ما هي مفارقة فيرمي

الرئيسية » علوم » فضاء وفلك » ما هي مفارقة فيرمي

أين الجميع!؟. هو السؤال المرعب الذي طرحه عالم الرياضيات والفيزياء Enrico Fermi، وهو ليس سؤالًا تافهًا كما قد يبدو للوهلة الأولى. تخيّل كم سيكون مخيفًا أن تعرف أنك الكائن الوحيد الباقي على سطح الأرض وأن جميع البشر قد اختفوا! البعض قد يشعر بالوحدة بدلًا من الخوف، ولكنّه بطبيعة الحال ليس بالشعور الجميل أبدًا. عندما سأل فيرمي “أين الجميع؟” كان يقصد في الكون الواسع من حولنا – مع كل الكواكب والمجرات الموجودة – كيف يعقل أن نكون نحن البشر الحضارة القائمة الوحيدة! لنتعرّف على المزيد من التفاصيل حول مفارقة فيرمي تلك من خلال هذا المقال.

من هو فيرمي (Fermi)

انريكو فيرمي (Enrico Fermi) هو عالمُ رياضياتٍ وفيزيائيٌّ إيطاليٌّ معروفٌ، اشتهر بوضع قواعد علم الإحصاء حتى أطلق عليها قوانين فيرمي في الإحصاء، بالإضافة إلى خبرته الواسعة في الفيزياء الذرية، فقد حاز على جائزة نوبل في الفيزياء في عمله على النشاط الإشعاعي الذي تنتجه النيترونات والتفاعلات النووية الناتجة عن النيترونات البطيئة وذلك عام 1938.

نشر فيرمي أوراقًا بحثيةً عدة في النيترونات وعملها، كما نال العضوية في العديد من الجمعيات الفيزيائية المرموقة وحاضر في أهم الجامعات حول العالم.§

إيضاح مفارقة فيرمي

المفارقة بالتعريف هي المعلومة التي يصعب تصديقها لأنها تحتوي على معلوماتٍ متناقضةٍ، كأن يُقال لك اصرف المال كي تحصل عليه؛ حيث أن الحصول على المال يعاكس صرفه وستأسل بدورك كيف ذلك؟!§

إنّ المفارقة التي ولّدها سؤال فيرمي (كما عُرفت باصطلاح مفارقة فيرمي لاحقًا) هي كالتالي؛ بما أن الكون شاسعٌ ومليءٌ بالنجوم وحولها كواكب قابلة للحياة، والتي تتوجه أنظار الحضارة الإنسانية الآن نحو استعمارها، كيف يمكن ألا توجد حضاراتٌ أخرى على كواكبَ أخرى وفي مجراتٍ أخرى لم تفكر في غزو الأرض يومًا.

أي بمعنى آخر؛ أدرك فيرمي أن أيّ حضارةٍ متقدمةٍ تقنيًا مثل الحضارة البشرية يمكنها أن تستعمر المجرة بأكملها خلال عدة ملايين من السنين (وهو رقمٌ صغيرٌ مقارنةً مع عمر الكوكب)، وهو وقت كافٍ لأي حضارةٍ أخرى خارج الكوكب أن تصل إلى الأرض لتغزوها، ولكن لم يوجد إلى الآن دليلٌ على وجود مثل هذه الحضارات، فكيف ذلك!§

مفارقة فيرمي والرياضيات

يبلغ عدد المجرات التي نعرف بوجودها حوالي 100 إلى 400 مليار مجرة، وهو يقارب عدد النجوم في مجرتنا لوحدها، فإذا افترضنا الحد الأدنى وهو أن كل من هذه المجرات يمتلك نفس عدد النجوم الموجودة في مجرتنا وقمنا بإجراء عمليةٍ حسابيةٍ بسيطة، يمكننا استنتاج أن عدد النجوم في المجرات المعروفة يبلغ تقريبًا 10²² إلى 10²⁴ نجم، منها حوالي 5% شبيهةٌ بشمسنا من حيث السطوع والحرارة الناتجة عنها – بحسب استنتاج العلماء – أي حوالي 500 مليار مليار نجم شبيه بشمسنا، وإنّ 50% من هذه النجوم الشبيهة بالشمس تدور حولها كواكب شبيهة بالأرض من حيث بعدها عن الشمس ودورانها أي أن هناك 100 مليار مليار كوكب شبيه بالأرض.

لنتخيّل معًا أن 1% فقط من كل هذه الكواكب الشبيهة بالأرض والتي تدور حول نجوم شبيهة بالشمس طورت شكلًا من الحياة بعد مليارات السنين، وأن 1% من الكواكب التي طوّرت حياة ظهرت عليها كائناتٌ بمستوى ذكاء الإنسان، سيكون هناك بعد مليارات السنين حوالي 10 مليون مليار حضارة قائمة من مخلوقاتٍ واعيةٍ في المجرات المعروفة، منها 100 ألف حضارة في مجرة درب التبانة لوحدها.

المفارقة هنا هي أنه مع وجود كل هذه الاحتمالات والأخذ بعين الاعتبار عمر الكوكب الذي نعيش فيه، لم تتمكن أي منظمةٍ معنيةٍ من رصد أي إشارةٍ تدل على وجود أيّ شكلٍ من أشكال الحياة خارج كوكب الأرض، ولا بأيّ شكلٍ من الأشكال.§

وجود كائنات من عوالم أخرى

بعد وفاة فيرمي عام 1954، حاول مايكل هارت من بعده حل هذه المعضلة، ونشر مقالًا لصالح الجمعية الفلكية الملكية RAS يفسّر فيه سبب عدم وجود الكائنات الفضائية على الأرض، وبأننا الحضارة الوحيدة المتقدمة في المجرة وتضمن مقاله أربعة أجوبةٍ محتملةٍ من وجهة نظره، وكانت على الشكل التالي:

  1. لم يتمكّن الفضائيون من الوصول إلى الأرض بسبب صعوبات فيزيائية تجعل السفر عبر الفضاء بالنسبة لهم صعبًا.
  2. علم الفضائيون بوجود الأرض واختاروا طواعيةً عدم القدوم.
  3. حضارتنا أحدث من أن يتمكن الفضائيون من الوصول إليها.
  4. زار الفضائيون الأرض في الماضي ولكننا لم نتمكن من رصدهم.

استمر الجدال حتى عام 1980، عندما نشر الأستاذ في الفيزياء فرانك تيبلر مقالًا في المجلة نفسها بعنوان “الكائنات الفضائية الذكية غير موجودةٍ”، وكان قد اقترح في مقاله استخدام ذكاءٍ صنعي قابل للسفر بين المجرات ونسخ نفسه من مواد الكواكب التي يصل إليها، وبناءً على افتراضه بأنه لو كانت هنالك مخلوقات فضائية فعلًا لسافرت إلينا واستعمرت كوكبنا منذ زمنٍ بعيدٍ.

في عام 2013، نشرت دراسةٌ معتمدةٌ على بياناتٍ من تلسكوب كيبلر الفضائي إلى أن واحدًا من كل خمسة نجومٍ تشبه الشمس يملك كوكبًا بحجم الأرض يدور في مدارٍ شبيهٍ بمدار الأرض حول الشمس، ولكن مثل هذه المعلومة ليست بالضرورة دليلًا على وجود الحياة؛ حيث أن العوامل الأخرى مثل الغلاف الجوي للكوكب لها دورٌ هامٌّ في نشوء الحياة عليه.§

لم نستطع إلى الآن الجزم بصحّة أيّ من طرفي مفارقة فيرمي تلك، فمن جهةٍ هناك حساباتٌ رياضيةٌ تقول بوجود احتمال وجود حضاراتٍ أخرى خارج كوكب الأرض، وبالجهة الأخرة هنالك الملاحظة التي تنفي وجود هذا الاحتمال لعدم تمكننا إلى الآن من رصد أي شكلٍ من أشكال الحياة حتى يومنا هذا.