هناك العديد من النظريات حول صناعة النقود تاريخيا وأصلها في المجتمع، ويرجع ذلك لدور النقود في تجميع المجتمعات المتنوعة مع بعضها البعض عن طريق تبادل السلع والهدايا، استدامة التسلسلات الهرمية الاجتماعية، وبالإضافة لما سبق فهي وسيلةٌ لسلطة الدولة.

من الصعب تحديد تاريخ النقود بدقةٍ، لكن الأدلة تشير إلى أنها نشأت من عمليات تبادل الهدايا وسداد الديون فكان أول شكلٍ من أشكال النقود هو المقايضة.

نظام المقايضة

المقصود بها التجارة المباشرة للسلع وتبادل الخدمات، ومن المحتمل أن تعود هذه الممارسة إلى عشرات الآلاف من السنين، وربما حتى فجر البشرية؛ إذ كان هناك نوعٌ من العملات التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ والتي تشمل السلع المتداولة بسهولةٍ مثل جلود الحيوانات والأسلحة التي تطورت على مر القرون.

تلك البضائع مثلت للبعض بداية صناعة النقود تاريخيًّا فقد كانت بمثابة وسيلةٍ للتبادل، وانتشر نظام المقايضة والتجارة هذا في جميع أنحاء العالم، ولا يزال قائمًا حتى اليوم في بعض الدول.1

بعد نظام المقايضة، تم تداول اللؤلؤ على نطاقٍ واسعٍ في الأمريكتين. بينما استخدم في أفريقيا، وأوروبا، وآسيا، وأستراليا، النحاس، الحديد، العنبر، الخرز، الذهب، الفضة وسبائك الرصاص، التي قُدمت بأشكالٍ مختلفةٍ كنوعٍ من النقود.

حتى أن الناس استخدموا الحيوانات الحية مثل الأبقار، حتى وقت قريب نسبيًا كشكلٍ من أشكال النقود ونجح هذا الشكل إلى حدٍ ما في خدمة المجتمعات الرعوية، ولكن لم يكن من السهل نقلها، إذ كانت عرضةً للكوارث البيئية.2

أشكال النقود وتداولها حسب الحضارات والشعوب

تغير شكل النقود بشكلٍ كبيرٍ على مر العصور؛ فلم يقتصر على الشكل الدائري الذي يُستخدم اليوم في جميع أنحاء العالم تقريبًا، حيث شاعت أشكالٌ معدنيةٌ مختلفةٌ تمت صناعة النقود وفقها (بيضاوية، مربعة، متعددة الأضلاع ). كما وتم سكّها من موادٍ مختلفةٍ غير المعدن، مثل الخشب والجلد وحتى الخزف.

أما الأوراق النقدية كانت بشكلٍ عام ذات شكلٍ مستطيلٍ، مع وجود مجموعةٍ كبيرةٍ ومتنوعةٍ من الأحجام. توضح الأوراق النقدية ثقافة ولغة البلد الصادرة عنه، حيث احتوت على عناصر مميزة ومثيرة للاهتمام مثل المناظر الطبيعية، الحيوانات والنباتات، معالم هندسية معمارية قديمة أو معاصرة، زعماء وسياسيين وغير ذلك الكثير.3

صاغت بلاد ما بين النهرين أول شكلٍ معروفٍ من العملات في تاريخ صناعة النقود وقد ظهر منذ حوالي 5000 عام. ويرجع تاريخ أقدم عملةٍ معروفةٍ إلى عام 600 و650 قبل الميلاد في آسيا الصغرى، حيث استخدمت العملات المعدنية الفضية والذهبية المختومة لتشكيل الجيوش.

كان اكتشاف كمّ كبير من القطع النقدية من الرصاص والنحاس والفضة والذهب في جميع أنحاء العالم مؤشّرًا على أن العملة وخاصةً في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا قد تم الاعتراف بها كوسيلةٍ وكنوعٍ من المال لشراء السلع، وذلك في بداية الألف الأولى الميلادية.

أما العملات الصينية كانت عبارةً عن أقراصٍ صغيرةٍ من النحاس والفضة مع وجود ثقبٍ في الوسط بحيث يمكن ارتداؤها على حزامٍ.  صدرت هذه العملة من قبل الإمبراطور يونغل من أسرة مينغ، فقد كان مهتمًا بالبعثات السياسية والتجارية إلى الأراضي الواقعة خارج بحر الصين الجنوبي.

امتازت العملات المعدنية إلى حد كبير في:

  • قابليتها للنقل والمتانة والمحافظة على القيمة الأصيلة لها.
  • منح القادة السياسيين التحكم في إنتاج العملات من التعدين والصهر والسبك و تداولها واستخدامها.

صناعة النقود والتجارة

في الماضي، كما هو الحال اليوم، لم يكن أي مجتمعٍ مكتفيًا ذاتيًا بالكامل، فاستخدام المال سمح للناس بالتفاعل مع مجموعاتٍ أخرى. حيث استخدموا أشكالًا مختلفةً من العملات لتعبئة الموارد وتقليل المخاطر وإنشاء تحالفاتٍ وصداقاتٍ استجابة للظروف الاجتماعية والسياسية المحددة.

تشير الأدلة العالمية لحركة السلع المختلفة على مناطقٍ متنوعةٍ يسكنها أشخاصٌ مستقلون عن بعضهم البعض، من الصيادين إلى الرعاة إلى المزارعين وسكان المدن، إلى أهمية العملة كمبدأ موحد، إذ إنها لغةٌ مشتركةٌ يمكن للجميع التحدث والتعامل بها.

استخدم الأمريكيون اللؤلؤ وخام الحديد ونوعين من الفخار كعملة للتداول عبر الأمريكيتين في تجارتهم، وتجارة طريق الحرير البحري. وتوضح الاكتشافات الأثرية التي وقعت ما بين 700م إلى 1450م إلى اندماج إفريقيا في التبادلات التجارية في المحيط الهندي.

تظهر أدلة على أن اقتصادات السوق في ذلك الوقت كانت قائمةً على الأموال النقدية خاصةً على ساحل شرق إفريقيا، حيث أراد بها تجار وملوك السواحل المحليين، تسهيل التعاملات التجارية. إذًا لم تكن العملة شأنًا محليًا فحسب، بل كانت أيضًا وسيلةً لترك بطاقة اتصالٍ وتوقيعٍ ورمزٍ للاتصالات.

نظرة التاريخ تجاه صناعة النقود

سرعان ما أصبح المال أداةً للسيطرة السياسية، من خلال فرض الضرائب لدعم نخبةٍ معينةٍ من فئات المجتمع أو لاستجرار وتشكيل الجيوش. ومع ذلك، يمكن أن تعمل النقود كقوةٍ لتحقيق الاستقرار وتعزز التبادلات للسلع والخدمات داخل المجموعات وفيما بينها.

على مر التاريخ، كان للنقود تأثير ذو حدين:

  1. تسهيل سبل العيش وكسب ثروةً للبعض من خلال حركة السلع والتبادلات التجارية والهجرة.
  2. تسريع تطور الفروق الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في المجتمع فهي مقياسٌ للرفاه الاجتماعي والاستدامة.

في عصرنا، فإن امتلاك العملة النقدية يميز الأغنياء عن الفقراء، ويمثل مقياس غنى الدول المتقدمة عن البلدان النامية، وشمال العالم عن جنوبه. المال هو عدم المساواة الشخصية وغير الشخصية على حدٍ سواء.4

المراجع