0

سنتحدّث اليوم عن واحد من أهم رجال القرن العشرين؛ رجل صنع نفسه وأعاد تشكيلها مِرارًا.. حمل ثلاثة أسماء، لكلٍ منها قصة وكلُ واحدٍ منها مرتبط بفصل من حياته؛ سنتعرّف معًا على هذا الرجل في هذا المقال عَبر أسمائه.

مالكوم ليتل

مالكوم إكس
صورة لمالكوم ليتل عند دخوله السجن

النشأة

وُلد “مالكوم ليتل- Malcolm Little” يوم 19 مايو 1925 في أوماها (ولاية نبراسكا) للسيد “إيرل ليتل- Earl Little”، قِس معمداني أسود البشرة، وزوجته “لويز ليتل-Louise Little” السمراء.

كان والدا مالكوم مناضلين من أجل حقّ الأمريكيين ذوي البشرة الداكنة في الهجرة إلى إفريقيا للعيش بكرامة على أرض أجدادهم بدل تجرّع الذل والهوان على يد الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء.

اِنخراط والده في صفوف المناضلين لم يكن فقط بسبب الألم الجماعي الذي كان يعيشه السود في أمريكا، بل بسبب مأساته الشخصية أيضاً، فقد فَقَد إيرل ليتل أربعة إخوة بسبب بطش ذوي البشرة البيضاء، وتعرّض هو وأسرته إلى مضايقات كثيرة من طرف جماعات تابعة لمنظّمة “كو كلوكس كلان- Ku Klux Klan” العنصرية والمؤمنة بالتفوق الأبيض.

تفاقمت المضايقات تدريجيًا، فتعرّض منزل ليتل إلى الهجوم والحرق، ثم قُتِل إيرل في جريمة بشعة فُبرِكت لتبدو كحادث سير.

بعد وفاة زوجها، لم يكن سهلًا على لويز ليتل تربية سبعة أبناء بمفردها والتكفّل بهم ماديًا كما يجب، خصوصًا في محيط يمقُت ذوي البشرة السوداء ويمارس عليهم ضغوطات متزايدة. سنة 1939، تعرّضت إلى انهيار عصبي قادها إلى مستشفى كالامازو للأمراض العقلية، ممّا أدّى إلى إرسال أطفالها إلى أُسَر حاضنة.

كانت سِنّ مالكوم سِتّ سنوات فقط عندما قُتِل والده، وثلاث عشرة سنة حين نُقِل إلى بيت جديد بعيدًا عن أمه وإخوته.

اقرأ أيضًا: كامالا هاريس سياسية بدرجة كاتبة: فمن هي هذه السيدة وما هي مؤلفاتها؟

المراهقة

التحق مالكوم بالمدرسة الإعدادية ثم بالمدرسة الثانوية، ولكنه لم يتخرّج رغم تفوّقه الدراسي وعلاماته المرتفعة، فقد ترك مقاعد الدراسة بعد أن أخبره مُدرّسٌ أبيض بأن مهنة المحاماة التي يطمح إليها ليست غايةً منطقيةً لشخص يملك بشرة سوداء مثله، وأنه من الأكثر حِكمة اختيار حرفة يدوية كمهنة.

انتقل مالكوم للعيش مع أخته غير الشقيقة “إيلا-Ella” في بوسطن عندما بلغ أربع عشرة سنة، ثم انتقل سنة 1943 إلى حي “هارلم- Harlem” في مدينة نيويورك، حيث اشتغل في تجارة المخدّرات، القمار، السرقة وغيرها من طرق الكسب غير المشروع.

سنة 1945، عاد مالكوم ليتل إلى بوسطن وواصل القيام بعمليات السرقة مع عدد من الشركاء المتواطئين معه في الجريمة. وسنة 1946، ألقي عليهم القبض، وحُكم على مالكوم بالسجن لمدة تترواح بين ثمان وعشر سنوات.

مالكوم إكس

مالكوم إكس
مالكوم إكس

نقطة التحول الأولى في حياة مالكوم ليتل كانت في السجن؛ هنالك انسلخ من ذاته المُشوَّهة ووُلد رجلٌ جديدٌ مكانه اسمه “مالكوم إكس- Malcolm X”، رجل مختلف بقناعات راسخة، مبادئ نبيلة وروح مستنيرة.

كيف حدث ذلك؟

التقى مالكوم في السجن برجل شجّعه على قراءة الكتب وإعمال عقله عند النظر للأمور.. كما أنه تلقّى عدّة رسائل من أخيه “رجينالد- Reginald” حدّثه فيها عن منظّمة “أمّة الإسلام- The Nation of Islam” التي اتّخذت من الدين الإسلامي نواةً لها، فدعت إلى الاستقامة وترك الفواحش، لكنّ أيديولوجيتها كانت تتمحور حول قضايا سود البشرة وإدانة الرجل الأبيض بِدعوى أنّه شيطان.

اقتنع مالكوم برسالة أمّة الإسلام، فتشبّع بقناعاتها واعتنق الدين الإسلامي الذي تدعو إليه، وأرسل سنة 1948 رسالة لقائدها “إليجا محمد- Elijah Muhammad” يُخبِره فيها بما كان من أمره.

ماذا عن الاسم؟

كان إليجا محمّد يدعو أتباعه إلى التخلي عن ألقابهم البيضاء التي تعود إلى أسياد أجدادهم المُستعبدين، واستبدالها بحرف “X” الذي يدلّ على المجهول ليعبّر عن أسماء قبائلهم الإفريقية المطموسة في غياهب النسيان.. وهكذا تخلّى مالكوم عن لقب “ليتل” الذي يرجع بالأحرى لرجل أبيض استعبد أحد أجداده، واستعمل “إكس” مكانه ليصبح “مالكوم إكس”، وهو الاسم الذي اشتهر به.

بداية جديدة

بعد خروجه من السجن سنة 1952، اتجه مالكوم إكس مباشرة إلى شيكاغو ليلتقي أخيرًا بإليجا محمد وينضم إلى منظمة أمة الإسلام.

سُرعان ما تميّز مالكوم عن زملائه فقد كان ذا حضور قوي، كاريزما عالية، خطابات مؤثّرة وذكاء ثاقب. كان له دور كبير في تأسيس عدّة “معابد- Temples” لاتباع أمة الإسلام في مناطق مختلفة، منها: نيويورك، فلادلفيا وبوسطن. كما أسس جريدة “Muhammad Speaks” وقام بطباعة نُسخها في قبو منزله.

مُساهماته الكثيرة في انتشار أفكار أمة الإسلام وهياكلها جعلته يترقّى سريعًا إلى إمام للمعبد رقم 7 في هارلم، ليصير بعدها الممثل الوطني لأمة الإسلام؛ أي الرجل الثاني في المنظمة بعد إليجا محمد.

تحدّث مالكوم إكس باسم أمة الإسلام في الشوارع والجامعات والمحافل. في خُطَبه، دعا السُودَ إلى رد الاعتبار لأنفسهم من خلال تقبّل اختلافهم وهويتهم أوّلًا، وانتهاج النزاهة ثانيًا، والتجرّؤ على الدفاع عن أنفسهم ضد العنف المُمارس عليهم من طرف البِيض؛ وهنا كان الاختلاف بينه وبين مارتن لوثر كينغ جونيور الذي اختار المناداة بحقوق أبناء جلدته بالطرق السلمية فقط.

وُصِفت خطابات مالكوم إكس وتصريحاته من طرف الكثير من الناس بالتحريض على الكراهية والعنصرية لأنها كانت تدّعي فَوقية الرجل الأسود وأنه أصل البشر، وتنعت الرجل الأبيض بالشيطان بصفة مطلقة ودون استثناء.. كان هذا الكلام مُستوحى طبعًا من تعاليم إليجا محمد وأيديولوجية أمة الإسلام التي ألحّت على ضرورة الفصل بين العِرقين سواء بضمان عودة السود إلى إفريقيا أو بتشكيل دولة مستقلة لهم على أرض أمريكا.

اقرأ أيضًا:  أبرز الأحداث التي هزت العالم في عام 2020: حرائق وكوارث ووباء عالمي وانفجارات وماذا بعد؟؟

الحاج مالِك الشباز

مالكوم إكس مع مارتن لوثر كينغ جونيور
مالكوم إكس مع مارتن لوثر كينغ جونيور

الولادة الثالثة لمالكوم كانت مؤلمة.

نهاية جديدة

تداولت الصُحف أخبارًا مفادها أنّ إليجا محمد كان على علاقة بست سكرتيرات أنجبن منه أطفالا، وقامت اثنتان منهنّ برفع دعاوى قضائية عليه.

نزل الخبر كالصاعقة على مالكوم إكس الذي كان يعتبر إليجا محمد قدوته ومثله الأعلى في الاستقامة والأخلاق، فانكسر شيء ما بينهما لم يُرَمّم بعد ذلك أبدًا.

بالإضافة إلى ذلك، لم ترضَ قيادة أمة الإسلام عن تعليق مالكوم إكس بخصوص مقتل جون كينيدي، إذ قال “عادت الدجاجات إلى البيت للمبيت” في تلميح منه على أن العنف الذي تمارسه أمريكا انقلب عليها.

انزعاج أمة الإسلام من هذا التعليق كان بسبب شعبية كينيدي الكبيرة التي لا تسمح لأحد بالتعاطي مع موته بهذه الطريقة، لهذا قرّر إليجا محمد توقيفه عن الإدلاء بأية تصريحات باسم المنظمة لمدة 90 يومًا، وكهذا انتهت قصة مالكوم إكس مع أمة الإسلام بمرارة.

اقرأ أيضًا: الصور المؤثرة والمعبرة من 2020: عامٌ لا يُنسى بصور تُخلد الفقد والوحدة والكوارث…. والأمل💖💔

الحج

مالكوم إكس
لقاء الحاج مالك الشباز بالملك فيصل

في الثامن من شهر مارس 1964، أعلن مالكوم إكس انفصاله عن أمة الإسلام.

أسّس بعدها “منظّمة المسجد الإسلامي- Muslim Mosque, Inc” و”منظّمة اتحاد الأفارقة الأمريكان- Organization of Afro-American Unity”، وأبدى استعداده للتعاون مع قادة حركة الحقوق المدنية لأجل تحقيق مصلحة السود في أمريكا.

في نفس السنة، قرّر مالكوم أداء مناسك الحج؛ وهنالك وجد نفسه يطوف حول الكعبة مع مسلمين من كلّ الأعراق وبكافة تدرّجات البشرة من الأفتح إلى الأغمق، لا فرق بينهم إلا بالتقوى.

لم يحتج مالكوم إلى أكثر من ذلك ليعرف أنّ أمة الإسلام أخطأت في افتراض فوقية الرجل الأسود وانتهاج مسلك عُنصري معاكس لعنصرية البِيض، فترك ما كانت تدعو إليه واعتنق الإسلام السماوي القائم على المساواة والتآخي بين الجميع، وتبنّى اِسم “الحاج مالِك الشباز- el-Hajj Malik el-Shabazz”.. تحدّث عن ذلك فيما بعد قائلًا:

لقد وسّع الحج نطاق تفكيري وفتح بصيرتي فرأيت في أسبوعين ما لم أره في تسعٍ وثلاثين سنة.

التقى الحاج مالك في السعودية مع الملك فيصل، ثم اتجه إلى إفريقيا حيث خاض العديد من الحوارات ودُعيِ للحديث في التلفاز والراديو والجامعات، وزار في رحلته عدة دول، منها: مصر، إثيوبيا، السودان، الجزائر والمغرب.. استقبله زعماء هذه الدول بحفاوة ورحّبوا بمشاركته في إحدى جلسات منظمة الوحدة الإفريقية في القاهرة.

الاغتيال

عاد الحاج مالك الشباز إلى أمريكا بحماسه المعهود، ولكن هذه المرة بأفكار وقناعات جديدة، فأعلن إنكاره لأيديولوجية أمة الإسلام ودعا أتباعها إلى انتهاج منهج الدين الصحيح كما جاء، بدل اتّباع الفكر العنصري المتطرّف الذي وضعه إليجا محمد.

لم تكن العلاقة بينه وبين أمة الإسلام على ما يُرام، وتصريحاتُه الجديدة زادت الوضع سوءًا وخلقت في نفوس أتباع المنظمة عداوةً شديدة تُجاهه، وقد تجسّد هذا العداء في تهديدات متكرّرة له بالقتل وعدة هجومات على بيته.

لكن الحاج مالك لم يخضع أو ينثَنِ وواصل مسيرته مُعلنًا قناعاته بصوت عالٍ ونبرة واثقة، ويمكن القول إنه سار نحو حتفه منتصب القامة مرفوع الجبين، وصافح الموت دون أن يرتجف، إذ قال:

أنا الآن أعيش زمن الاستشهاد، فإذا حدث ومت فإنني سأموت شهيد الأخوة، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد. لقد وصلت إلى هذه القناعة بعد تجربة شاقة ولكنني وصلت إليها.

اغتيل الحاج مالك الشباز يوم 21 فبراير 1965 أثناء إلقائه خطابًا على أعضاء منظمة اتحاد الأفارقة الأمريكان، وعُثِر على جراحٍ في صدره، كتفه الأيسر، ذراعيه وساقيه خلّفها 21 طلقًا ناريًا.

رحل الحاج مالك الشباز، المشهور باسم مالكوم إكس، والمولود باسم مالكوم ليتل؛ لكنه لم يمضِ قبل أن يختار اسمه ويصنع قدره ويساهم في نضال أبناء جلدته ويترك أثرًا خالدًا في تاريخ هذا العالم، يذكره كافة الناس ويمجّدونه باختلاف أعراقهم وأديانهم بمرور الزمن.

في النهاية، نختم هذا المقال بمقولةٍ للمفكّر الراحل عبد الوهاب المسيري:

إن سيرة مالكوم إكس الذاتية ترتيلة تمجد روح الإنسان التي يمكنها البقاء والاستمرار في مواجهة أكثر الظروف إفسادًا وتدميرًا.

اقرأ أيضًا: في أحضان ديمقراطيات الغرب: عن تصاعد موجة الإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية

0

شاركنا رأيك حول "مالكوم إكس أيقونة النضال لأجل حقوق السود في أمريكا، ماذا تعرف عنه؟"