تغطي سيبيريا مساحةً واسعةً من روسيا وشمالي كازاخستان مشكلةً الحد الشمالي لقارة آسيا. تمتد سيبيريا من جبال الأورال في الغرب حتى المحيط الهادي في الشرق، ومن جهة الجنوب تمتد بين المحيط المتجمد وهضاب شمالي-منتصف كازاخستان وحدود منغوليا والصين.

تغطي سيبيريا مساحةً جغرافيةً تزيد في سعتها عن 13 مليون كيلومتر مربع. ويمتاز مناخها بقساوته الشديدة، حيث يطول أمد الشتاء القاسي الذي قد تنخفض فيه درجات الحرارة اليومية حتى حد ْ68- مئويةً. تزداد قساوة المناخ فيها باتجاه الشرق وتنخفض معه معدلات الهطول، وتمتد التندرا على طول شمال سيبيريا (غابات ممتدة فوق المستنقعات) والسهول غير المشجرة على طول الجنوب.1

أصل التسمية

لا أحد يعلم بالتحديد من أين أتى اسم سيبيريا، ولكن يوجد عدة فرضياتٍ تدور حول ذلك، إذ تعني باللغة التركية “سيبير/شيبير” الجميل، وبلغة التتار “سيبر” تعني العاصفة الثلجية. في اللغة المغولية تترجم كلمة “شيبير” إلى مستنقعٍ. قد يأتي اسم سيبيريا من إحدى هذه الكلمات.

أما في التاريخ المغولي، وفي نصٍّ مكتشفٍ يعود تاريخه حتى رقابة 1240 كلمة “شيبير” مذكورة في إحدى الروايات عن الفتوحات في تلك المنطقة، وفي الحديث عن أناسٍ يعيشون جنوبي شيبير بين نهري أوب وإرتش من قبل ابن جنكيز خان القائد جوشي.

أخيرًا، يرجح أن اسم سيبيريا يأتي من “سيبير”: اسم مستوطني تندرا نينيتس خلف الدائرة القطبية. يعتقد مستوطنو نينيتس أن شعب السيبير كانوا يعيشون في الأرض ويرعون “غزال الأرض” أو الماموث. في السابق كان يعتقد أن القصص حول هذه الإثنية ما هي إلا خرافات، إلا أن اكتشافاتٍ جديدةً لمستحاثاتٍ عثر عليها في كانون الثاني من العام الحالي ترجح العثور على إحدى مستعمرات السيبير.

سكان سيبيريا

حوالي 1500 قبل الميلاد، استوطنت قبائلٌ إيرانيةٌ أجزاءًا من سيبيريا. بعدها بألف سنةٍ، أتى المستوطنون الأتراك إلى المنطقة. ونتيجة الاختلاط بين المستوطنين الإيرانيين والترك والقبائل الإغريقية في المنطقة، نشأت قومية التتار السيبيريين.

ومع بداية القرن الثالث عشر وحتى القرن السادس عشر، توالى على حكم سيبيريا مجموعةٌ من الخانات وصلوا إلى الحكم مع وصول المغول إلى سيبيريا، وخسروه مع توسع سيطرة قيصر موسكوفي في المنطقة في معركة رأس تشوفاش ضد يرمك القوزقي (من قومية القوزاق).2

لا زال بعض السكان الأصليين يعيشون على الرعي وصيد السمك وصيد الحيوانات البرية والزراعة. قديمًا، كان السكان يتخذون منزلين يلجؤون لأحدهم في الصيف والآخر في الشتاء. المنازل الشتوية كانت إما مدفونةً جزئيًّا أو كليًّا في الأرض، في حين كانت منازلهم الصيفية عبارةً عن خيمٍ مدورةٍ.

الثورة الصناعية في سيبيريا

شهدت سيبيريا انتشارًا لصناعتي استخراج الفحم والمعادن خلال القرن الثامن عشر، إلا أن النقلة النوعية جاءت مع تدشين خط السكة الحديدية العابر لسيبيريا (1891-1905) حيث شهدت حينها ازدهارًا لحركة استخراج الفحم وإنتاج الحديد والفولاذ. ومع نشوب الحرب العالمية الثانية تحولت سيبيريا إلى العصب الصناعي للاتحاد السوفيتي في تلك الفترة ذلك مع إغلاق مصانع غرب الاتحاد السوفيتي أمام تقدم الجيش الألماني النازي.

ومع نهاية خمسينيات وستينيات القرن الماضي شهدت أيضًا نهضةً في مجال استخراج النفط والغاز بالإضافة إلى صناعة تكرير الألمينيوم وانتاج السيليلوز. 3

سيبيريا: إوزة روسيا الذهبية

تمتاز سيبيريا بغناها بالمعادن والثروات الطبيعية، حيث تحتوي على الفحم والذهب والألماس وفلذات الحديد بالإضافة إلى النفط والغاز. تنتج روسيا 7% من الإنتاج العالمي للألمنيوم بنسبة إنتاجٍ تصل إلى 95% من سيبيريا.

وتقع ضمن سيبيريا فجوة أرشانوفسكي التي افتتحت في 2015 وتعد أكبر مناجم روسيا للفحم بإنتاجٍ تقدر سعته العظمى بـ 10 ملايين طن. تحتوي سيبيريا أيضًا على 84% من مخزون روسيا من الذهب.

في نيسان من عام 2013 أعلنت روسيا عن خطتها لاستثمار أكثر من مليار دولار بغرض تطوير المنطقة، كما وطلب رئيس وزراء روسيا آنذاك ديميتري مدفيديف من الحكومة الروسية دراسة خطة ميزانيتها 16 مليار دولار بغرض تطوير منطقة سيبيريا ومحيطها بحلول عام 2018 مؤكدًا أن ذلك يمثل أولوية كبرى للحكومة الروسية.

وفي آذار من نفس العام وقعت مجموعة إنتاج الطاقة الصينية CNPC مجموعة عقودٍ بقيمةٍ تتعدى مليارات الدولارات مع عملاق إنتاج النفط والغاز الروسي Rosneft وGazprom لتطوير مجموعة خطوط نقلٍ وتحويل موادٍ من سيبيريا إلى الصين.

إن قرب سيبيريا من السوق الآسيوية ساعد روسيا بشكلٍ ملحوظٍ على جذب الاستثمارات من البلدان الآسيوية التي تستورد الموارد من مناطقَ بعيدةٍ مثل أستراليا والبرازيل وجنوب إفريقيا. وتسعى روسيا مع التغيرات التي طرأت حديثًا على سوق الطاقة العالمية إلى تنويع مواردها الاقتصادية، والاستفادة من نمو الأسواق الآسيوية في دعم اقتصادها.

لعل العقبة الأساسية التي تواجهها روسيا أمام تطوير الصناعة في المنطقة هو نقص اليد العاملة، حيث أن عدد سكان سيبيريا بنتيجة جغرافيتها ومناخها القاسي يقل عن 10% من مجموع السكان العام لروسيا، مما يقف حائلًا أمام تطوير المنطقة بالسرعة التي تتلاءم مع الواقع الاقتصادي والصناعي الحالي. 4

المراجع