الشق المزدوج
2

تحمل تجربة الشق المزدوج§ في طياتها أعمق ألغاز ميكانيك الكم، وقد قال عنها مرةً أحد ألمع الفيزيائيين في التاريخ، والحائز على جائزة نوبل في الفيزياء، الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فاينمان§، ما يلي:

“إنه لمن المستحيل …أن نفسّرها بأية طريقةٍ كلاسيكيةٍ، وإنها لتحتوي فيها، جوهر ميكانيك الكم. وفي الحقيقة فهي تحتوي على الغموض الفريد لميكانيك الكم”.§.

غموض ميكانيك الكم عمّ نتحدث هنا يا ترى؟ نعود لاقتباس ريتشارد فاينمان مرةً أخرى، والذي قال: “أعتقد أنه يمكنني القول مطمئنًّا أن لا أحد يفهم ميكانيك الكم. وحاول إذا ما استطعت لذلك سبيلًا، ألّا تقول لنفسك، “ولكن، كيف يمكن أن تكون الأمور على هذا النحو؟” لأنك ستنجرف إلى زقاقٍ مظلمٍ، لم يستطع أحدٌ قبلك الهرب منه. لا أحد يعلم حقًا كيف يمكن للأمور أن تكون على هذا النحو.”§.

إذًا، هل أنت مستعدٌ للغوص في هذا العالم الغريب؟ فلنبدأ!

خلاف حول طبيعة الضوء

مم يتكون الضوء يا ترى؟ لقد اعتقد نيوتن § أن الضوء يتكون من جسيماتٍ صغيرةٍ يمكن لنا تشبيهها برصاصاتٍ صغيرةٍ للغاية، إلا أن هايغنز § خالفه الرأي، واقترح أن يكون الضوء مكونًا من أمواجٍ، كالأمواج التي تنتشر على سطح الماء، وقد كانت المسألة غير محسومةٍ حتى أتت تجربة الشقين التي اقترحها توماس يونغ §، والتي يمكن لنا من خلالها الحسم في هذه المسألة.
في هذه التجربة، نضع منبعًا للضوء بالقرب من حاجزٍ يحتوي على شقين ضيقين، وتليه شاشة نستقبل عليها ما يمر من ضوءٍ من خلال الشقين.

ولفهم ما الذي سنستفيده من هذا الإجراء التجريبي، لنتخيل أننا أجرينا التجربة برصاصٍ حقيقيٍّ. وأننا وضعنا على الشاشة كواشفَ لمكان سقوط الرصاصات (أكياس رملٍ مثلًا). عندها فسنحصل على الشاشة على النمط المبين في الرسم التوضيحي التالي:

الشق المزدوج

وهذا ليس غريبًا البتة، فإما أن الرصاصة ستمر من أحد الشقين مباشرةً إلى الشاشة دون أن تصطدم بالحاجز، أو قد ترتد عن الحاجز، أو أنها ستصطدم فيه ويغير من مسارها الأصلي موجهًا إياها نحو إحدى نقاط الشاشة كما في الشكل.

والآن، ماذا لو أجرينا التجربة باستخدام أمواج الماء؟ إن ما نريد قياسه في هذه الحالة هو طاقة الموجة، وما سنبينه على الشاشة هو مقدار هذه الطاقة، والتي يمكن قياسها من خلال اهتزاز كرةٍ خفيفةٍ نضعها على الماء. سنلاحظ في هذه الحالة، نمط تداخل مبين على الرسم التوضيحي التالي:

الشق المزدوج

والسبب يمكن فهمه ببساطة: إذ بما أن الموجة تكون عبارةً عن قممٍ تليها قيعان، وكون الشقين سيعملان كمنبعين جديدين (وللعارفين بالفيزياء، مترابطين، ولكن لا يهم الآن للقارئ العادي فهم المعنى الدقيق لذلك)، كما هو مبينٌ بالشكل، عندها فالأمواج الصادرة عن أحد الشقين ستتداخل مع الأمواج الصادرة عن الآخر، وفي أماكن التقاء قمةٍ مع قمةٍ أو قعرٍ مع قعرٍ، سيهتز الماء بشكلٍ أعظميٍّ، ونقول أن لدينا حالة تداخلٍ بنّاء، في حين أنه لدى التقاء قمةٍ مع قعرٍ، فستلغيان بعضهما، وسيسكن سطح الماء تقريبًا، ونحصل على تداخلٍ هدّامٍ، وسيظهر على الشاشة نمط تداخلٍ ثابتٍ مبينٍ في الشكل أعلاه.

وبالتالي إذا أنتج الضوء نمط تداخل، فسيكون مكونًا من أمواجٍ. في حين أنه لو لم ينتج نمط تداخل، بل أنتج نمطًا يشبه ما ظهر عند إطلاق الرصاصات، فسنعلم أنه مكونٌ من جسيماتٍ.

وبالفعل، تم إجراء التجربة، وكانت نتيجتها أن الضوء أعطى نمط تداخلٍ، وبالتالي فهو مكونٌ من أمواجٍ. وقد تطورت لاحقًا النظرية الموجية للضوء كثيرًا بعد اكتشاف معادلات ماكسويل §، وأن الضوء هو عبارةٌ عن أمواجٍ كهرطيسيةٍ.

قد تظنون أن القصة قد حسمت. وبالفعل، فقد أصبح هذا هو الرأي السائد لفترةٍ من الزمن.

إلا أنه في أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، تم اكتشاف العديد من الظواهر التي لم يمكن تفسيرها من خلال الطبيعة الموجية للضوء، ولكنها فسرت جيدًا من خلال الطبيعة الجسيمية له، ونذكر من هذه الظواهر هنا دون تفصيل، المفعول الكهرضوئي §، ومفعول كومبتون §، وإشعاع الجسم الأسود §. وقد أطلق على الجسيم المكون للضوء اسم الفوتون.

وما زاد الطين بلة اكتشاف أن هذه الطبيعة المزدوجة لم تكن خاصةً بالضوء وحده، فجميع الجسيمات في الطبيعة، كالإلكترونات على سبيل المثال، تتصرف في بعض الظواهر كأمواجٍ، وفي بعضها الآخر كجسيماتٍ.

فما هي القصة فعلًا؟

إلقاء نظرة جديدة على تجربة الشق المزدوج

بما أن جميع الجسيمات تسلك هذا السلوك، لذلك لنقم بهذه التجربة على منبعٍ يصدر الإلكترونات، ولنقس مكان سقوطها على الشاشة. لنفرض أننا جعلنا شدة المنبع صغيرةً للغاية، لدرجة أنه يطلق الإلكترونات بشكلٍ منفردٍ واحدًا تلو الآخر. عندها لو تركنا أحد الشقين فقط مفتوحًا وأغلقنا الآخر، فسنجد أن الإلكترونات كانت تسقط في عصابةٍ تقابل الشق، كما نتوقع تمامًا، وهنا لا يوجد شيءٌ غريبٌ حتى الآن، ولكن ما أن نفتح الشقين معًا، حتى نصدم بأن نجد نمطًا كالمبين بالصورة التوضيحية التالية:

الشق المزدوج

فما الذي يحصل بالضبط؟ كيف يمكن للإلكترونات التي نفترض في العادة أنها انطلقت من المنبع كجسيماتٍ أن تنتج نمط تداخلٍ كالأمواج؟

إن الإلكترونات تمر واحدًا واحدًا، أي لا يمكننا القول بأن الإلكترونات تتفاعل مع بعضها لتنتج هذا النمط. فكيف لنا أن نفسر ما نرى؟ و كيف يمكن لإلكترونٍ عند مروره من أحد الشقين أن يتأثر سواءً كان الشق الثاني مفتوحًا أم لا؟ بل كيف له أن يعلم (مجازيًّا) أن الشقين مفتوحان معًا أو أن أحدهما فقط هو ما تم فتحه؟

هل يمكن أن يكون الإلكترون قد مرَّ من الشقين معًا وتداخل مع نفسه؟ للتحقق من الفرضية الأخيرة، نضع جهاز قياسٍ عند أحد الشقين كي يكشف لنا مرور الإلكترون منه (فيما لو حدث فعلًا). وهنا تحصل المفاجأة الأكبر: عندها يختفي نمط التداخل، ويتصرف الإلكترون كما لو أنه جسيمٌ مجددًا، وكأنه علم بأننا نراقبه فقرر عدم التصرف كموجةٍ!

فما الذي يحصل فعلًا؟ إن الإلكترون لا يعلم، وليس لديه عقل كي يحاكم طبعًا، فما الذي تفعله الطبيعة خلف الكواليس؟ هذا ما سيكون موضوع النقاش المكثف في الجزء الثاني حول هذه التجربة المثيرة.

2

شاركنا رأيك حول "تجربة الشق المزدوج .. التجربة التي تحوي ألغاز ميكانيك الكم"