التكنولوجيا ووسائط النقل: هل من مجال لمزيد من السرعة؟

وسائل النقل في المستقبل
3

لا يمر عليّ يومٌ  إلّا وأشاهد اختراعًا لأحد الأفراد أو لإحدى المؤسسات يتعلق في مجال النقل، فأشعر وكأنّنا أضحينا في المستقبل، أو كأنّ قطعةً من المستقبل قدُمت إلينا. ولكن مهلًا أين نحن بالفعل على خط تطوّر وسائل النقل؟ هل نحن في مرحلة انتقاليّة أم أنّنا انتقلنا بالفعل؟ لنفهم ذلك دعونا نعود قليلًا إلى الماضي.

تنقّل الإنسان _ في الماضي السحيق _ بادئ الأمر مستعملًا قدميه وحدهما، ولكنه وصل إلى مرحلةٍ وجد نفسه فيها مضطرًا إلى تطوير وسيلة تنقّله، فاعتمد على الحيوانات كالأحصنة مثلًا، فزادت رقعة الأراضي الّتي استطاع اكتشافها مع ازدياد سرعة، وتحمّل وسيلة التنقّل.

من ثمّ جاء اختراع العجلة ليُسرّع عملية التطوّر ويساعد الإنسان على استكمال اسكتشاف ما تبقى من أراضي، كما سهّل نقل البضائع والأشياء الثقيلة، واستمر الحال على ما هو عليه حتى نهايات القرن التاسع عشر حتى استطعنا التمتع بركوب السيارة الأولى.

نحن الآن في الحاضر وما زال الإنسان لم يقتنع حتى هذه اللحظة بوسائل النقل الحالية، ويسعى إلى تطويرها بشكل دائم وعلى مدار الساعة، ولعلّ مخيلة البشر رسمت عبر أفلام وقصص الخيال العلمي مجموعةً من الوسائل الّتي من الممكن أن تحدد مستقبل النقل الّذي لا نعرف بالضبط ما سيكون، ولكن يمكن استشفاف بعض الخطوط العريضة لهذا المستقبل من خلال ما نسمعه يوميّا. تعالوا إذًا فلنترك الماضي والحاضر ولننتقل إلى المستقبل، أو على الأقل فلنفتح نافذةً نشاهد من خلالها بعض تلك الوسائل المتطوّرة، ولنبدأ مع أولها.


الهايبرلوب

الهايبرلوب

الموجز: الهايبرلوب مزيج من قطار والطائرة، ويمكن القول بأنّه قطار مغناطيسي معلّق ضمن تجاويف تصل سرعته إلى ما يزيد عن 600 ميل في الساعة (965 كيلو متر في الساعة). يهدف بشكل أساسي إلى تخفيض زمن النقل بشكل كبير، أمّا التفاصيل …

أولى وسائل النقل المتطوّرة الّتي سوف نستعرضها هو نظام الهايبرلوب، وهو النظام الّذي لم يتمتع بتلك الشعبية الكبيرة قبل أن يتبناه إيلون ماسك، حيث تَحكي الأسطورة أنّ إيلون ماسك كان يقود سيارته مرةً وسط الزحام، ولأنّه شعر بالملل الشديد وقتها قرر أنّ يحل هذه المشكلة فبدأ شركته الّتي أسماها الشركة المملّة “The Boring Company”، والّتي تهدف إلى بناء أنظمة الهايبرلوب، وفي الحقيقة لا يمكن أن تحمل شركة تهدف إلى إنشاء أنظمة الهايبرلوب اسمًا مثاليًا أكثر من ذلك، فكلمة “Boring” باللغة الإنكليزية بخلاف أنّها تعني الملل فهي تعني الحفر والتجويف كذلك؛ وذلك لأنّها تهدف إلى بناء تجاويف تحت الأرض.

لكن ليس إيلون ماسك من ابتدع الهايبرلوب كما هو شائع، وإنمّا الفكرة قديمة وكانت تصنّف إلى فترة قريبة ضمن إطار الخيال العلمي، فبالعودة إلى التاريخ نجد أنّ هنالك قصة مصوّرة ذكرت الهايبرلوب ضمن أحداثها، وتحديدًا في العام 1965، ولربما فكّر البشر بالفكرة قبل ذلك بكثير.

قصة مصوّرة تعود إلى العام 1965، حيث يتخيّل المؤلف شكل الهايبرلوب في المستقبل

نلاحظ من الصورة السابقة أنّ أنظمة الهايبرلوب معلقة ضمن الهواء، ولكن الشركة المملّة تهدف إلى بناء تلك الأنظمة تحت الأرض، إذًا الأمران كلاهما صواب ولكن ما هو الأفضل؟ يبدو أنّ خيار إيلون ماسك هو الأفضل وعلّل هذا الخيار بعدة أمور، فهي لا تتأثر بالأحوال الجويّة وبعيدة عن الأنظار، ولن تحجز أي مساحة فوق الأرض، والأهم من ذلك كلّه أنّها لن تقع على رأسي أو رأسك وبالتالي فهي آمنة أكثر، ولكن يبقى خيار بناء الهايبرلوب فوق الأرض مفتوحًا كذلك.

عل كل حال لا يهمنا كثيرًا أين سيُبنى الهايبرلوب، بقدر ما يهمنا مبدأ عمله، وما هي القيمة المُضافة الّتي سيقدمها؟! في الحقيقة نحن نملك قطارات تنقلنا مسافات بعيدة وأجرتها رخيصة، ونملك طائرات تنقلنا بشكل أسرع ولكنها مرتفعة الأجرة، وهنا تكمن أهمية الهايبرلوب كونه نظام نقل سريع للغاية وبأسعار منخفضة، أمّا عن آلية عمله فهو يتألف من قطار محمول على وسادة هوائية يتحرك ضمن نفق مُخلّى من الهواء ومدفوع من جانبي النفق بحقل مغناطيسي، وهنا تكمن قوة الهايبرلوب بسبب إزالته لأهم عائقين يقفان في وجه تطوّر القطارات الحالية، وهما الاحتكاك مع السكة وكذلك مقاومة الهواء أثناء المسير، وبالتالي ومع حلّ هاتين المشكلتين سيتمكن الهايبرلوب من الوصول إلى سرعات هائلة كنّا نظنّها خيالًا علميًّا إلى فترة ليست بالبعيدة.

كنّا قد تحدثنا عن الشركة المملة، ولكنها ليست الشركة الوحيدة في إطار السعي لتشييد أنظمة الهايبرلوب، حيث يلمع اسم آخر وهي شركة “هايبرلوب ون“، وتتسابق الشركتان لتشييد أولى الأنظمة ووضعه ضمن إطار الخدمة، وهذا ما سيتم بشكل فعلي بناءً على التوقعات ما بين عامي 2020 و 2022 وربما قبل ذلك حتّى، فلنترك الهايبرولوب إذًا قيد التشييد ولننتقل سويةً للتكلّم عن وسيلة نقل أُخرى قادمة من المستقبل.


السيّارات الطائرة

الموجز: هي سيّارة قادرة على الطيران، أو طائرة قادرة على السيّر، اختر ما شِئت من الأمرين، أمّا التفاصيل …

تخيّل معي المشهد التالي: بطل في فيلم “أكشن” مُحاصر من كل الجهات بواسطة مجموعة كبيرة من الأشرار وليس بحوزته ذخيرة كافية. ما الحلّ للهروب من هذه الورطة؟ لا تخافوا فسيّارة البطل تتحول بلمح البصر إلى طائرة صغيرة فيهرب بها ملوّحًا للأشرار. أليس هذا حلم الجميع، وخصوصًا الأبطال منهم؟ لكن بالرغم من أنّ أفلام الخيال العلمي تعج بالسيّارات الطائرة، إلّا أنّها لم تصبح حقيقةً حتّى الآن فما السبب؟

أهم العوائق الّتي تقف في وجه السيّارات الطائرة هي الطاقة، فلا توجد حتّى الآن طريقة لتزويد السيّارة بالطّاقة اللازمة لرفعها مع شخصين اثنين؛ لأنّ المعدّات اللازمة ستكون ثقيلةً ومكلفةً للغاية وهو ما سيرفع سعر السيّارة بشكل كبير، وهو ما سيحد بكل تأكيد من عدد الأشخاص الّذين يقدرون على تحمل هذا السعر، فهل نحن قادرون على تحمل سعر سيّارة عادية حتى نتحمّل سعرها وهي تطير؟!

بعيدًا عن المشاكل التقنية والمالية، فنجد أنّ هذه السيّارة أكثر عرضةً للعوامل الجويّة، وهي تتأثر بالأمطار والثلوج والرياح، وقابلةً للسقوط، وهو ما يخلق مشكلةً في السلامة والأمان، كما أنّ وجود سيّارات طائرة يعني وجود أشخاص يملكون رخصًا للقيادة والطيران، وهو أمر صعب الحدوث كون الطيران بحاجة إلى خبرة كبيرة، كما أنّ انتشار هذه السيّارات الطائرة سيحمل عبئًا إضافيًا على مراقبي الملاحة الجوية، وسيجعل من الحوادث الجويّة أمرًا قابلًا للحدوث في أي وقت.

صورة تخيليّة للسيّارات الطائرة

لكن لا يأس مع الحياة. ولذلك، لم تمنع المشاكل السابقة بعض الشركات، وحتّى الأفراد من المحاولة لبناء السيّارات الطائرة، وفي هذا السياق نذكر الخبر الّذي تحدث عن تأسيس لاري بيج مؤسس جوجل في منتصف عام 2016 لشركتي (zee) و (kittyhawk) واللّتين تهدفان بشكل أساسي إلى بناء أولى السيّارات الطائرة القابلة للاستعمال.

كما أنّنا تحدثنا من قبل هنا عن محاولة شركة تويوتا بناء سيّارتها الطائرة الّتي من المقرر أن تسلم الشعلة الأولمبية في دورة طوكيو عام 2022، فهل سنرى السيّارة الطائرة تقوم بذلك، والأهم من ذلك هل سنراها على الطرقات قريبًا؟ أعتقد أنّ الجواب نعم.


السيّارات ذاتيّة القيادة

السيّارة ذاتيّة القيادة

الموجز: هي سيّارات تسير على الشوارع كغيرها، إلّا أنّها لا تحتاج إلى سائق، أمّا التفاصيل …

ما رأيك في شرب القهوة، وتتصفح الجريدة أو الهاتف المحمول في سياراتك بدلًا من القيادة أثناء ذهابك إلى العمل. أعتقد أنّها فكرة جيدة، ولتحقيقها فإمّا أن تستأجر سائقًا وهو ما سيكلفك الكثير من النقود، أو أن تشتري سيّارةً ذاتية القيادة وهو ما سيكلفك الكثير من النقود كذلك! ولكنّها تجربة تستحق إنفاق النقود عليها إن كنت تمتلكها أصلًا.

على كل حال لا تحل السيّارات ذاتية القيادة مشكلتك مع القهوة أو الهاتف المحمول، وإنما تحاول حلّ مشكلة أكبر من ذلك بكثير وهي الحوادث المرورية، فأكبر مسبب لتلك الحوادث هو الأخطاء البشرية وبحذف العامل البشري من المعادلة ستصبح الحوادث أقل بكل تأكيد، ولكنها لن تنتهي وسنذكر لماذا لاحقًا، أمّا الآن فدعونا نتكلم عن تفوّق الروبوتات عنّا في القيادة.

من هم السائقون الأفضل الروبوتات أم البشر؟ ليس الجواب بالسهل ولكن نستطيع القول أنّه من جهة أولى فالروبوتات لا تقود وهي نعسة أو أثناء القيام بالمراسلة، ولا تشرب الكحول، ولا تتعاطى المخدرات، ولا تتأثر بالحالة العاطفية والأغاني الصاخبة، وبكل تأكيد لا تسرق سيّارة والدها لتثير إعجاب أصدقائها.

ولكن من جهة أُخرى تبقى روبوتات وأقل خطأ برمجي سيسبب كوارث بالجملة، وعلى صعيد آخر فالروبوتات لا تعرف كيف تتعامل مع الظروف الفجائية كالسائقين المتهورين والمطبات والحفر في الشوارع والطقس السيّئ، وأهم من كل ذلك فهي لا تعرف كيف تتعامل مع المسائل الأخلاقية، ويمكن أن تتعرض للقرصنة.

لم نحصل على جواب حتّى الآن، ولكنّه أمر واضح وأكبر دليل تسابق كل الشركات لتطوير سيّاراتها ذاتية القيادة بما في ذلك جنرال موتورز وتويوتا وأودي وبي أم دبليو وفورد، وكذلك جوجل وآبل وإنتل ولعلّ أبرز الأسماء هو شركة تسلا، التّي أرسلت إحدى سياراتها إلى الفضاء. إنّ تواجد مثل تلك الأسماء في قائمة واحدة دليل على أننا سنرى تلك السيّارات تغزو كل الطرقات قريبًا، وعلى أنّ الروبوتات أفضل منًا في القيادة.

للمزيد عن السيّارات ذاتية القيادة: تطوير السيارات ذاتية القيادة … تساؤلات منطقية عن الكمية والنوعية!


التنقل بين المدن بواسطة الصواريخ

التنقّل بين المدن بواسطة الصواريخ بين الحقيقة والخيال

الموجز: إنّك تسافر بالطائرة ولكن بأسرع من 28000 كيلو متر في الساعة، أمّا التفاصل …

تخيّل أنّك تجهز نفسك لرحلة ما فتوضب أغراضك وتخرج من بيتك ومن ثمّ تصل إلى “المطار أو أيًّا كان اسمه فأنت تسافر بالصاروخ”، ومن ثمّ تصعد إلى متن الصاروخ وقبل أن تربط حزام الأمان تصل إلى وجهتك، وربما تشرب كأسًا من العصير إن أردت السفر من بداية الكرة الأرضية إلى نهايتها. هذا هو السفر بسرعة الصاروخ عزيري القارئ.

نعم الأمر ليس خيالًا علميًّا وإنما فكرة خرج بها إيلون ماسك ولربما سنراها تُطبّق قريبًا، فبعد أن تجحت شركة فالكون إكس بالهبوط بالصاروخ بعد إطلاقه أصبح أمر السفر بواسطته ضمن الكرة الأرضية أمر وارد الحدوث، وهو ما سيختصر وقت السفر بشكل كبير كبير كبير جدًا.

ويشرح ماسك من خلال هذه التغريدة أنّه لا داعي للخوف إطلاقًا، فركوب الصاروخ يمكن تشبيهه بركوب الأفعوانية “لعبة Roller Coaster” في مدينة الملاهي، والرحلة ستكون “على حد تعبيره” هادئةً للغاية. على الرغم من أنّ الأمر مخيف حقًا، إلّا أنّه أمر يستحق التجربة، خاصةً وأنّ السفر لن يكلف أكثر مما يدفعه البشر حاليًا أثناء السفر بالطائرات.


ذكرنا لكم بعض وسائل النقل الّتي سترسم معالم المستقبل، ولكنّها ليست جميعها بكل تأكيد، وهنا جاء دوركم لتشاركونا بآرائكم والتقنيات الأخرى الّتي سبق وسمعتم عنها، والتّي تظنون أنّها تنتمي لذات القائمة.

3

شاركنا رأيك حول "التكنولوجيا ووسائط النقل: هل من مجال لمزيد من السرعة؟"

أضف تعليقًا