رسائل غرامية
0

مع شديد الأسف بدأ أدب الرسائل في الاندثار بسبب تقدم وسائل التواصل الاجتماعي على حساب الرسائل، ويعتبر هذا النوع من أكثر أنواع الأدب رقة واقعية، ويعرّف على أنه:

“أحد أنواع الأدب ازدهر في القرن العشرين وهو نص نثري يرسَل من طرف لآخر ويعتبر قطعة أدبية لما يحتويه من بلاغة، سهولة، تدفق في المشاعر”.

واليوم، سنقوم بعمل “كولاج” من رسائل غرامية رقيقة ومليئة بالمشاعر، إن كنت تمتلك أي قدر من المشاعر سواء الجياشة أو السطحية احذر من هذه الرسائل فقد تصيبك بالحنين الشديد لأشخاص تحاول جاهدًا نسيانهم.

كنفاني: ضحية المسافات ومعذب السمان

“متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني انتظرت، وأنتظر، وأظل أقول لك: خذيني تحت عينيك”- من رسائل غسان كنفاني لغادة السمان

اختتم كنفاني بهذه الجملة رسالة طويلة بتاريخ 20 يناير 1967 يشرح بها لحبيبته البعيدة غادة السمان كيف ذوبه الانتظار سبعة عشر يومًا بـ أكلمها، يدخل مكتبه في كل صباح يهرع إلى كومة الرسائل على مكتبه لعله يجد منها خطابًا، وفي اليوم الذي يفقد به الأمل ولا يتفقد رسائله يجد منها رسالة فتدمع عيناه! الجدير بالذكر أن علاقة كنفاني والسمان لم تكتمل، وتعد من أكثر علاقات الحب في الأدب العربي حزنًا بسبب اغتيال غسان في عام 1972 قبل رجوع غادة إليه، حيث ذهبت لإكمال دراستها في الخارج تاركة غسان حزينًا، وحيدًا وهائمًا في حبها.

رسائل غرامية

“لقد آلمتني رسالتك. ضننتِ عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعتِ أن تظلي أسبوعًا أو أكثر دون أن أخطر على بالك. يا للخيبة!”- الرسالة السابقة

بجانب المسافات التي فرقت بينهما، عانى غسان من جفاء مستمر من غادة بسبب خوفها المستمر من الدخول في علاقة قد تؤدي إلى فقدان هويتها الشخصية في حبه، ومع كل ذلك، مع كل التجاهل، القرب من الآخرين في نفس الوقت الذي تبتعد عنه، تعمد إهانته أمام الجميع وتوجيه الكلمات القاسية له، ظل غسان يحاول ويحاول كسر كل تلك الجدارن من خلال أضعف الأسلحة وهي كلماته في رسائله.

“إنني أريدك وأحبك وأشتهيك وأحترمك وأقدس حرفك.. ولست أقبل تلوين ذلك بأي طلاء أو وضعه في صيغ التحفظ. لا. لست عاجزًا عن إعطاء أكثر مما أعطيت ولكنك دائمًا- أنتِ- التي كنت عاجزة عن الأخذ. كنت تحسبين نبضي ونبضك على جدول اللوغاريتمات، كنت تختارين مني أسوأ ما في وتمزجينه مع ما اخترت أنت من أسوأ تجاربك”- من رسائل غسان كنفاني لغادة السمان بتاريخ أبريل 1967؟

اقرأ أيضًا: لماذا لا نمجّد الحب؟ عن لعبة الأوتوستوب من غراميات مرحة للكاتب ميلان كونديرا

رسائل غرامية من سارة برنهارد تفتقد فيها حبيبها فكتورين ساردو بطريقتها

“إن الصور التي كانت منطبعة في ذاكرتي قبل أن أعرفك قد انمحت كلها وحلت مكانها الساعات البهيجة التي قضيناها معاً”- جزء من رسالة برنهارد إلى ساردو بدون تاريخ.

سارة هو الاسم المسرحي للنجمة الأشهر في فرنسا في أوائل القرن العشرين “روزين برنارد”، وإرث سارة من الخطابات كثير نظرًا لتشعب علاقاتها وشعبيتها. مع ذلك خطابها لحبيبها فكتورين مختلف حيث تعبر به بحرارة عن افتقادها له في باريس، الجدير بالذكر أن سارة معروف عنها حبها للمطاردة والاصطياد، بخاصة الرجال، لذلك في المرة الأولى التي وقعت عينيها فيها على ساردو قررت أن تغزو قلبه وتخضعه لها وهو ما حدث بالفعل.

رسائل غرامية

“ولا تقل حاجتي إليها عن حاجتي إلى الطعام، وأنا ظمأى لها أشد الظمأ، فألفاظك غذائي وأنفاسك خمري وأنت كل شيء لي”- نفس الرسالة السابقة.

معبرة سارة عن شدة اشتياقها لحبيبها تبدأ بوصف ألفاظه بـ “القاسية”، ولكنها مع ذلك تفتقدها بشدة كما تفتقد وجوده تمامًا، فبدون وجوده باريس بالنسبة لها “معرضًا للموتى”. الجدير بالذكر أن ساردو كان الكاتب المسرحي الذي تعتمد عليه سارة في أعمالها، وكان هو- وكلماته- عاملًا أساسيًّا في نجاحها وارتفاع نجمها سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا الجنوبية.

كافكا: الرخو المريض الذي أحب ما لم يكن له

“لقد عاش كافكا سجينًا لجذوره اليهودية، مرتبطًا بالخطيئة والفشل والألم والموت، حالمًا معذبًا في هبوطه إلى القوى المظلمة، كان كاتبًا يحترف تعذيب نفسه قربانًا للإبداع”- الدسوقي فهمي: جزء من مقدمته لكتاب رسائل إلى ميلينا.

لا يخفى على أي مطلع على أدب كافكا الحزن العميق والتشتت البؤس الذي يملئ حياته وبالتالي ينعكس على أعماله الأدبية. وحتى لو لم تكن مطلعًا على أدبه، يمكنك قراءة رسائله لحبيبته ميلينا التي حاول بها وصف أدق تفاصيل يومه، الحديث عن أفكاره الغريبة والحزينة التي لم يكن يبوح بها لأحد غيرها. فقد كانت ميلينا رفيقة كافكا الوحيدة داخل شرنقته.

اقرأ أيضًا: فرانز كافكا سوداوي كئيب ساهم أدبه في إعلاء شأن الفنون جمعاء!

رسائل غرامية

“تتوهمين! فلن تستطيعي البقاءَ إلى جانبي مدّة يومين.. أنا رخوٌ، أزحفُ على الأرض. أنا صامتٌ طول الوقت، انطوائيٌّ، كئيبٌ، متذمرٌ، أنانيٌّ وسوداويّ. هل ستتحملين حياة الرهبنة، كما أحياها؟!” من رسائل فرانز كافكا لميلينا يسينيسكايا

من الجدير بالذكر أنه في نفس التوقيت الذي كانا يتبادلان فيه رسائل غرامية كان كلا منهما مرتبط بآخر. فكانت ميلينا زوجة على وشك انهيار زواجها كما كان كافكا- الذي يعاني من فوبيا الزواج- خطيب فتاة يهودية تدعى “فليسيه باور” التي وصفها كافكا على أنها فتاة صلبة تحملت رفضه المستمر لها. لذلك لم يكن “الحب” هو ما يريده كافكا من ميلينا، فقد كان سعيدًا من فكرة عذابه في حبها المستمر ليس إلا.

رالي يعاني من مر الخيانة والفقد

“لست أريد يا عزيزتي أن أحملك أحزاني بإرادتي، فلتذهب هذه الأحزان معي إلى قبري، ولتدفن في الثرى معي”- السير رالي لزوجته- 1603م

السير والتر رالي يعد واحدًا من أهم رجال البلاط الملكي في إنجلترا، وكان مقربًا للغاية من الملكة. وبسبب الحاقدين والأعداء تم الإيقاع بين الملكة والسير رالي فحكم عليه بالسجن أولًا وبعدها الإعدام، وفي عشية اليوم الذي كان محددًا لإعدامه كتب لزوجته رسالة جزء منها يعبر عن حبه وامتنانه لها، وجزء آخر يمكن اعتباره وصيته الشرعية.

السير والتر رالي

“ربي هب لي منك رحمة، وعلمني أن أعفو عمن أساءوا إليّ واتهموني بالباطل، واجمعني اللهم بهم في جنتك”- السير رالي لزوجته- 1603م

بالإضافة للحب والنصائح والوصايا التي غمر بها السير رالي زوجته في رسالته الأخيرة لها، هناك مظاهر حسرة وحزن وإحساس بالظلم واضح في كلامه، فيعبر عن ذلك في جملة معناها أنه لا يعرف أي من الأصدقاء عليه أن يوجه زوجته له بعد تنفيذ حكم الإعدام، لأن الجميع خان وتخلى عنه ولم يدافع عنه حينما كانت تحاك المؤامرات ضده. الجدير بالذكر أن رالي لم ينفذ به حكم الإعدام في اليوم التالي فعلًا، ولكن تم سجنه حتى عام 1618 هو وزوجته حتى تنفيذ حكم الإعدام.

رسائل غرامية قاسية: كنفاني مرة أخرى..

“ما الذي أريده.. ما الذي أريده من كل شيء يا فائزة؟ ما الذي يريده هذا الطفل المدلل الضائع الغبي الذي تحول إلى كرة متشابكة من الأعصاب والجروح”- غسان كنفاني– 28 ديسمبر 1966.

في رأيي أفضل رسائل غرامية  غسان لغادة على الإطلاق هي رسالته الأخيرة من الرسائل المنشورة التي استطاعت غادة إنقاذها من الحريق الذي نشب في منزلها، تلك الرسالة لم تكن هي المخاطَب فيها من الأساس، حيث فوجئت غادة في صباح 28 ديسمبر عام 1966 بغسان واقفًا أمام بابها منهكًا وغاضبًا للغاية بسبب تجاهلها له في الليلة السابقة، سلمها رسالة قائلًا: “إنها لك، كتبتها لك، ولكنني خاطبت أختي فايزة فيها لغضبي منك”. تلك الرسالة هي أطول رسائل غسان لغادة وتمتد تقريبًا على أحد عشر صفحة، وعن الاقتباس السابق فهو آخر كلمات كنفاني في الرسالة، وآخر كلماته في رسائله لغادة بشكل عام.

“أحيانًا أنظر إلى عينيها وأقول لنفسي: ينبغي أن تكره هذه المرأة التي يروق لها إذلالك على هذه الصورة. ولكنني لا أستطيع..”- الرسالة السابقة

غادة السمان وغسان كنفاني

يظهر في هذه الرسالة من غسان ما لم يظهر من قبل في أي من رسائله، حيث استفاض للغاية في شرح حياته الشخصية قبل الوقوع في غادة بهذا الشكل، كيف تبدلت شخصيته وأصبح “أنعم” وأضعف بسببها، كيف تعامله غادة وكمّ الإهانة التي يتلقاها منها في كل مناسبة، وكم يتمنى التخلص من هذا القيد الذي يدمي كرامته. ومع ذلك فهو لم يكن يطلب النصيحة، فعلى حسب كلامه هو يعرف بالضبط ما ستؤول إليه الأمور في وقت ما.

“ولكنني ذات يوم سأكون قادرًا على أن أقول لنفسي وأنا أودعها أمام بيتها دون أن تتيح لي لحظة الاقتراب منها: “لقد ماتت!” وعندها سأبكي، وقد أرتكب حماقة، وقد أنكسر لشهر أو شهرين، وسيظل قلبي يقرع كلما أقرأ عنها أو أراها أو أسمع أخبارها مثلما يقرع قلب المرء حي يصادف شبح”- الرسالة السابقة.

ولكن قوات الاحتلال التي اغتالت كنفاني في صباح 8 يوليو 1972 كان لها رأي آخر، لتضع لقصة حبهما نهاية محتومة. بعدها عزمت غادة على نشر رسائلهما، وحاولت جمع رسائلها له ولكن بلا فائدة، فقررت نشر رسائله لها تخليدًا لذكراه كما ذكرت مرارًا في مقدمة الكتاب “نعم.. كان هناك رجل اسمه غسان كنفاني“.

اقرأ أيضًا: روايات الرسائل واليوميات والمذكرات لها نكهة خاصة: من أشهرها رواية بوليانا

0

شاركنا رأيك حول "من كافكا وحتى كنفاني: رسائل غرامية عرفها عالم الأدب تجنبها إن كنت تعاني من الرومانسية المفرطة وترغب بالنسيان"