براءة ريا وسكينة ومثال على تزييف التاريخ والتلاعب بالعواطف!

ريا وسكينة
1

في الواقع أنا لا أريد مناقشة مسألة قضية براءة ريا وسكينة التي أُثيرت منذ فترة بقدر تسليط الضوء أكثر على مفهوم التاريخ الزائف Pseudohistory والذي يشبه العلوم الزائفة، فهو عبارة عن وضع نظريات وفرضيات تاريخية على أسس غير سليمة ويتعامل معها الجمهور على أنها الحقيقة، ولنا في قضية براءة ريا وسكينة خير مثال! فنحن ببساطة نقف أمام محاولة لتزييف التاريخ مستَخدماً فيها لعبة الشكوك والفرضيات واللعب على وتر العواطف وأن الشعب تم خداعه!

كيف يقتل الإعلام العلم نفسه؟ عندما تتحول التخمينات عن جزئيات إلى حقائق عن كليات

مفاجأة أحمد عاشور

في عام 2015 فوجئ الجميع بسيناريست يدعى (أحمد عاشور) كان قد توصل لمفاجأة حول براءة ريا وسكينة أشهر سفاحتين في تاريخ مصر الحديث، واللاتي حكم عليهما بالإعدام مع 4 آخرين في قضية شهيرة حدثت في بداية القرن العشرين، قال عاشور بأنه حينما كان يعمل في فيلم وثائقي لشركة أجنبية قام بالتحري عن هذه القضية لعشر سنوات وتوصل لمعلومات تشككه في القضية وأن هناك تناقض في المستندات، وأثبت على حد قوله أنهم كانوا أبرياء وأن الإنجليز لفقوا لهم القضية بسبب أنهم كانوا يعملون مع الجهاز السري لثورة 1919 ضد الإنجليز، وأنه بصدد إنتاج فيلم سينمائي عنهم لشرح القضية الحقيقية وليست الملفقة من قبل السلطات الإنجليزية.

في الواقع تبدو قصة لطيفة وحبكة يمكن تصديقها من باب اعتقاد الكثيرين بأن التاريخ دائماً يشوه وأنه يكتب بأيدي المنتصرين، وهو ما دفع الكثيرون لتصديق هذه الرواية، ولكن المشكلة الحقيقة أنه لا يجوز أن تصدق شيئاً لمجرد أنك قد تتعاطف معه بل يجب أن يكون مصحوباً بالأدلة والبراهين الكافية، على الأقل أن تكون هناك أدلة واضحة، وهذه كانت الأزمة الحقيقية مع السيد (أحمد عاشور) الذي ظهر في وسائل الإعلام عشرات المرات دون أن يكشف ولو مرة عن أي دليل معه أو وثيقة، ولم يحاول حتى نشر أدلته عبر حساب شخصي أو موقع، النقطة الثانية أن 70% من كلامه مبني على افتراضات وشكوك واستنتاجات ضد قضية موثقة بعناية شديدة سواء بالمستندات والصور والمحاضر الرسمية وأوراق هوية وصحف، بل ونشر عنها الكثير من التفاصيل في كتب ومراجع تاريخية لشخصيات موثوقة، بل وكل الروايات الشعبية وأهل المنطقة أقروا بإدانتهما ولم يشكك أحد في الرواية عبر 90 عاماً، وبالتالي من الضروري عرض الأدلة التي تثبت ذلك وإلا ليس له قيمة ويدرجه تحت بند تزييف الحقائق والتاريخ.

حجة ساذجة

المشكلة أن تبريره لعدم طرح الأدلة التي لديه بأنها ستنشر في عمل سينمائي قادم، وهي في الحقيقة حجة ساذجة وغير منطقية، فما لا يجب أن تكشفه هو فقط السيناريو منعاً للحرق، لكن أنت تتحدث عن حقائق تاريخية معروفة وتحريات تمت عبر وثائق ومستندات متاحة للعامة، أنت لا تعرض رواية تاريخية لأول مرة ولا هو بحث علمي، بل بالعكس طرح الأدلة والمستندات التي تدعيها يثبت صحة ادعائك ويجعل الإقبال على فيلمك أكبر وأكبر، من ناحية أخرى أنت لن تطرح فيلماً وثائقياً، بل فيلم درامي تجاري فكيف ستعرض فيه هذه الأدلة؟ هل سيقوم الممثلين بعرض الوثائق على الشاشة لنتحقق منها؟ طبعاً هذا سيكون هزلياً وأقرب للمحاضرة! وأتوقع أن ما سيحدث هو أن الفيلم سيطرح الأحداث الملفقة كيفما كتبها وسيجعلها وكأنها حقائق تاريخية سليمة ينخدع فيها المشاهد، لنجد أنفسنا أمام مثال كامل للتاريخ الزائف ومحاولات تشويه التاريخ وجعل الأفراد يتعاطفون مع مجرمين!

حقائق هامة

إذا كنت عزيزي القارئ تصدق بالفعل هذه الرواية، فدعني أطلعك على بعض النقاط الواقعية والمنطقية وفكر فيها بعقلك.

الاحتلال الإنجليزي ليس بحاجة لكل هذا من الأساس!

مالا يعلمه السيد أحمد عاشور أن الأحكام العرفية فُرضت في مصر عام 1914 وحتى عام 1922 والتي كانت تسمح للحاكم العسكري بمحاكمة المواطنين عسكرياً أمام محاكم إنجليزية، هناك الكثير من الأشخاص الذين تم إعدامهم في مصر بمحاكمات جائرة وظالمة ومنها حادثة دنشواي الشهيرة وملوي ومحاكمة عبد الرحمن فهمي نفسه وغيرها، بل وأحياناً ما يتم التصفية المباشرة للأشخاص الذين يعملون في المقاومة ضد الاحتلال أو نفيهم حتى كانوا شخصيات رفيعة المستوى مثل سعد زغلول، بل وصل بهم الجبروت لخلع حاكم مصر (عباس حلمي الثاني) وتعيين عمه!

كانوا مسيطرين تماماً على مصر وليسوا في حاجة لاختراع وتلفيق قضايا ولا الاستعانة بطفلة (بديعة ابنة ريا) لكي تتم إدانة ريا وسكينة والآخرون وكل ما حدث، ولا حتى خلق قصص لإلهاء الشعب عن أحداث ثورة 1919 في مصر، وكأن ادعاء المؤلف خاطئاً فقضية ريا وسكينة بدأت في ديسمبر 1920 في وقت كانت الاحتجاجات انتهت والأجواء هدأت في مصر وكان الوفد المصري يجري المفاوضات، فلماذا يحتاجون لاختراع هذه القصة؟

وكذلك لو أرادوا تلفيق قضية ستكون قوية ومدججة بالأدلة المزيفة وشهود الزور وسريعة مثل محاكمة دنشواي على عكس قضية ريا وسكينة التي كانت فيها الكثير من التحقيقات والحيثيات وأقوال وأدلة وجثث وشهود وتفاعل شعبي ضخم كان سيفضح أي تلاعب في القضية.

كيف تحدد أسعار خدماتك وتحمي نفسك من الاستغلال أو خسارة مجهودك دون مقابل

الوقائع التاريخية والأعمال الفنية القديمة تفند الادعاءات

وهذه النقطة أيضاً كفيلة بإبطال كل روايته، لأنه لم يثبت أن هناك تشويه حدث من الإنجليز والحكومة الموالية وصدقه الشعب والمثقفون، فلا أحد مثلاً صدق التشويه حول الزعيم أحمد عرابي ولا قصة دنشواي ولا حتى أدهم الشرقاوي الذي قالت عنه الشرطة أنه لص ومجرم ولكن القصص الشعبية أنصفته، فلماذا إذاً لم يحدث هذا معهن؟!

لماذا حتى لم يقم أحد على الإطلاق بإنصافهما تاريخياً ولو حتى بعد رحيل الاحتلال؟ لماذا لم يقم عبد الرحمن فهمي ولا النقراشي بالاعتراف بدورهم أو إنصافهما تاريخياً فيما بعد أو حتى تكريمهما؟ كذلك لماذا لم يقم أحد بذلك بعد ثورة يوليو مثلاً وكان من السهل إثبات البراءة وكل الوقائع والشهود على قيد الحياة وقتها؟

لماذا حتى لم يحاول أي صحفي التشكيك في القضية؟ بل بالعكس فقد أدان الأديب الكبير عباس العقاد نفسه حينما كان يعمل بالصحافة وقتها جرائمهما ووصفهما بأنهما (أصحاب النفوس الميتة) وكان هناك الكثير من الصحفيين ذوي أقلام حرة عارضوا الإنجليز علانية فلماذا لم يفعلوا؟

لو نظرنا حتى للأعمال الفنية التي نُشرت عن ريا وسكينة كان منها مسرحية لنجيب الريحاني كتبها بديع خيري عام 1924 (بعد 3 سنوات من تنفيذ الحكم)، وكذلك فيلم لصلاح أبو سيف ومن تأليف نجيب محفوظ والذي قام ببطولته أنور وجدي ونجمة ابراهيم عام 1953، وهذه الأعمال كانت بعد فترة قصيرة، فلماذا أدانتهما ولم تبرئهما؟ خصوصاً أننا نتكلم عن شخصيات معروفة عاصروا قضية ريا وسكينة ولديهم الكثير من الأعمال الوطنية المناهضة للاحتلال الإنجليزي، فهل من المنطقي أنهم سيقومون بإنتاج فيلم يدين شخصيات لديها نشاط وطني بحسب ادعائه؟!

ليس هناك تقرير من BBC يثبت ذلك

الكثير من الأشخاص اعتمدوا في تصديقهم لهذه القصة الجديدة بحجة أن هناك فيلم وثائقي أو تقرير من BBC بذلك، ولو طالعت هذا الفيديو (المنشور على قناة المؤلف نفسه) ستجد أنه فقرة تكلمت على قصة ريا وسكينة الرسمية + مقابلة صوتية مع المؤلف أحمد عاشور وأن الرقابة وافقت على سيناريو فيلمه! كذلك نقلت آراء بعض الجمهور فقط، لم تؤيد أي شيء ولم يدعموا أي شيء ولم يقدموا أي دلائل أو براهين، كذلك كل اللقاءات التلفزيونية والصحف فقد نقلت كلامه لا أكثر.

لا أحد يدعم فكرة براءة ريا وسكينة إطلاقاً

الموضوع من الأساس ليس قصتين ولا وجهتي نظر كما يعتقد البعض، فلا أحد ادعى قصة براءة ريا وسكينة هذه سوى المؤلف فقط ومنذ أن أعلن عن هذه المسألة في الإعلام لم نجد على الإطلاق أي دعم من أي مؤرخ أو صحفي يؤيد ما قاله، أو حتى شكك في القضية إطلاقاً، بل على العكس حينما قام الإعلامي عمرو الليثي بإجراء مناظرة تلفزيونية بينه وبين المؤرخ الدكتور محمد عبد الوهاب والذي يعمل باحثاً في أمريكا، كانت أقرب للمسرحية الكوميدية بين شخص لا يملك أي شيء ينسحق تماماً أمام أكاديمي محنك ومحترف معه كل الأدلة والوثائق وإثباتات لا تقبل الشك، وتحجج عاشور في نهاية المناظرة بأن فريق إعداد البرنامج لم يخبره بأنه سيناظر شخص كذلك! مما جعل المقدم يحرجه بقوله “ولماذا لم تحضر أوراقك معك وأنت تعلم جيداً أننا سنناقش هذا الموضوع؟”.

براءة ريا وسكينة

الاستعانة بمصادر غير محايدة

لك أن تتخيل عزيزي القارئ أن المؤلف استند في موضوعه على شهادة شفهية من أحفاد المتورطين في القضية ومنهم عرابي حسان وعبد الرازق وأحفاد لأشخاص آخرون، هل من المنطقي الاستناد لشهادتهم من الأساس؟ هذه بالتأكيد شهادة مجروحة وبالتأكيد سيحاولون تبرئة أجدادهم، بل من غير المنطقي تصديق أي شيء بمجرد أن شخصاً ما قاله فربما يرددون أقاويل وإشاعات من أسلافهم ولا دليل على كلامهم، بل إنه أساساً من الصعب إثبات أن هؤلاء هم فعلاً أحفادهم لأنه فترة العشرينيات لم يكن هناك أوراق هوية ولا مستندات فكيف تأكد من شخصيتهم؟

أهم كتب إبراهيم عيسى.. الكاتب الذي أثار الكثير من الأقاويل

تضارب وشكوك غير صحيحة تماماً

كل ما اعتمد عليه المؤلف في كلامه بُني على افتراضات ومعلومات أغلبها ليس صحيحاً أو ليس عليها أي مصادر بل ويتعامل معها كأنها حقيقة مؤكدة، مثلاً ادعى أنه لم توجه لهن تهمة القتل رغم أن كل محاضر النيابة ومستندات المحكمة توجه لهن والآخرين تهمة القتل العمد بل واعترفوا أيضاً بارتكابهم هذه الجرائم (وهذه المحاضر لا زالت موجودة وهناك صور لها عبر الإنترنت).

ادعى أن هناك ضابط تولى القضية من البداية وتم قتله لكي لا يكشف القضية لإسناد القضية لليوزباشي إبراهيم حمدي، وهذا ادعاء باطل لأن المستندات نفسها والصحف تثبت أن ضابط مباحث اللبان وقتها هو إبراهيم حمدي لم يكن أحد غيره، وهو من تلقى البلاغ صباح 11 ديسمبر 1920 وهو من أمر لاحقاً بالحفر واستخراج الجثث بالتعاون مع كمال نامي مأمور قسم البان، بل بالعكس اسم الضابط الذي قاله اتضح أنه كان على قيد الحياة بعدها ولم يمت!

قال المؤلف مثلاً بأن سليمان بك عزت وكيل نيابة القاهرة تم تعيينه للعمل على القضية بعد تنحيه وكيل أول الإسكندرية، هو مؤسس جمعية الصداقة المصرية البريطانية مع أمين عثمان، ولا أحد يعلم من أين جاء بهذه المعلومة فلا يوجد مصدر واحد يشير إلى اسمه كمؤسس لهذه الجمعية التي تأسست عقب معاهدة 1936 من مجموعة شباب درسوا في جامعات أجنبية ولا يوجد صلة بينه وبين أمين عثمان أو علاقة بل بالعكس بينهم فارق عمر كبير.

ادعى مثلاً أن ابنة ريا وهي بديعة ماتت في حريق دار الأيتام، وبحسب عدة روايات متضاربة منه (6 شهور وعام وعامين)، في حين أنه ثبت بالمستندات وشهادة وفاتها أنها ماتت في 1925 بمرض السل الذي كان منتشراً وقتها في الإسكندرية بل أنه ليس هناك أساساً أي دليل على هذا الحريق المزعوم.

ادعى المؤلف مثلاً أن ريا وسكينة كانتا تعملان في البغاء القانوني وكان يدر عليهن ربحاً كبيراً لا يدفعهما للقتل والسرقة، رغم أن ريا نفسها اعترفت أنها كانت تعمل في البغاء السري وليس المقنن ولم يكن معها أي ترخيص، وكانت تعيش في منزل عادي مع العديد من السكان، على عكس بيوت البغايا وقتها التي لم يكن يسكن فيها سكان غيرهن ويتم تخصيص مناطق معينة لها.

بل وما ينفي روايته تماماً أنه لا صحة على أنه عثر على وثائق من الداخلية تثبت براءتهما، حيث لا يوجد سوى محاضر واحدة كل تفاصيلها تدينهما فمن أين إذاً جاء بهذا الدليل المزعوم؟

من الأساس لو تابعت كل تصريحاته الإعلامية ستجد أن اعتماده الأكبر على فكرة التشكيك مثل الألاعيب التي يستخدمها المحامون لمحاولة تبرئة موكليهم، ولكن ذلك لا يصلح مع وقائع التاريخ الذي يحتاج لأدلة قوية، فببساطة لا يمكنك أن تجزم ببراءة شخص بل وتعتبره بطلاً من مجرد بضعة شكوك وتحليلات، ولكي لا أطيل عليكم كل ادعاءاته تم تفنيدها بالتفصيل في هذا الفيديو الوثائقي:



الخلاصة

شيء مؤسف أن نرى أشخاص صدقوا هذه الرواية المزعومة وحاولوا تصديقها بشكل عاطفي وليس عقلاني، الشكوك والافتراضات مجرد بداية تحاول من خلالها العمل على الأدلة المضادة، لأنه لا يفند الأدلة سوى الأدلة ولكن الشكوك والفرضيات ليست حقائق ومعلومات تتعامل معها كيقين حتى ولو كنت تميل لتصديقها، يجب عليك التحري والتأكد بنفسك ولا تصدق أي شيء يخبرك به الآخرون لكي لا تسقط في فخ العلوم الزائفة والتاريخ الزائف ولكم في مسألة براءة ريا وسكينة خير مثال.

1

شاركنا رأيك حول "براءة ريا وسكينة ومثال على تزييف التاريخ والتلاعب بالعواطف!"