تريند 🔥

🤖 AI

مراجعة كتاب العاقل: تاريخ مختصر للنوع الإنساني

العاقل يوفال هراري
عبدالرحمن عرفة
عبدالرحمن عرفة

12 د

منذ زمن سحيق، استوطنت عدّة أجناس من الإنسان وأقربائه كوكب الأرض. استطاع واحدٌ منها فقط أن ينجو ليبقى ويؤسس مملكته ذات السطوة. مُغيراً بذلك، شكل الكوكب إلى نمطٍ جديد، غير قابل للعودة أبداً.

العاقل. الكائن المثير للضجة. صاحب الجدل الأكبر والنقاش العقيم، بين الأصل السماوي والتكوين الأرضي الطبيعي. لا شك أن أحدًا ما توقّف ليفكر في الرحلة بأجمعها، ويخرج من حيّز الأنا تجاه الـ نحن، محاولاً أن يرى السيناريو يُعرض أمامه كاملاً كما في قاعات السينما العتيقة، عندما تدور عجلة الفيلم ببطء لتُسقط العَرض على لوحة بيضاء تتوضّع في الأمام، فتروى حينها قصة مختصرة جداً عن مسيرة الجنس البشري.

هذا ما فعله المخرج (المؤرخ) يوفال هراري، أستاذ التاريخ صاحب الكتب الثلاث التي ذاع صيتها مؤخراً لتحصد المراتب الأولى في قائمة الأكثر مبيعاً. بالمناسبة، هذا النمط من الكتب منصوح بقراءتها أكثر من غيرها، كونها تندرج تحت تصنيف الـ Big History فتعطي بذلك أفقاً أوسع بالنظر والرؤيا وإدراكاً أكبر للأمور.

لذلك كان لا بد من مراجعة لهذا الكتاب الهام ضمن هذا التصنيف، وهو العاقل. والبداية كانت مع الإنسان البدائي ومع ثورته الذهنية.


انطلاق شرارة الثورة الذهنية

لا تتعدَ الثورات التي خاضها الجنس البشري ثلاثًا، آخرها تلك العلمية التي حدثت قبل حوالي 500/600 سنة من الآن. سبقتها الثورة الزراعية قبل 12 ألف سنة ماضية. وأوّلها جميعاً كانت الثورة الذهنية التي حدثت قبل 70 ألف سنة من وقتنا الحالي.

يُمكن وصف مرحلة هذه الثورة بأنها مرحلة بداية الفهم والوعي، إذ اتسمت الثورة الأخيرة المعروفة بالعلمية أنها ثورة المعرفة والتجربة وبداية “قوننة” المعارف ووضعها في نطاق الرصد والمتابعة والتجريب مؤديةً لنتائج إيجابية على حياة الإنسان. كما اتصفت الثورة الزراعية بنقل الكائن العاقل من حياة الصيد والجمع إلى حياة الزراعة والتدجين، فبدأ بذلك الانضباط وحراثة الأراضي وزيادة الفائض الغذائي. مما أهّب لنشوء مفاهيم ذات فائدة، كالحكومة والهيئات والملاك والسندات وما إلى هناك وما هو معروف إلى وقتنا الحالي.


“التاريخ الحضري شيء محدود جداً، كان قلة من الناس يقومون بتدشينه، عندما كانت الغالبية الساحقة تقوم بحراثة الحقول ونقل قدور الماء”.

أما البداية بأكملها فكانت مع الثورة الذهنية التي قدحت شرارتها كل شيء، إذ اتسمت هذه المرحلة ببداية تحركات الإنسان نحو “الأنسنة” والابتعاد عن الأصل الحيواني شيئاً فشيئاً، فكان عندها زيادة مفهوم العمل والصيد على شكل جماعات واستخدام الحجارة ونوع من الوعي والإدراك لما يجري.

يمكن أن نصف هذه الثورة بأنها ثورة تمهيدية للثورة الزراعية، لكنها كانت أكثر بطئاً وحذراً وامتدت على فترة أطول، إلا أن أهميتها تكمن في أنها سلخت الإنسان العاقل عن أصله الحيواني وجعلته أكثر تفرداً، ليبدأ بعدها مشواره الذي خُصّص هذا الكتاب لشرحه بكامله.


تسارع الأحداث على طول الزمن

خرج الإنسان من الغابة إلى المزرعة ثمّ المدينة. خلال هذا الخروج كانت هناك تكاليف باهظة الثمن لا بد من دفعها وتقديمها كقرابين على مذبحة تطوّره؛ أولها أن انتصاب الكائن العاقل لرؤية مسافات هائلة من المسطحات الأرضية كان له ضريبة على إناث الكائن العاقل، لا سيما مع أحواضهم الواسعة مما أدى لزيادة الضغط على المفاصل. فكانت عندها الأمراض، وبنسبة أكبر لدى الإناث من الذكور.

لم تقتصر الضرائب على الناحية الهيكلية الفيزيولوجية بل تعدتها للأنظمة النفسية والشعورية لدى الإنسان، فهو الذي اعتاد أن يعيش بين الأشجار، أصبح في صدمة عندما أُلقي به في مساحات صغيرة وانتقل للمدينة بإسمنتها وخرسانتها المسلحة ليجد نفسه كئيباً مختنقاً، مما دفع الدارسين لتسمية الاكتئاب بمرض الحداثة، ومرض الإنسان الذي يعيش في المدن.

من ناحية أخرى، وعلى المستوى الديني، كانت الطقوس السائدة ما قبل الثورة الزراعية هي طقوس روحانية أقرب ما تكون للأسطورية. أما الدين المنظم بشكله الأقرب للحالي، فهو لم يبدأ إلا مع الثورة الزراعية أي قبل حوالي 12 ألف سنة من الآن، فمع بداية تعقّد الكائن العاقل وتشعّب حياته ونشوء الكثير من الهيئات على نطاق السياسة والاجتماع، كان لا بد من نظام يقوم بجمعها تحت مظلة واحدة ويتغلغل في جميع ثناياها، فكان عندها الدين المنظم صاحب التشريعات والأوامر والنواهي المتواجدة حتى وقتنا الحالي.


فما قبل الثورة الزراعية كانت الروحانيات، أما ما بعدها فقد كانت التشريعات.

والكثير أيضاً من التغييرات التي حدثت. والتي ستجدها مفصلة في كتاب الهراري.


الأنظمة المتخيلة

خلال حكم الملك حمورابي وقيام شريعته، كان السائد هو الإيمان وأنّ الناس ينقسمون إلى ثلاث طبقات. طبقة العبيد، طبقة العامة وطبقة السادة الأحرار. هل كان لهذا النظام وجود؟ هل كان لهذا التصنيف إثبات وقيمة موضوعية؟ لا. ما كان يعطي لهذا النظام دعائم قوامته هو إيمان الجميع به، هو مجرد نظام متخيل في الأذهان فقط، لكن عندما يؤمن به الجميع، يصبح سائداً ويكتسب قيمته الحقيقية.

الأمر مثل لعب كرة القدم وقواعدها: هل هناك شيء اسمه أنه كل فريق يجب أن يحتوي 11 لاعباً فقط؟ لا. إذن، من أين تكتسب هذه اللعبة قواعدها؟ تكتسب ذلك من إيمان الجميع بمبادئ مشتركة. عندما يؤمن الجميع بفكرة واحدة معقدة، تنشأ الأنظمة المتخيلة، وعلى هذه الأنظمة تُبنى المجتمعات والحضارات.

يعرّج يوفال ضمن هذه الفكرة على مواضيع حساسة مطروحة حالياً على ساحة النقاش كالليبرالية والنازية وما يشابهها، فالليبرالية لا وجود لها، هي نظام متخيل في الأذهان تماماً كما كان الناس في عهد حمورابي يؤمنون أنّهم إما عبيد وإما عامة وإما سادة. هل تستند الليبرالية على ركائز حقيقية؟ لا، إنما هي نظام متخيل استجابة لظروف العصر القائمة. كما كان نظام العصر في حمورابي استجابة لظروف ذلك الوقت، وكلا هذه الأنظمة تكتسب أهميتها من إيمان الجميع بها. فهي غير موجودة إلا لحظة التوافق الغيبي عليها، تماماً كما في لعبة كرة القدم.


“كيف يمكن إقناع الناس بالنظام المتخيل كالدين والديمقراطية والرأسمالية؟ الخطوة الأولى دائماً، لا يجب أن تقول أنه نظام متخيل. يجب أن تسلم به كحقيقة وأنه قائم بذاته”.

تستمد الليبرالية جوهرها من قداسة الإنسان وحريته، وقد كانت النازية بنظر يوفال تستمد جوهرها من قداسة النوع الإنساني ومحاولة النهوض به، إذ ركّزت على صفاء العرق الآري وأرادت به نجاة النوع الإنساني، فكما الليبرالية تشدد على تقديس الإنسان بكونه فرداً، كانت النازية تقدس الإنسان بوصفه نوعاً. وفي جميع الأحوال كانت هذه أنظمة متخيلة تكتسب سلطتها من الإيمان بها.


لنتخيل لوهلة أن ألمانيا النازية كانت قد انتصرت في الحرب العالمية الثانية والآن هي التي تتسيّد العالم. هل لك أن تتخيل كيف ستكون النظم السياسية والأخلاقية السائدة حالياً؟ سترى بدل الليبراليين المتواجدين، مجموعة من النازيين ينظّرون في كيف أن انتصار النازية أدى لتحسين الجنس البشري وتطويره للإمام واقصاء مَن يشكل عبئاً عليه. كلا المذهبين هو إنساني. نعم نعم صدق عزيزي القارئ، النازية إنسانية في صلبها أيضاً- الفرق أنّ الأول (الليبرالي) يريد الإنسان كفرد، أما الآخر (النازي) فيريد الإنسان كنوع.

وبالمناسبة لم يكن هناك عداء للنازية كفكرة عنصرية قومية لو أنها بقت في أرضها، المشكلة فقط كانت مع الغزو والتمدد الذي حدث، وهو ما شجع الحلفاء والسوفييت للتدخل وإنهاء هذا الورم القومي.

فالمشكلة لم تكن أبداً فكرة ليبرالية ونازية كأنظمة متخيلة، بل كانت فكرة تمدد واحتلال.

يستفيض يوفال في الشرح عن هذا ويستخدم الجداول التوضيحية من أجل ذلك. ولعل فصل الأنظمة المتخيلة من أكثر الأجزاء إمتاعاً في كتابه.


البوذية: فلسفة المعاناة والألم

يستحضر الهراري في معرض كتابه عن الجنس البشري الفلسفة البوذية وسعيها نحو فهم العالم متحدثاً عن غوتاما بودا المتنور الآسيوي، وكيف بدأ رحلته وما توصل إليه من خلال اعتكافه وتأمله الطويل في هذا العالم وما يجري فيه.

فيصل لنتيجة مفادها أن الإنسان هو كائن يضيع لحظته الحاضرة على الدوام من خلال دماغه القائم على التشتت والفوضى وعدم الرضى وكأنه ضفدع داخل جمجمة يقوم بالقفز بشكل مستمر دون أن يهدأ. فمثلاً، عندما يمر العاقل بلحظات سعادة ويُفرز الدوبامين -بالمناسبة، الدوبامين يسمى في بعض الكتابات بجزيء الإدمان- لا يكتفِ بها بل يسعى دائماً نحو تكرارها، فالدماغ في حالة طلب مستمر لمزيد من اللذة عندما يشعر بوجودها.

وفي حال كان بائساً تعيساً، لا يرضى الدماغ أيضاً ويطلب باستمرار الخروج من حالة الأسى واستجلاب الدوبامين وإفرازه. وعندما يفرز الدوبامين، يُكرر حلقته المفرغة فيطلب المزيد منه! أي في جميع الأحوال لن يرضى الكائن العاقل وسيبقى في حالة قلق مستمر.


“لا تتعلق السعادة بالظروف الموضوعية كالصحة والثروة والعلاقات، بل تعتمد أكثر على توقعاتنا الشخصية المسبقة وارتباطها مع هذه الظروف”.

يتحدث يوفال عن الفلسفة البوذية ويشرحها ويتكلم عن أهمية التأمل وكيف أن الدماغ كالطفل الصغير لا يعجبه شيء، وكيف أن هذه الغرائز والعواطف كانت محركاً خلال التاريخ لكثير من المحطات الفاصلة والمهمة التي قد تصل أحياناً لمرتبة إنزال الجيوش وخوض المعارك.

يعود الأمر أيضاً لأن يوفال نفسه كان قد مارس التأمل لعدة سنين في حياته، ذلك أثناء دراسته في بريطانيا. لذلك نجده قد عرّج على هذا الموضوع وشرحه في كتابه نظراً لخبرته وتجربته في هذا الجانب.


النقود والمال: الرهان على أن تكون كعكة الغد كبيرة

يتحدث الكتاب أيضاً عن نظام المقايضة الذي أسس لبداية مفهوم النقود ومن ثم التبادل الورقي ونشوء البنوك وأنظمة الاقتصاد كالاشتراكية والرأسمالية. فالورقة المالية التي تدفع بها اليوم مقابل خدمة ما، كانت فيما مضى نقوداً ذهبية تحمل قيمتها بداخلها. وقبل ذلك كانت عبارة عن طعام ومكاييل من القمح وصيعان يتم المبادلة بها والمقايضة، إلا أن الخط الزمني اقتضى تغيير بعض المفاهيم فأبقى على الروح العامة للنظام المتخيل المالي- شيء مقابل شيء، مبدأ المقايضة- إلا أن الوسائل والطرق قد اختلفت وتطورت قليلاً.

لعلّ آخر هذه التطورات المالية كانت الرأسمالية، النظام العتيد الذي نراه جميعناً اليوم، بسوقه الحرة ولا مركزية اقتصاده ودور الحكومة الضئيل جداً فيه على حساب تمدد الشركات الكبرى وتعدد جنسياتها وسطوة تعاملاتها.


“المال هو النظام العالمي المخترع الأكثر شموليةً وثقةً في التبادل”

يشرح الهراري بشكل مبسط جداً ما هو المبدأ الرأسمالي وكيف يعمل، والذي أقرب ما يكون لرهان دائم ومستمر على أن تكون الكعكة كبيرة في الغد. بمعنى أن الغد دائماً أفضل وأن التطوّر سيتم، وبالتالي صاحب القرض سيفي بقرضه لأنه سيكسب في الأشهر القادمة، والبنك سيمنح القروض لأنه يعلم أن الدائن سيفتتح مشروعاً ناجحاً ويحصّل الأموال. وهكذا.

فالرأسمالية قائمة على التفاؤل وأن الغد أفضل وأن هناك أفكار جديدة سآتي بها ستساهم في إنجاح عملي وكسب المال وتسديد القروض ومن ثم أخذ قروض أخرى لتوسيع العمل، لذلك تجد أن الرأسمالية مرتبطة بالحداثة والرفاهية والترف، لن تجد نظاماً رأسمالياً يعمل في المجاعات. لماذا؟ لأنها أساساً قائمة على الرفاهية والوفرة والتفاؤل بأن النمو سيحدث في الغد، وهو ما لا يحدث إلا في ظل استقرار وهدوء نسبيين.

عكساً ربما من الشيوعية التي تراهن على اللحظة الحالية والمساواة والسيطرة على الجميع، إلا أن التطبيق الفعلي دائماً ما يحمل عكس التوقعات فيحدث الانهيار بسبب النقص لا النمو.

يفصّل الهراري في شرح الرأسمالية ونظام المال ببساطة وسلاسة. وأعتقد أن فقرة المال وتأريخها ونشأتها كنظام متخيل إلى وقتنا الحالي، واحدة من أفضل الشروحات المبسّطة الممكن قراءتها في هذا الجانب.


زواج العلم بالامبراطورية والإمبريالية

يُعاب على العلم حالياً انتماؤه لتوجهات معينة، ويشدد الجميع على ضرورة إبقائه محايداً، وعدم تمويله لصالح أهداف مؤدلجة قد تضر بالإنسان أو بالصالح العام. إلا أن التاريخ يقول عكس المتوقع، فالعلم لم يكن يوماً ما حيادياً، ولم يسعَ لذلك، بل كان هو الوليد والقرين الشرعي للامبراطورية، ولذراعها العسكرية تحديداً.

فلو تأملنا مثلاً في المحفزات التي دفعت كولومبوس لاكتشاف قارة أمريكا سنجد أنها ليست حب العلم ولا الرغبة في زيادة الحصيل الإنساني المعرفي. بل اكتشاف أراضي جديدة واستثمارها وزراعتها وتحصيل المزيد من الأموال. ولو تأملنا فيما كان يفعل نابليون خلال حملاته الاستعمارية، سنرى أنه قد أخذ العلماء قبل الجنود معه. إذ أدخل لمصر قرابة 139 عالماً من أجل الاستثمار في تلك الأراضي وإدخال الآلات والأدوات الجديدة وفتح فرع صناعة يُدر الأموال والربح.

ولو نظرنا إلى تشارلز دارون لرأيناه يبحر في سفينة “البيغل” التي كانت هي سفينة عسكرية، وإن تأملنا في بقية الحملات الحربية لوجدنا دائماً أن عدد الجنود لا ينقص كثيراً عن عدد العلماء فيها. ذلك لأن العلم كان منذ نشأته هادفاً نحو تحقيق نجاحات للإمبراطورية الحاكمة، وتلك النجاحات تتجسد بزيادة الأموال وتنمية التمدد والتوسع على أرض الواقع.

ففكرة أن العلم هو حيادي فكرة لا تأصيل تاريخي لها أبداً، وإن وجدت فلن تكون سوى مساهمات فردية شخصية هنا وهناك.

يضرب الهراري مثلاً جميلاً عن ذلك فيقول: تخيل أن تذهب لرائد أعمال ومستثمر فتقول له أريد تمويلاً لأحد الأبحاث العلمية التالية: الأول بحث علمي يدرس تعديل الجينات المسؤولة عن زيادة إفراز الحليب في ضروع الأبقار والعوامل المؤثرة في ذلك، والبحث الثاني هو الحالة النفسية للأبقار نتيجة الإجبار على البقاء في الحظائر. أيهما سيختار برأيك؟

قطعاً البحث الذي سيجلب الأموال ويدر الربح الوفير، لا ذلك البحث الذي يُعنى بالحالة النفسية للبقرة.

فالعلم ليس بالمجان بل يحتاج للاستثمار، ولا عجب أن المستثمر دائماً يبحث عن ربحه في أي فرصة ينتهزها. وهذا ما كانت تفعله الإمبراطوريات الكبرى على الدوام بهيئاتها الاقتصادية والعسكرية.


نهاية الإنسان العاقل

يُنهي الهراري كتابه بنبوءة نهاية الإنسان العاقل. ففي بداية حديثه عن الثورة الذهنية وخروج الإنسان من السافانا إلى الأرصفة والشوارع، تم ذكر أعمار أقرباء الإنسان وأبناء عمه والفترات الزمنية التي سيطروا خلالها، فكان عندها الجنس قريب البشري الأكثر هيمنةً ونجاحاً في البقاء هو الـ “هومو اريكتوس” والذي استمر لحوالي قرابة 2 مليون سنة، أما جنسنا نحن الكائن العاقل فإلى الآن لم يتجاوز 300 ألف سنة، والكثير من المفكرين ومستشرفي المستقبل يعتقدون أنه قد لا يبقى لألف سنة قادمة حتى!

إلا أن الهراري يتنبأ بخروج الإنسان من حدوده البيولوجية لا سيما مع الثورة العلمية الهائلة في القرن الواحد والعشرين مما سيؤدي لهتك مبادئ الانتقاء الطبيعي، وخلق نوع من الانتقاء بيد الإنسان نفسه. يشير الهراري إلى أن نهاية العاقل لن تكون بموته مثلما اعتيد أن يحدث في الطبيعة، بل أنه سيتطوّر صناعياً بيده نفسه إن صح التعبير. حالة أشبه من اندماج الكائن العاقل مع نماذج تقنية عالية التطوّر فيخرج العاقل بذلك من حدوده البيولوجية مقلصاً إياها إلى الحد الأدنى.

ويتحدث عن إنجازات الطب التي حدثت مؤخراً من تطوير قرنيات عين صناعية قادرة على إعادة البصر للمكفوفين، إضافة للأطراف الإلكترونية المرتبطة عصبياً مع الجسم، وغيرها من الوسائل المدمجة مع الإنسان. ويضيف بالقول أنّ “نبوءة فرانكنشتاين” أصبحت  أقرب من أي وقت مضى، فمتوسط حياة الإنسان صارَ كبيراً جداً مقارنة بما سبقه من أزمنة.

فمع كل هذه التطويرات سينتهي الكائن العاقل بنوع من التغيير لا الوأد والموت، عندها يمكن أن نرى أنفسنا أمام جنس جديد ناتج من انتقاء هجين بين طبيعي وصناعي. أو كما قالها يوفال في نهاية كتابه، سنكون حينها أمام الكائن الذي كان حيواناً، إلا أنه في النهاية أصبح إلهاً!

ذو صلة

ليطرح بعدها التساؤل الأخير المخيف: هل هناك أخطر من آلهة أرضية غير راضية، ساخطة، لا تعرف ما تريد؟

هذه هي باختصار، رحلة وتاريخ الكائن العاقل.

أحلى ماعندنا ، واصل لعندك! سجل بنشرة أراجيك البريدية

بالنقر على زر “التسجيل”، فإنك توافق شروط الخدمة وسياسية الخصوصية وتلقي رسائل بريدية من أراجيك

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّةواحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة