إيقاف الزمن: كيف نضغط زر Pause في حياتنا لنكسب مزيدًا من الوقت ونتنفس بعمق؟

إيقاف الزمن
روان سالم
روان سالم

9 د

عندما تصل سريعًا إلى يوم الاحتفال بذكرى ميلادك، يوم الاحتفال برأس السنة، أو عندما تتذكّر حَدَثًا وكأنه حصلَ من مدّة ليست ببعيدة، ولكنه فعليًا حدث من سنتين، أو ثلاثة، لكنك تتذكره وكأنه حدث منذ أسبوعين! هنا تصمت للحظة وتقول: "أوه يا إلهي، لقد مرّ الوقت سريعًا"، أو "لقد كبرنا!" نعم تلك العبارات مؤثرة نوعًا ما، ولكنها محزنة للغاية، أن تدرك أنك قد كبرت دون أن تشعر!

لكن لنواجه الموضوع بسلاسة أكبر: ألا تمرّ عليك لحظاتٌ تلاحظ أن الوقت فيها يمرُّ ببطء؟ ولتكن اللحظات المملّة التي تقضيها منتظرًا انتهاء الدوام، منتظرًا مرور وعكتك الصّحية لتتخلص من الألم، أو لحظات انتظار مرور القطار، أو حتى عندما تنتظر أمّك لتنتهي من إعداد الغداء!

في مقارنة أكثر عدلًا، فإن معاملات الوقت مع البشر تتسم بالمرونة، فهو يتسارع أحيانًا، ويتباطأ أحيانًا أخرى، وذلك وفقًا لعوامل نفسية كما هو واضح، لذلك ربما بفهم العمليات النفسية التي نمرّ بها وراء تجاربنا المختلفة مع الوقت، قد نكون قادرين على ضغط خِيار Pause في حياتنا في بعض الأحيان لإبطاء الأمور قليلًا.


الوقت النفسيّ: تجرِبة بعيدة عن الدقائق والثواني

إيقاف الزمن

في كتابٍ يُسمى "صنع الوقت (Making Time)" لكاتبه ستيف تايلور (Steve Taylor)، يقترح الكاتب عددًا من القوانين الأساسية لما وصفه بـ "الوقت النفسي"، وإحدى أهم التفسيرات التي جاءت في كتابه عن إحساسنا بتسارع الوقت هي الإحساس بهذا التسارع مع تقدمنا بالسن، أما عن إحساسنا بالتباطؤ، فكانت المسببات غير محددة تمامًا، ولكنها مرتبطة بتعرّضنا لبيئات وتجارب جديدة.

ذو صلة

القانونان السابقان ناتجان بالمجمل عن عامل وحيد أساسي هو العلاقة بين "تجربتنا للوقت" و"كمية المعلومات التي تجريها عقولنا"؛ فكلما زادت كَميَّة المعلومات (سواءً أكانت تصورات، أحاسيس و أفكار أو ما شابه… أي شيء قابل للتفكير) التي تستوعبها عقولنا، سيبدو بالنسبةِ لنا أن الوقت يمرّ بشكلٍ أبطأ، وبالعكس، كلما قلّت المعلومات التي تحتاج الاستيعاب، زادت سرعة مرور الوقت.

يفسّر القانون السابق جزئيًا الاختلاف الذي نلاحظه بين إحساسنا بالوقت عندما كنّا أطفالًا، وبين ما نشعر به ونحن نكبر يومًا بعد يوم. فبينما يمرّ الوقت ببطءٍ شديد بالنسبة للأطفال، يتسارع مع زيادة السنّ. فبالنسبة للأطفال، العالم مكانٌ واسعٌ مُمتلِئ بالتجارب والأحاسيس والاستكشافات الجديدة. أما مع التقدم بالعمر، يُصبح العالم مألوفًا أكثر، روتينيًا أكثر، تقل التجارِب والخبرات، وبالتالي كلما كبر الإنسان، كان أقل حساسيةً تجاه تجاربه، وعالجَ معلوماتٍ أقل، بالتالي شعر بالوقت يمضي بسرعة!


"بالنسبةِ لطفلٍ يبلغُ من العمر 10 سنوات، يمثّل العام الواحد نسبة 10% من حياته بأكملها، بينما بالنسبة لشخص يبلغ من العمر 60 عام، يمثّل عامًا واحدًا أقل من 2% من حياته" - الطبيب وعالم الأعصاب الدكتور سانتوش كيزير.

يقول ستيف: "قد يكون هناك عامل آخر لهذا الإحساس وهو العامل النسبي؛ وهو أنه مع تقدمنا في السّن، تشكّل كل فترة زمنية من حياتنا، نسبة أصغر من حياتنا ككل".

بمعنى أن الإنسان كلما كبر في السن، اتجه وعيه نحو "قصر العمر"، وأصبح أكثر انتباهًا للفترات الزمنية التي تمضي، لأننا نقيس الوقت بعدد الأحداث غير المنسيّة التي مرّت معنا، وكون الأحداث الجديدة التي تحدث معنا مع التقدم بالعمر قليلة، فيبدو الأمر بذلك وكأن طفولتنا استمرت لفترة أطول من الوقت الحالي، بالتالي أصبحنا أكثر تأثّرًا بتسارع الوقت.


كيف يمكننا أن نبرم اتفاقًا مع الوقت ليمرّ بشكلٍ أبطأ؟


"الوقت هو شيٌء مطاطيّ؛ يتمدد بالفعل عندما تقوم بتشغيل دماغك بالموارد التي يستقبلها، وعندما تصل إلى المرحلة التي يقول فيها دماغك: أوه تمام، لقد حصل كل شيء كما توقعته - أي تتوقف الموارد المُستقبلة، هنا يبدأ التقلّص" - عالم الأعصاب ديفيد إيجليمان (David Eagleman)

ربما نحتاج الوقت أكثر بينما نتقدم في السّن، فكلّما توسّعت دائرة معارفنا نشعر بتمسّكنا بالحياة أكثر، لا نريد أن تذهب معلوماتنا سُدىً. تؤثر الطريقة التي تقضي بها وقتك، على إمكانية إدراكك لمروره، لذا تؤثر خياراتك اليوم على كيفية إحساسك بالوقت المار لاحقًا، هل مرّ بسرعة وسدىً؟ أم ترك ذكرى سعيدة جعلَتْ عقلك يكبس بالفعل زر Pause عندها؟

إليك عدة نصائح يمكنك إدارة أدراكك لوقتك من خلال تنفيذها، ومساعدة ذاتك على الإحساس بقيمة الوقت وعيشه برويّة.


حاول قدر الإمكان خوض تجارب جديدة للتصدّي للروتين القاتل

نعم يمكننا الإحساس بالوقت بشكل أعمق وأكبر عندما نعرّض أنفسنا لتجارب جديدة مهما كان نوعها، فكما أشرنا سابقًا، يجعل الروتين والافتقار إلى الخبرات والتعلّم المستمر، الوقت يمضي بشكلٍ أسرع، أو يبدو سريعًا بالنسبةِ لنا، لذا من المنطقي أن يكون مفتاح إبطاء الوقت هو إدخال الحداثة في مجرى حياتنا اليومية.

عندما نسافر إلى بلدٍ أجنبيٍّ، فمن الطبيعي أن نكون أكثر انتباهًا للتفاصيل وأكثر حساسيّة للمواقف، لأن كل شيء بالنسبة لنا هناك جديد وغير مألوف، معلومات جديدة مُستَقبَلة، وقت أكثر. كذلك الأمر عندما تسجّل في دورة تدريبية جديدة، تتعلم أشياءً جديدة كل يوم مع أشخاصٍ تتعرف إليهم بشكل عميق يومًا بعد يوم، ستشعر بقيمة وقتك، ولو أنه في بعض اللحظات سيمرّ سريعًا إلا أن المعلومات المُستَقبَلة ستجعله ذا ذكرى وقيمة، وبالمقارنة مع الجلوس بشكل روتيني في المنزل، سيبدو وكأنه مضى بشكل مفصّل وأبطأ مما قد يكون عليه وأنت في المنزل.

استمع إلى ما تريده نفسك وابدأ: هل تحب خوض الدورات التدريبية في مجال معيّن؟ هل تحب الرّقص؟ الحياة الاجتماعية المليئة بالصّخب؟ الذّهاب في رحلة استكشافية؟ حاول دائمًا الخروج من واقعك والقيام بأمرٍ جديد حتى لو كان غير محبّذٍ بالنسبةِ لك، ولكنك أحببت يومًا تجربته لكسر الروتين، جرّبه.


جرّب شعور اليقظة: استمع إلى هذه اللحظة… الآن

جرب شعور اليقظة وإيقاف الزمن بمداعبة حيوان أليف

شعور اليقظة يعني إيلاء التجربة اهتمامك الكامل، أو إيلاء إحساسك الكامل إلى كل ما تراه أو تتذوقه أو تسمعه، أو تشعر به بواسطة أي حاسّة لديك، ليس أن تولي اهتمامك لأفكارك خلال موقف معيّن، لذا هنا يجب أن تكون أكثر وعيًا بتجاربك.

كمثال بسيط، عندما نستحمّ عمومًا، تخطر في بالنا الكثير من الأفكار، الكثير من الأفكار إلّا "فكرة الاستحمام ذاتها". تفرك شعرك بالصابون بينما أنت تتذكر في عقلك حديثك مع صديقك، ثم تنتقل إلى جسمك بينما عقلك يصل إلى اجتماعك مع رئيسك وكيف ستتحضّر له.

هل جرّبت لفت انتباه عقلك إلى فعل الاستحمام ولو لمرة؟ بدلًا من السماح له بالثرثرة حول ما حصل معك وما يجب أن تفعله، هل حاولت لفت انتباهه إلى رذاذ المياه الذي يتساقط على جسدك، والإحساس بالدفء والنظافة بينما أنت تفرك جسدك؟ نعم هذا ما نتكلم عنه. على الرغم مما نسمعه جميعًا بأهمية أخذ القرارات أثناء الاستحمام، إلّا أن إبطاء الوقت في هذا الموضوع يتطلّب إعطاء كل فعلٍ حقّه.

كذلك الأمر بالنسبة لطريق العودة إلى المنزل في الحافلة مثلًا، جرّب بدلًا من وضع سماعات الرأس والتفكير في المشاكل، أن تنظر إلى الطريق، إلى السماء والغيوم، تأمل وجوه الرّكاب وأعطِ انتباهك للظواهر والأشياء التي تحدث من حولك. اليقظة تزيد من كمية المعلومات اللازم معالجتها، لذا باتباعها ستكتشف أن المواقف اليقظة لها تأثير ممتد للوقت.


لا تسابق الوقت - لجمع المال مثلًا!

عندما نزيد من قيمة أي شيء، يبدو وكأننا نحيطه بغلاف سميك متين، وكأنه شيء نادر، وإذا تعاملت مع الوقت وكأنه الفرصة الذهبية في الحياة لجمع المال فقط مثلًا، بمعنى أن تضع جمع المال هدفًا أمامك، وتسابق الوقت لتجمع الكثير من المال قبل أن يمضي الكثير من الوقت وأنت لم تحظ بالملايين التي تخطط لها بعد، فاسمح لي أن أعارضك الرأي وأقول لك إنك مُخطئ جدًا.

أولًا وهو الأهم، حياتنا مقسّمة إلى أجزاءٍ مهمة ربما المال جزءٌ منها، ولكنه لا يشكل سوى جزء قليل، فلديك الصحّة الجيدة، صلة الرّحم، التعلّم، العمل وجني المال، الراحة والاستمتاع! إذا عاملت وقتك وكأنه آلة لصنع المال، فسيصبح أكثر قيمة بالنسبة لك، وأكثر ندرة أيضًا! ستصبح قراءة كتاب بالنسبةِ لك وقتًا ضائعًا، وتناول العشاء مع عائلتك إسرافًا يصعب تبريره لذاتك، يتملّكك الوقت وستشعر أنه يمرّ بشكلٍ سريع جدًا، جدًا.

لا تسابق الوقت لفعلِ أي شيء، فقط أعطِ كلّ فعلٍ حقه في الوقت.


تجنّب تعدد المهام

اليوم، نحنُ جيلٌ أكثر إنتاجية فعلًا، وخاصةً ونحنُ نمتلك أدواتٍ عالية التقنية لمساعدتنا في أداء مهامنا بشكلٍ أسرع، بل ساعدتنا في تعدد المهام أيضًا. ولكن للأسف، تبيّن أنه يعمل الكثير من الأشخاص اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، وإذا كان أحدنا لا يعمل، فهو يفكّر في العمل القادم، وكيفية تحسينه، وتدارك الأخطاء، أي تحوّلت أوقات فراغنا إلى أوقات عمل، ونعود إلى فكرة سباق الوقت!

لِمَ لا نخصص يوميًا بضع ساعات نقضيها في الإنتاجية فقط، ونقضي الساعات الباقية مستمتعين باللحظات؟ الأكل والقراءة وممارسة الرياضة والاستماع للموسيقى وزيارة الأقارب وتعلّم شيء جديد… باختصار، تجنّب تعدد المهام الذي يجرّك إلى تسريع إدراك الوقت والخوف من مروره، ولا يحسّن إنتاجيتك! التزم بالمهمة التي بين يديك، اعمل في وقت العمل، وتفقّد بريدك الإلكتروني في وقتٍ محدد، ونَم جيدًا.


لا ضَير في إمضاء وقتٍ محدد خارج عن المألوف: اقطع اتصالك بالتكنولوجيا ليومٍ كامل!

يعتقد العلماء اليوم أن اتصالنا السريع والمكثّف بالتكنولوجيا، قد سرّع عملية إدراكنا للوقت، ففي سلسلة من التجارب على مجموعة من الأشخاص، تبيّن أن الأشخاص الذين كان لديهم ارتباط دائم ومستمر بالتكنولوجيا، يشعرون أن الوقت يمرّ بشكلٍ أسرع من الاعتيادي، وهذا أمرٌ طبيعي، وأعتقد أنه حدث ويحدث معك، عندما تقرر تصفّح الإنترنت لمدة 10 دقائق، وخلال 10 دقائق -وهمية غير ملحوظة- تكتشف أنك أمضيت ساعة! لذا هناك قلق بشأن عبيد التكنولوجيا، وما يعانونه من نفاذ الوقت غير الملحوظ.

جرّب أن تعيش يومًا محددًا في الأسبوع بدون تلقي رسالة بريد، أو إشعار من فيس بوك أو غيره من الأدوات التكنولوجية، نعم جرّب ذلك في يومِ إجازتك، وستلاحظ أن هذا اليوم أصبح مميزًا، والوقت أصبح أبطأ فأنت تشعر بأسبوعك أثناء هذا اليوم المميز!


مارِس التفكير: ابدأ بكتابة يومياتك

كتابة اليوميات تساعد على إيقاف الزمن

لا نقصد بـ "اليوميات" تلك الخربشات التي كنّا نكتبها ونحن صغار على دفاتر مزخرفة ومزيّنة، لمجرد كتابة اليوميات، بل نقصد بالكتابة هنا تدوين أي شيءٍ تريده، أي شيءٍ مميز، حصل خلال يومك: قمتَ بشيءٍ رائع، ساعدت أحدهم، عبّرت عن امتنانك لأحدهم، أو أي حدث يقتضي في النهاية تدفق فيضٍ من الوعي بأحداث اليوم في ذاكرتك. يساعد هذا الأمر كثيرًا في إبطاء الوقت.

لا أحد منّا يمكنه إنكار الحقائق العلمية حول أهمية التدوين: تعزيز الذاكرة، تقوية مهارات الاتصال، كما أفضت بعض الدراسات إلى أن التدوين والكتابة المستمرة يوميًا تبني لجسمك نظامًا مناعيًا قويًا، ومستوى نوم أفضل، وهو ما يعني مستوى ذكاء عالٍ وثقة أكبر بالنفس. بغض النظر عن ذلك، فعل "التدوين" يتيح لك فعلًا التعمّق في أفكارك.

جرّب وابدأ الكتابة يوميًا ولو بشكلٍ مخفف، أو أسبوعيًا مثلًا، أهم الأحداث التي مرّت معك، وستدرك خلال مدة قصيرة أن هناك أحداث مهمة مرّت، وأخذت فعلًا من وقتك، وستدرك أن وقتك لم يكن سريعًا، بل مرّ بشكلٍ طبيعي وربما تشعر أنه كان بطيئًا في بعض المواقف.

في النهاية، أودّ أن أخبرك أنه هناك مواقف نحتاج فعلًا فيها إلى أن يمرّ الوقت بسرعة، بسرعة كبيرة أيضًا، وهي ذاتها المواقف التي سنشعر فيها ببطء الوقت، ولكن عمومًا، ما هو ثابت في هذا الموضوع، هو كونك إنسانًا ملزمًا بالعيش فترة حياتية، ملزمًا أن تعيشها فاحرص أن تعيشها بشكلٍ جيّد وأن تعطي لحظاتها حقها.

ستشعر أن الوقت طويل أحيانًا، وقصير في أخرى، ولكنه يمرّ بشكلٍ طبيعي صدقني، إنما حاول أنت بمجهودك الشخصي أن تعيشه كما هو، كما تحبّ أنت.

اقرأ أيضًا: ديجا فو deja vu.. تفسير العلم لإحساسنا الغريب تجاه المواقف المألوفة

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات