سلسلة دوستويفسكي.. مذكرات قبو – الجزء الثالث

مذكرات قبو
0

سنة 1864، نَشر الأديبُ الروسِيُ العملاقُ “فيودور دوستويفسكي-Fyodor Dostoyevsky” روايةَ “مذكّرات قبوNotes from Underground” التي تُرجِمت أيضًا إلى اللغة العربية تحت العنوانين: “في قبوي” وَ “الإنسان الصرصار”. وتُعتَبر رواية مذكرات قبو مِن أولى الكتابات الروسية في تيار “الوجودية-Existentialism”، وقد أظهر دوستويفسكي في هذا الرواية تَمَرُّسًا فذًّا في رصد أعماق النفس البشرية وطبائعها، ممّا جعل هذا الرجُل يرقى إلى مصافِّ عمالقة الأدب العالمي في القرن التاسع عشر.

قراءة في أدب دوستويفسكي الأديب الجَدَلي عاثر الحظ – الجزء الأول

لمحة عن رواية مذكرات قبو

تحكي مذكرات قبو هلوساتِ رجلٍ أربعيني ذو أعصاب مريضة، ثِقة مُهَشَّمة وكبرياء مختلّ. يُكنَّى هذا الرجل عادةً لدى النّقاد بـ “رجل القبو”، يعيش في القرن التاسع عشر في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية، ويسكن وحيدًا في منزله الذي يسمّيه “القبو” لأنّه يعتزل فيه الناسَ قدر المستطاع، غارقًا في أفكاره الخاصة المُلتَفّة بالسوداوية والتشاؤم والسلبية.

تضمّ الرواية جزأين:

  • الجزء الأوّل تحت عنوان “في القبو”:

وهو سردٌ متصلٌ لأفكار رجل القبو، تتَخَلُّلُه الكثير من الأفكار الفلسفية، كالجدل حول التسيير والتخيير، الحتمية والحرية والمسؤولية، وغيرها.

هذا الجزء خالٍ تمامًا من أيّ تأطيرٍ مألوفٍ للقصة، فهناك شخصيةٌ واحدةٌ تعرض أفكارها على القرّاء، مُحاوِلةً انتهاج استدلالات منطقية في طرح الدلائل والحجج. ولهذا يجد القارئُ نفسه، في هذا الجزء، مُحاصَرًا تمامًا في أعماق قبو هذا الرجل الغريب، منفصِلاً كليًا عن المشهد الخارجي العام.

  • الجزء الثاني بعنوان “بمناسبة الثلج الذائب”:

هنا، يعود رجل القبو بقرّائه 15 سنةً إلى الوراء ليحكي عن عمله، وحدته، خادمه، أصدقائه القدامى، أفكاره السامة ومغامراته البائسة.

يرسم هذا الجزء ملامح نفسية هذا الرجل التعيس، الغريب، المريض والمختلف عن كلّ من يحيطون به.. رجلٌ لم يلقَ القبول ولم يستطع تقبّل الآخرين كذلك، منغلق على ذاته في قوقعة تتغذّى على كبرياء لاذع ومازوخية حادّة.

أقلّ ما يقال عن هذه الرواية هو أنّها استثنائية بأسلوبها الروائي وشخصيتها الرئيسية.. يتحدّث عن هذا الأمر المترجمُ السوري “سامي الدروبي” في مقدّمته لهذه القصة:

يقول ألكسندر سولوفييف عن هذا العمل من أعمال دوستويفسكي: “إنّ هذا الكتاب الغريب هو من أعمق أعمال دوستويفسكي، إن لم يكن أكملها على الإطلاق من ناحية الشكل”، فأما أنّ الكتاب غريب فإنّ الشعور بالغرابة هو ما تمتلئ به نفس القارئ أثناء قراءته، إذ يحس أنه إزاء لون من ألوان الكتابة والتعبير لا عهد له بمثلهما من قبل، لا في أعمال دوستويفسكي التي سبقته ولا في أعماله التي ستعقبه، ولا فيما قرأ من أدب دوستويفسكي.

بكلّ صراحة، رواية “مذكّرات قبو” مُربِكةٌ جدًا.. فهي تستقبلك في بدايتها بهذه الكلمات:

أنا رجل مريض.. أنا إنسان خبيث. لستُ أملك شيئًا مما يجذب أو يفتن.

جُرُعاتٌ متعاقبةٌ من احتقار الذات والآخرين يتعاطاها رجلُ القبو طوال حوالي 200 صفحة، ينتقد فيها نفسه بقسوة، يقوم بأفعال متناقضة تنم عن ازدواجية رهيبة، وكأنّ به انفصامًا: فهناك الرجل الذي يبتغي ودّ معارفه، وهناك ذاك الذي يحتقر الجميع ولا يستطيع أن يحتمل أو يحبّ أحدًا، ولا حتى نفسه.. وتنتهي هذه الازدواجية دومًا بالكثير من الغضب والانفعال المرضي والمزيد من الاحتقار.

أعتقد أنّ محاولة جمع كلّ هذه الرواية في فكرة واحدة قد تقودنا إلى هذا المقطع:

ولكن هل تعرفون أيها السادة ماذا كان المظهر الأساسي من مظاهر خبثي وشرّي؟ إنّ أبشع وجه من وجوه ذلك الخبث وذلك الشر هو أنّني في اللحظة التي ينفجر فيها حنقي المسعور، كنت أشعر شعورًا مخزيًا بأنّ نفسي ليس فيها شيء من خبث أو شر، وأنّ غضبي ذاته لا وجود له، وأنني لا أزيد على التلذذ بترويع العصافير.

يسيل الزبد من فمي غاضبًا، ولكن يكفي أن تعطوني لعبة، أو أن تقدّموا إليّ فنجانًا من الشاي بالسكر، حتى تهدأ نفسي، بل وحتى ترقّ نفسي وتحنو. على أنّ هذا لا يمنعني من أن أقضم أصابعي حنقًا بعد ذلك، وأن أعاني الأرق أشهرًا من شعوري بالخزي والعار. ذلك من عاداتي وأخلاقي (…).

لم أستطع أن أصبح أيّ شيء، لم أستطع أن أصبح حتى شرّيرًا. لا خبيثًا ولا طيّبًا، لا دنيئًا ولا شريفًا، لا بطلًا ولا حشرة. وأنا اليوم، في هذا الركن الصغير، أختم حياتي، محاولًا أن أواسي نفسي بعزاء لا طائل فيه، قائلًا أنّ الرجل الذكي لا يفلح قط في أن يُصبح شيئًا، وأنّ الغبي وحده يصل إلى ذلك.

في أدب دستويفسكي.. الرحلة إلى أوروبا – الجزء الثاني

في القبو.. نتعثّر بالوجودية!

يقول الفيلسوف الألماني “والتر كوفمان-Walter Kaufmann” في كتابه “الوجودية: من دوستويفسكي إلى سارتر” :

الجزء الأول من “مذكرات قبو” هو أفضل ما كُتِب كاستهلال للوجودية على الإطلاق.

الوجودية تيار فلسفي ظهر في أوروبا بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وتَكَثَّف الالتفافُ حوله في خضمّ المآسي البشرية التي عرفها العالم أثناء الحرب العالمية الثانية.

ربّما يمكن تلخيص جوهر الوجودية في أنّها تتمحور حول السعي لإيجاد “معنى” من وجود الإنسان في عالمٍ “خالٍ من المعنى”. كما يرتبط هذا التيار كذلك بمحاولة معرفة الذات والعيش وفقًا لما تريده هي لا حسب ما ينتظره الآخرون.

وبينما يتّجه التيار العقلاني إلى حَشرِ كلّ “المعنى” في التفكير والمنطق، تقوم الوجودية بنفي اقتصار “المعنى” على هذا وحسب، وتنادي بأنّه مشتمل كذلك على كلّ ما يكوّن الإنسان من مشاعر وذاتية ولا موضوعية في الاختيار واتخاذ القرار.

يقول دوستويفسكي في مذكرات قبو عن العقلانية والمنطق:

اسمعوا يا سادتي، إنّ العقل شيءٌ ممتازٌ رائع. ذلك أمرٌ لا يمكن جحوده. ولكن العقل هو العقل، وهو لا يُرضي في الإنسان إلا مَلَكة التفكير العقلي، أما الرغبة فهي تُعبّر عن مجموع الحياة، أي عن الحياة الإنسانية كلها، بما فيها العقل ووساوسه. ورغم أنّ حياتنا، في تعبيرها عن نفسها على هذا النحو، تكتسي في كثير من الأحيان مظهرًا رديئًا جدًا، فهذا لا ينفي أنها الحياة، لا استخراج الجذر التربيعي.

تؤمن الوجودية بأنّ الطريق نحو إيجادِ “المعنى” من الحياة والعثورِ على أنفسنا يكون مُعبَّدًا بالإرادة وحرية الاختيار والمسؤولية الفردية. وهذا ما يُؤَيِّده رجل القبو:

لقد هممتُ أن أهتف قائلًا أن الإرادة رهنٌ بما لا يدري إلا الشيطان ما هو… وأنّ هذا ربما كان حظًا موفّقًا كل التوفيق، ولكنني فكرتُ في العلم، فعضضت على لساني. (…) فإذا استطعنا في الواقع أن نكتشف معادلة جميع رغباتنا، وجميع نزواتنا، (…) كان من الجائز أن يكفّ الإنسان عنذئذ فورًا عن أن يريد. وليس هذا جائزًا فحسب، بل هو محقق مؤكد أيضًا. فأي لذة يمكن أن يجدها الإنسان في أن لا يريد إلا وفقًا لجداول حساب؟ بل ليس هذا كل شيء أيضًا: إن الإنسان سيسقط عندئذ توًا إلى صف مسمار في آلة. ما عسى أن يكون إنسان بلا رغبة ولا إرادة، إن لم يكن مسمارًا في آلة أو شيئًا من هذا القبيل؟

يقول “جان بول سارتر- Jean-Paul Sartre” أحد زعماء التيار الوجودي:

في البداية يوجد الإنسان، يلتقي نفسَه، يَخرُج إلى العالم، ويُعرِّف نفسَه بعد ذلك.

هذا السعي المتواصل في البحث عن النفس وتعريفها هو بالذات ما يتكرّر في كل مراحل مذكرات قبو حيث يستمر رجل القبو في تعريف نفسه ووضعها موضع التحليل والبحث، يقول:

فعلى قدر إدراكي للخير، على قدر إدراكي “لكل ما هو جميل رائع”، يكون غوصي في الوحل، وتكون قدرتي على أن أضيّع نفسي فيه تضييعًا كاملًا. ولقد كان الطابع الأساسي لهذه الحالة أنها لا تبدو عرضية طارئة. فكأنها حالتي العادية الطبيعية، وكأنها ليست مرضًا أو آفة، لذلك فقدتُ كل رغبة في محاربة هذه الآفة، وأوشكتُ أخيرًا أن أعتقد (ولعلني اعتقدت بذلك حقًا) أن هذه الحالة هي حالتي الطبيعية السوية فعلًا”.

ترقب الموت.. موت من نوع آخر: ألبير كامو والفلسفة الوجودية للموت

تحتوي “مذكرات قبو” على العديد من الشروح لأفكار أساسية في الفلسفة الوجودية، ولهذا فهي تُعدّ مدخلًا ممتازًا وفريدًا لهذا التيار.. فهل قرأتم هذه الرواية؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.

0

شاركنا رأيك حول "سلسلة دوستويفسكي.. مذكرات قبو – الجزء الثالث"