لا يقتصر مفهوم الإدمان على المواد التي تدخل الجسد، بل يخرج من إطارها ليصل إلى السلوكيات التي يمكن أن تؤدي إلى مشاكل أو حالات انفصال عن الواقع؛ حيث يتضمن الإدمان على المواد والممارسات ـ ومن ضمنه الادمان على الانترنت ـ تلاعبًا مباشرًا بكيمياء الجسد بواسطة منتجاتٍ قانونيةٍ أو غير قانونيةٍ مثل حالات الاضطرابات المتعلقة بالغذاء واستخدام الأدوية، أما بالنسبة للإدمان السلوكي فهو عبارةٌ عن سلسلةٍ من التصرفات المرضية التي تعرض الفرد لحالات تقلبٍ مزاجيةٍ يحقق عبرها المتعة المرجوة – التي يحققها النوع الأول بالمواد المستقلبة في الجسم.

اقتضى تزايد شعبية استخدام الإنترنت إجراء دراساتٍ سريريةٍ لحالات سوء استخدامه، والتي بدورها شقت طريقها إلى دليل التشخيص والإحصائيات الخامس للأمراض النفسية والعقلية DSM-IV بالرغم من عدم إيجاد نقطة التحول من الاستخدام الاعتيادي للإنترنت إلى مرحلة الاعتماد.

أنواع الادمان على الانترنت

تم تصنيف خمسة أفرع ثانوية لإدمان الإنترنت نظرًا لأنّ الأفراد يعلّقون بتطبيق معين من تطبيقاته:

  1. الإدمان على العلاقات الالكترونية: حيث يميل الأفراد إلى إنشاء علاقاتٍ على الإنترنت عوضًا عن فعل ذلك في الحياة الواقعية.
  2. الإدمان على العلاقات الجنسية الالكترونية: يتعلق الأفراد بمشاهدة، تحميل، وتبادل الصور والأفلام الإباحية.
  3. الإدمان على نشاطات الويب: مثل المقامرة، التسوق، والتجارة الإلكترونية.
  4. الإدمان على البحث: تصفح الويب المفرط والتحقق من كمياتٍ هائلةٍ من قواعد البيانات للحصول على معلوماتٍ ليست بالضرورة ذات أهميةٍ بالنسبة للفرد.
  5. الإدمان على الحاسب: يدخل ضمن هذه الفئة الإدمان على الألعاب سواء كانت تحتاج إلى اتصالٍ مباشرٍ بالإنترنت أو محملة مسبقًا.1

أعراض إدمان الإنترنت

على الرغم من عدم الإحاطة بكامل اسباب الادمان على الانترنت والاضطرابات المترافقة والمشابهة، فقد تم وضع بعض المؤشرات الدالة على وجودها عن طريق الدراسات السريرية والإحصائية:

  1. استخدام الانترنت بشكل مفرط Excessive Internet Use: ما يجعل هذا العرض مثيرٌ للجدل رغم وضوحه هو عدم القدرة على تحديد كمية الوقت الواجب مروره على استخدام الانترنت لنتمكن من وضعه تحت خانة “مفرط”، بالإضافة لاعتماد الكثير من الأفراد على الانترنت من أجل الدراسة أو العمل مما يصعب تحديد حد الإدمان.
  2. الانشغال الدائم بوجود اتصال بالشبكة Preoccupation: يجب هنا التفريق بين الانشغال باستخدام الانترنت والحماس عند استخدامه، فالانشغال يتضمن التفكير الدائم حتى عندما يكون الفرد غير متصلٍ بالشبكة.
  3. أعراض الانسحاب Withdrawal: خرجت هذه الأعراض من إطار الإدمان على المواد ليتم ملاحظتها في الإدمان السلوكي مثل الادمان على الانترنت كالغضب، التوتر، تقلبات المزاج، الانزعاج وغياب المتعة، بالإضافة إلى الاكتئاب، كل ذلك في حال عدم توفر الاتصال بالشبكة.2
  4. عتبة التحمل Tolerance:إحدى الأعراض الأخرى المميزة للإدمان على المواد والتي لوحظت في الإدمان السلوكي بالرغبة – ومن وجهة نظر المدمن، الحاجة – للمزيد من التحفيز المتعلق بالحاسب والإنترنت.
  5. العواقب السلبية Negative Repercussions: لا مشكلة في الاستخدام المفرط للإنترنت في حال عدم تسببه بأذيةٍ وهذا ما يميز الإدمان الذي يمنع الفرد من جعل نفسه كائن وظيفي في الحياة الواقعية بسبب نقص الطاقة، العزلة، عدم الإحساس بمرور الوقت؛ بالمجمل التأخر الاجتماعي الدراسي المهني العاطفي وأكثرها أهمية النفسي العقلي بصفته إدمان.
  6. فقدان السيطرة Impaired Control: يتجسد ذلك بعدم القدرة على الإقلاع عن استخدام الإنترنت أو خفض ساعات العمل عليه حتى عند رغبة الفرد بذلك، ويكون بذلك الفرد عرضة للانتكاس حتى في حال نجاحه.3

سبب تصنيف الادمان على الانترنت ضمن DSM-IV كمرض مستقل

في الحقيقة، تم خلق مصطلح “إدمان الانترنت” من قبل الطبيب النفسي “إيفان غولدبيرغ Ivan Goldberg” عام 1995 كمزحةٍ بسبب صرامة دليل التشخيص والإحصائيات النفسي DSM، ولكن العديد من القراء أبدوا تأييدًا لوجود هذا الاضطراب مما دفع علماء النفس لإجراء أبحاثٍ سريريةٍ؛ ابتداءً من “كيمبيرلي يونغ Kimberly Young” عام 1996 التي قامت بنشر أول تقرير لدراسة حالة سيدةٍ عانت من إدمان على الانترنت مشابه بأعراضه العامة للإدمان على الكحول.4

توالت بعدها الدراسات السريرية ودعمت بدراساتٍ عصبيةٍ بيولوجيةٍ بيّنت تشابهًا بين الادمان على الانترنت والإدمان على المواد من ناحية تغيرات معدلات الدوبامين ومستقبلات السيروتونين، بالإضافة لتحفيز نظام الوصل القشري الحوفي Mesocorticolimbic System المسؤول عن الاعتياد السلوكي، وأيضًا لوحظ تغيرات على منطقة الحصين Hippocampal والتي تزامنت مع فقدان السيطرة السلوكية وتضرر الذاكرة.5

كل ذلك حفز طلب إدخاله كمرضٍ مستقلٍ، ولكن ما زال البعض يحاجج أن الإدمان الفعلي ليس على الانترنت بل على النشطات التي يمكن القيام بها من خلاله، وعلى هذا الأساس تم إدخال إدمان ألعاب الانترنت Internet Gaming Disorder إلى DSM-IV. بالإضافة إلى اعتقاد بعض علماء النفس أن الأعراض الجسدية لإدمان الانترنت عائدةٌ لأمراضٍ أساسيةٍ كالاكتئاب والوسواس القهري OCD والميل للإدمان السلوكي متوقعٌ في هذه الحالات.6

اسباب الادمان على الانترنت

لم يتم تحديد اسباب الادمان على الانترنت كسلوكٍ غير طبيعيٍّ، لكن كما ذكرنا سابقًا توجد العديد من العوامل الملحوظة وباجتماعها تنتج حالةٌ من الاعتماد:

  • الجسدية: معدلات الدوبامين والسيروتونين، تغيرات الفص الجبهي الذي يتشارك مع تحديد الأولويات، تغيرات منطقة الحصين المتعلقة بالذاكرة، نظام الوصل القشري الحوفي المسؤول عن تكوين العادات.
  • النفسية: وجد أن بعض الاضطرابات والأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق والوسواس القهري وغيرها تترافق مع عدة أنواع إدمانٍ سلوكيٍّ؛ حيث يلجأ المريض للإنترنت الذي يقيه من التعامل المباشر مع الوسط المحيط ويساعد على ملء نوعٍ من الفراغ الداخلي.

مع الأخذ بعين الاعتبار إمكانية إدراج كلا العاملين الجسدي والنفسي ضمن إطار نظرية نظام التعزيز بالنسب المتغيرة Variable Ratio Reinforcement Schedule (VRRS) theory، التي تنص بشكلٍ مختصرٍ على أن سلسلةً من الاستجابات والعوائد الإيجابية غير المتوقعة الناتجة عن سلوكٍ معينٍ تساهم في تعزيز هذا السلوك وتقلل من احتمالية الابتعاد عنه.7

المراجع