيني الشهير بورخيس: «إنّ المكتبة أبدية»، حيث بدأت وقائعها خلال الأيام الأولى للحرب على العراق عام 2003، بعدما خشيت السيدة عالية محمد باقر على مصير الكتب المحفوظة داخل المكتبة المركزية بمدينة البصرة، فكما قلنا الكتب هدف عسكري في الحروب.

فقد كان القرن العشرين هو الأكثر دموية وشهد العديد من حوادث تدمير المكتبات بهدف طمس الهوية في هجمات على الممتلكات الثقافية للشعوب؛ وذلك بحسب ما ورد في كتاب Libricide – إبادة الكتب لمؤلفته Rebecca Knuth – ربيكا نوث.

وعليه، سعت السيدة عالية باقر إلى إنقاذ مجموعة من الكتب التي لا تقدر بثمن، داخل بلد منكوبة بالحرب، في وقت يبدو المدنيون عاجزون في مواجهة نيران المعركة، فعقدت العزم على حماية تاريخ وثقافة وتراث أرض وطنها الذي تعيش عليه من دمار الحرب.


«أخشى كثيرًا أن يصيب المكتبة سوء… فما أسهل أن يفلت زمام الحرب، فقنبلة واحدة أو حريق واحد قد يدمر كل هذه الكتب… مثلما حدث لمكتبة بغداد العظيمة! يجب أن نمنع ذلك!»

جزء من حوار دار على لسان السيدة عالية داخل صفحات كتاب “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق”.


بطولة امرأة خارقة في حب الكتب

الخطوة الأولى التي لجأت لها، تمثلت في مناشدة المسؤولين لنقل مقتنيات المكتبة المركزية في البصرة إلى مكان آخر أكثر أمانًا، لكن تم رفض طلبها، فلم تتقاعس عن واجبها وقامت على مدار أيام بنقل الكتب والمخطوطات الثمينة في حقيبة سيارتها الشخصية والمقعد الخلفي إلى غرفة المخزن في منزلها، وبمساعدة زوجها نجحت في نقل عدد كبير من الكتب، لكن سرعان ما امتلأت الخزانات بالكتب التي اصطفت في كل مكان داخل المنزل.

لجأت بعدها إلى صاحب المطعم المجاور للمكتبة، لنقل ما تبقى من الكتب إلى داخل المطعم، لينضم إليهم أبناء المنطقة من أصحاب الدكانين والجيران في مهمة وطنية عاجلة “إنقاذ كتب العراق”، بعدها تحققت مخاوف السيد عالية وتم حرق المكتبة وتدميرها لكن بعد إنقاذ الجزء الأكبر من مقتنياتها. نحن أمام قصة بطلة خارقة، بطلة من نوع آخر، بطلة ثقافية.


«كم أتمنى أن تكون لدى القوة حتى أعمل طوال اليوم من جديد، الليلة وكل ليلة حتى يكتمل إنقاذ الكتب كلها!»

جزء من حوار دار على لسان السيدة عالية داخل صفحات كتاب “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق”.

وصل العدد الإجمالي للكتب التي تم إنقاذها بواسطة جهودها المضنية إلى حوالي 30 ألف كتاب (أي 70 في المائة)، من بينها كتب باللغة الإنجليزية وكتب عربية ومصحف باللغة الإسبانية، وسيرة ذاتية لسيدنا محمد [ص] من حوالي عام 1300، فضلًا عن مخطوطات يمد عمرها لمئات السنين حول أدق نقاط قواعد اللغة العربية وفن السرد، ودوريات علمية ثرية القيمة، وكنوز ثقافية لا تقدر بثمن.

اقرأ أيضًا:


مهمة علية: إنقاذ كتب العراق


السيدة عالية محمد باقر - مهمة علية إنقاذ كتب العراق كتاب كوميكس لرسام الكاريكاتير مارك آلان ستاماتي

بطاقة معلومات سريعة عن الكتاب:

  • عنوان الكتاب: Alia’s Mission: Saving the Books of Iraq
  • اسم المؤلف: مارك آلان ستاماتي
  • تصنيف الكتاب: تاريخ، رواية مصورة، مستوحاة من قصة حقيقية، سيرة
  • دار النشر: Randon House Children’s Books
  • تاريخ النشر لأول مرة: 2004
  • لغة نشر الكتاب الأصلية: اللغة الإنجليزية
  • عدد صفحات الكتاب: 32 صفحة بالأبيض والأسود
  • تقييم موقع جودريدز: 3.78 ⭐
  • تقييم موقع آمازون: 4.2 ⭐
  • الفئة العمرية: من 5 إلى 8 سنوات
  • عنوان النسخة المترجمة: مهمة علية: إنقاذ كتب العراق
  • اسم مترجم النسخة العربية: د. محمد عناني
  • دار نشر النسخة المترجمة: البلسم للنشر والتوزيع

تم توثيق بطولة السيدة علية باقر لأول مرة ضمن مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز بقلم سايلا ديوان. تبعه كتاب بعنوان: Alia’s Mission: Saving the Books of Iraq لرسام الكاريكاتير الشهير Mark Alan Stamaty – مارك آلان ستاماتي، وقد ترجم د. محمد عناني القصة إلى اللغة العربية تحت عنوان “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق” (يلاحظ هنا استخدام المترجم اسم “علية” وليس “عالية” كما تتناقه أغلب وسائل الإعلام العربية).

يعد كتاب “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق” رواية مصورة – Graphic novel تتبع الأحداث الموثقة ليتم سردها في لوحات ومشاهد درامية، وأضاف لها مارك آلان ستاماتي فقط لمسات خيالية في شكل حوار، وجاءت على طريقة الكوميكس مزينة برسومات بالأبيض والأسود، مناسبة لمستوى الأطفال الصغار في الصفوف الدراسية الأولى من 5 إلى 8 سنوات.

الرواية في مجملها لا تناقش الحرب والقضايا السياسية بالتفصيل، بل تؤكد على أهمية رسالة السيدة عالية باقر نحو الكتب وحرية القراءة والحفاظ على التاريخ والتراث الإنساني، بينما تبحث في تأثير الحرب على بلد ما وشعبه، مما يجعله مناسبًا لصغار السن.

إنقاذ كتب العراق

لك أيضًا:

  • أفلام كوميكس وأبطال خارقين عام 2021 .. إليكم أكثر قائمة تأثرت بالكورونا

الآن، وصلت القصة إلى محطتها الآخيرة، رحلت السيدة الشجاعة عالية محمد باقر منذ أيام قليلة، متأثرة بتداعيات الإصابة بفيروس كوفيد-19، لكنها تركت وراءها قصة أيقونية ملهمة في حب الكتب والثقافة والأوطان، ليتم توثيقها في كتاب “مهمة علية: إنقاذ كتب العراق”. وهكذا تستحق البطلة الراحلة كل التحية والتقدير، كنموذج نسائي وطني يحتذى به.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة