نيكروفيليا شيرين هنائي
0

تحتل شيرين هنائي مكانة مهمة في أدب الرعب بالعالم العربي، خاصة حين تحمل روايتها الأولى -والتي يفترض أن أسلوب الكاتب حينها لم ينضج بعد- قدرًا من العمق الفلسفي الذي سيطبع على جميع أعمالها لاحقًا. ناهيك عن السوداوية التي صدمت قراء العرب المثقفين منهم والعوام، والتي لا زالت تواجه نقدًا شديدًا إلى الآن.

القصة

فتاة تعشق الموتى تقع في حب شاب من الأحياء، لتغرق في حيرتها بين العشق الجنسي للأموات والعشق الغرامي للأحياء!

حبكة مظلمة وصادمة بداية من عنوانها وصولًا إلى نهايتها مبنية على المفارقة المذكورة بالأعلى في إطار من الرعب القوطي، وهي من نوع السرديات التي تركز على الشخصية أكثر من الحدث.

رواية نيكروفيليا مقتبسة من من رواية كاري للكاتب الأمريكي الكبير ستيفن كينج Stephen King، الملك غير المتوج على أدب الرعب في العالم حاليًا. مع لمحات من فيلم ماي May 2002 وأفلام تيم برتون Tim Burton.

ولم تخفِ الكاتبة ذلك، ففي حوار أُجري معها اعترفت بتأثرها بستيفن كينج خاصة وأدب الرعب الأمريكي عامة (1).

الرواية هي الأولى للكاتبة شيرين هنائي وقد بدأت أولى أعمالها مع الرعب القوطي-النفسي اتباعًا لذات المدرسة الفلسفية في أدب الرعب التي ينتمي إليها إدجار آلان بو Edgar Allan Poe نفسه.

اقتبست المخرجة آيات مجدي العمل مسرحيًا عام 2013 في مسرحية تحمل ذات الاسم. وغنائيًّا عام 2011 من قبل فريق المغني خانة في أغنية الشمس مكسوفة.

 تعرّف على أشهر روايات الجريمة المُستندة على وقائع حقيقية إلى يومنا هذا

خطاب الرواية

النيكروفيليا

أبرز عوامل الصدمة الكامنة في الرواية هو في تناولها لموضوع فريد من نوعه؛ النيكروفيليا (مضاجعة الموتى). وهو مرض جنسي يقع الخلل فيه في هدف المريض الذي تذهب ميوله الجنسية إلى اشتهاء الموتى. وهو موضوع غير مطروق سابقًا من أي كاتب آخر في العالم العربي قبل شيرين هنائي، بل ويندر تواجد مثل بشاعة تلك الانحرافات الجنسية كموضوعات لأدب الرعب المتمكن. فلا يخطرني إلا نيكروفيليا شيرين هنائي وسادية الماركيز دي ساد.

إضافة إلى جرأة شيرين في طرح هذا الموضوع الشائك التي تجاوزت به القيود الثقافية والدينية -مع اختيار موفق لعنوان العمل الذي يعبر بوضوح عن محتواه- فهي أظهرت حرفية لا بأس بها في تناوله بعملها. وتتجلى براعة الكاتبة في مظهرين؛ الأول في تناولها لمرض جنسي وتوظيفه لإثارة عاطفة المتلقي دون أن تثير شهوته، ولكن ربما أثارت تقززه. والمظهر الثاني في العرض المخيف لمراحل ظهور المرض واكتشاف الضحية له وتطوره وصولًا للإدمان ثم تخطيًا لمرحلة الإدمان إلى ما هو أبعد، رغم أنه كان ركيكًا إلا أن تركيز الكاتبة على معاناة منسية كان موفقًا.

ركزت الكاتبة على آثار المرض في بطلة الرواية، ولم تعنى بمشاعر المصابة به، ولا بالمرض نفسه؛ بدايته أو نهايته. بدايته أي مسبباب المرض وكيفية الإصابة به حيث لم يتم توضيح هذه الجزئية، عدا بالاتكاء على مرض فقدان الشهية العصابي (الأنوراكسيا Anorexia). ونهايته بمعنى أي محاولات لعلاجه والذي لم يحدث مطلقًا في الرواية. كما أن عمر الفتاة تقريبًا لا يسمح بكل هذه التطورات -إلا ربما لو تعمقت الكاتبة أكثر في تصوير الحالة- التي جرت بسرعة للتحول الفظيع في نهاية الرواية المتمثل في ثنائية (العشق/ القتل) التي وقعت فيها منسية وكيفية الانتهاء بها إلى مقتل جاسر بدون التطرق إلى القدرات الجسمانية أو الحالة النفسية التي تمت بها عملية القتل.

لكنها مقبولة من الناحية الجسمانية ومتناقضة من الناحية النفسية. والتناقض المقصود نفسيًّا هنا ليس في أن منسية انتحرت بعد قتلها جاسر وهو الأمر المستغرب للبعض كون جاسر قد صار مادة مثالية لتمارس عليه منسية انحرافاتها الجنسية، فالموت بصورتيه (القتل والانتحار) حدث من الصراع بين العشق والشهوة، الحاجة إلى الحنان ارتبطت بالحاجة إلى الجنس في نفس منسية.

اللامنطقية تأتي في تكون هذه الحالة وعدم توضيحها بشكلٍ كافٍ، وتهميش جميع الشخصيات والمحيط وحتى الزمن (وهو أمر ليس سيئًا كليًا) للتركيز على منسية والوصول بها إلى المرحلة المرغوبة من الكاتبة، دون وضع مبررات كافية لوصول منسية لهذا القرار. وبعض القراء يسمي هذا رغبة أنثوية للرومانسية من الكاتبة، إلا أن الرومانسية جزء من القوطية، إنها الرومانسية السوداء. إضافة إلى أن الفعل الثاني (الانتحار) هو ما أضاف عنصر الصدمة حتى للذين توقعوا مقتل جاسر من البداية.

المجتمع

أسرفت الكاتبة في عرض الكثير من السلوكيات غير المنطقية من منسية والشخصيات المحيطة بها لسببين؛ الأول هو صنع حبكة ما لتكون قالبًا لفكرتها، والثاني لعرض الرسالة الكامنة وراء فكرتها، وهي أن تلف الأنظمة المجتمعية قد يؤدي إلى تشوهات نفسية بأطفالنا، وهو ما جعل الكاتبة تثبت على سن الـ 12 عامًا -بالكاد تخطت للـ 15- لمنسية حتى تظل طفلة بالنسبة للمتلقي كنوع من الاستفزاز العاطفي.

التجريبية

اتخذت الكاتبة من التجريبية -وأحيانا الفلسفية- غطاءً لستر جميع عيوب الرواية السردية واللغوية. إلا أن المدرسة التجريبية كانت لتكون في صف العمل في حالتين. الأولى أن تكون الكاتبة ذات تجربة أو خبرة في مختلف المدراس الأدبية والأنساق السردية قبل أن تخوض غمار التجريبية، لا أن يكون عملها الأول فتتخذ من التجريبية جدارًا ليصد عن الرواية أي انتقادات في محلها. الحالة الثانية لا يهم ترتيب الرواية كأول عمل لها، بشرط أن تفتح التجريبية آفاقًا جديدة للإبداع، وهو ما لم يحدث في رواية نيكروفيليا. وبالتالي فإن التجريبية بلا أي قيمة هنا.

الجنس

عنصر آخر هو الجنس. نعم، الرواية مليئة به، وإن كان بصورة غير إباحية، فقط مقززة للبعض، ومخيفة لآخرين. الشبق والعهر والبيدوفيليا Pedophilia والنيكروفيليا Necrophilia والمثلية، وكلها تم عرضها جيدًا في نماذج أتت غير عميقة كفاية، إلا أن ذلك يمكن التغاطي عنه عدا ربما في حالة فتنة.

وردًا على اعتراض البعض بأن مرض النيكروفيليا غير ممكن فسيولوجيا إصابة النساء به، قالت الكاتبة بأنها رجعت إلى مختص نفسي أكد لها إمكانية حدوث الأمر لولا أنه نادر جدًا فحسب، وليس مستحيلًا.

الإيقاع

العمل ينتمي إلى المدرسة القوطية التي تعد من أهم المدارس في تاريخ الرعب، وهي مدرسة يندر تواجدها في العالم العربي لتكون بداية قوية للكاتبة. والرعب القوطي هو رعب خوارقي يمزج بين السوداوية والرومانسية. والعناصر الخوارقية في الرعب القوطي لا تشترط دومًا أن تكون عناصر خارقة للطبيعة، بل قد تكون عناصر فوق العادة مثل الموت والموتى في رواية نيكروفيليا. إضافة إلى الأجواء السوداوية التي يخلقها هذا النوع من الأعمال الرعبية، استطاعت الكاتبة أن تلعب ببراعة بأعصاب القارئ وتغرقه في توتر وقلق مع إيقاع متسارع في صورة تصاعدية -خاصة مع عرض مراحل تطور المرض- وصولًا إلى النهاية المشؤومة.

من المفردات التي تصف واقع الرواية ذو الثقل الجاثم على الصدور هي السوداوية والألم والحزن والخوف والموت والنفور والبشاعة. ولكن لا يوجد في وصف الأجواء المرعبة للرواية أجمل من قول أحمد خالد توفيق فيها:

ما راق لي هو قدرة الكاتبة على خلق كل هذا السواد والجو الرجيم وهي شجاعة لا قبل لي بها وأخاف فعلاً أن أكتب ربع ما كتبت، وهناك شاعر عراقي لا أذكر اسمه كان يتغزل في حبيبته فراح يتخيل تعفن جثتها والأجزاء الجميلة التي سوف يأكلها الذئب منها…

رواية نيكروفيليا جاءت من نفس العالم تقريباً.

يجب إفراد قطعة قصيرة خاصة فقط بالحديث عن الصدمة التي تعددت مظاهرها في الرواية؛ مرض النيكروفيليا، شخصية منسية، الشخصيات الأخرى التي أتعستها، الوحدة الموحشة، الانحرافات النفسية، ومفردات عالم الفتاة البائسة المتمثلة في الظلام والصمت والخوف والعزلة. التوظيف المتمكن من الكاتبة لعناصر القلق والصدمة في الرواية يجعل المتلقي يصل لمرحلة من أبشع صور الرعب وأكثرها قساوة. قلة من الكتّاب الذين يستطيعون فعل ذلك على الصعيد العربي والعالمي. ومع ذلك هذه المرحلة لم تصل لآخرين بسبب ضعف السرد.

نيكروفيليا هي رواية تنتمي إلى أدب الرعب القوطي إلا أنها تقع كذلك ضمن تصنيف الرعب النفسي، وهو ما يدل على براعة الكاتبة، حيث قامت الكاتبة بتوظيف أدوات من المدرسة الفرويدية في علم النفس لتحليل نفسية الشخصية بطريقة كشفت عن بعض مكنوناتها المثيرة للقشعريرة. ومن ذلك توظيف الاختبارات الإسقاطية Projective test مثل تداعي الكلمات واختبار رورشاخ Rorschach. وانظر إلى الأمثلة التالية:

يسأل وتجيب منسية دون تفكير كما طلب منها، يعطيها نصف جملة وتكملها هي:

  • حين أذهب إلى الفراش: أشعر بالوحدة.
  • أنا ولدت في يوم: أسود.
  • عندما أخرج أول شيء أراه: أعين الناس.
  • حين أغمض عيني أرى: ظلام.
  • أكبر شيء في العالم: صدر خليلة.
  • الأشياء غير المهمة: منسية.
  • أنا أحب: جـ…

وفي مثال آخر، يردد كلمة واحدة وعلى منسية الإجابة بكلمة واحدة:

  • الحياة: قبر.
  • الأمل: الخوف.
  • الجنس: ………

تنظر له وتقطب، وتفرغ معدتها.

إضافة إلى تواجد قطع نصية لتداعي الأفكار تتخلل نص الرواية.

شخصيات الرواية: شخصيات لها من اسمها نصيب!

بخصوص الشخصيات يوجد ملاحظتان؛ الأولى هي أن الكاتبة لم تتعمق في الشخصيات بشكل كافٍ يبرر أفعالها. عدا بالكاد جاسر الشخصية الوحيدة العقلانية ذات الأفعال المنطقية.

والثانية أن الكاتبة أبدعت في اختيار أسماء الشخصيات ليحمل كل اسم دلالة تعبر عن صاحبه؛ منسية وفتنة وجاسر وسيد وخليلة. وأحاطت صاحب الاسم بهالة نفسية مريضة تختلف عن الشخصيات الأخرى، النيكروفيليا لمنسية والبيدوفيليا لفتنة والشبق لسيد والاستغلال (لو حسبناه مرضًا) لجاسر والعهر لخليلة. ويكاد يتلائم الاسم والمرض مع طباع كل شخصية، فكانت الأسماء والأمراض توصيفًا بليغًا لدواخل الشخصيات. كما أن دلالات الأسماء كانت ذات مدلولات مزدوجة، فتارة تصف الشخصية بمعنى الاسم، وتارة ينطبق عليه عكس المعنى، مثل منسية التي لا تنسى.

وأسلوب ربط أسماء الشخصيات بمدلولات مستخدم سابقًا من قبل العظيم نجيب محفوظ.

منسية

اسم على مسمى، برعت الكاتبة في اختيار اسم البطلة كما برعت في اختيار اسم الرواية، ليكون اسم منسية واسم الرواية تعبيرًا دقيقًا عن حالتها النفسية.

منسية هي فتاة صغيرة منسية خطف الموت أمها فنستها وخطفت الشهوات أباها فنساها هو الآخر، وخطف المرض منسية فنساها المجتمع. فتاة صغيرة تبلغ من العمر 12 عامًا فقط تلقي الكاتبة الضوء على تعاستها وتتعس القراء معها.

منسية هي فتاة جميلة غير قبيحة، ولكن يكمن قبحها الظاهر للعيون في النفوس، أي في نفور الناس من مظهرها المقيت والمخيف؛ نحفت -بسبب مرض فقدان الشهية– حتى صارت جلدًا على عظم ولا يتجلى أي مظهر من مظاهر الجمال فيها إلا خضرة عينيها.

يعيب الشخصية أن الكاتبة تتعامل معها على أنها مراهقة في 16 وليست طفلة في 12 من عمرها حتى وإن كانت على أعتاب المراهقة، ويطفح هذا العيب في تطورات المرض المبالَغ فيها بالنسبة لهذا العمر، وفي عرض الكاتبة لأفكار الفتاة غير المتعلمة حيث يصعب أن تفكر بكل رجاحة العقل هذه، حتى بعد أن بلغت الـ 15 عامًا.

جاسر

المفترض أنه الشخصية الرئيسية في دور شرير الرواية إلا أن دوره أتى هامشيًا بلا حضور قوي، وليس إلا متممًا لمأساة بطلة الرواية.

سيد

الطريف أن فعلة الخير الوحيدة التي صنعها سيد من أجل ابنته هي التي أودت بهلاكها.

فتنة

تجاذب بين المنفر والمنفر، القبيح يجذب القبيح، شخصية مبهمة أخرى أتت من عالم الالتواءات الجنسية للرواية.

خليلة

زوجة أبو منسية التي لا يذكر عنها سوى قسوتها التي نغصت حياة منسية كأنها زوجة أبو السندريلا -المفارقة أن الأب حي هنا- ولكن بلا جنيات تنقذ تلك المنسية، وصدرها الذي أعمى عيون أبيها عن رعاية ابنته.

الأسلوب

السرد

اعتمدت الكاتبة على المشهدية السينمائية في تصوير الحدث والانتقال بين الأحداث. واتخذت الكاتبة هذا الإجراء لتسهيل مشاكل السرد عليها مما أتى بالعمل ضعيفًا في النسق السردي، إلّا أنها أجادت توظيف التصوير لخدمة الأجواء السوداوية في العمل. كما أن بساطة السرد كانت ميزة أخرى في حالة نيكروفيليا، لقد اقتربت الرواية من العوام، وبعض من لا يقرأون أصلًا. يُحمل على الرواية أنها كانت لتكون أفضل لو تعمقت الكاتبة في معالجة أكبر بالنسبة لراوية، أو أوجزت القصة في قصة قصيرة. لتجنب الخلل الحادث خاصة مع التسارع المربك في الأحداث.

اللغة

الخطأ الأكثر وضوحًا هو أسلوب التنقيط بثلاث نقاط بين العبارات، والذي ألقى بنظام الإملاء العربي في أقرب سلة مهملات، وبوضوح يظهر أن الرواية لم تلقَ تدقيقًا لغويًّا لا من الكاتبة ولا من المحرر.

التشخيص

عانت الكاتبة بوضوح في بناء الشخصيات -ربما عدا منسية- وفي عرضها بالسرد أو الحوارات، وأكثر مشكلة هي التعبير عن أفكار الطفلة الصغيرة بأسلوب الكاتبة الناضجة، خاصة في أبيات شعرية ضعيفة يصعب نسبها إلى منسية.

أشهر 10 عُظماء ” مجانين ” في التاريخ !

هوامش

حوار أجرته شيرين هنائي مع دوت مصر.

0

شاركنا رأيك حول "رواية نيكروفيليا لشيرين هنائي: عن اجتماع مفجع للجنس مع الموت!"