قبل عيد الحب…هل تعلم أنّ الحب علميًا ليس في القلب؟ (يُنصح بالمقال للعزاب 😉 ) 

آلاء عمارة
آلاء عمارة

6 د


هل تذكرون غريبًا عاده شجن.. من ذكركم وجفا أجفانه الوسن.. يخفي لواعجه والشوق يفضحه.. فقد تساوى لديه السر والعلن.. يا ويلتاه أيبقى في جوانحه.. وهو بالأطلال مرتهن..

الأبيات السابقة للشاعر ابن زيدون، وهو كاتب وشاعر أندلسي. لن أطيل الحديث عن الشخصية، لكن لفتت نظري هذه الأبيات الرائعة، التي تنم عن عمق الحب المكنون في أعماقه، ومرارة الخذلان والآلام في كلماته، وذلك بعدما افترق عن حبيبته، "ولاّدة بنت المستكفي". ربما لم يدرك ابن زيدون ما يسمونه بكيمياء الحب أو تدخل الجينات وتحكمها في هذه العاطفة غير المفهومة. غريب هو الحب ومعقد كثيرًا. ولا يتفق مع المنطق والعقل في كثير من الأحيان -إن لم يكن دائمًا- في حالة ابن زيدون مثلًا، ما الذي يجبر شخصًا على الحنين إلى امرأة قد تخلت عنه! إنه خليط من الهرمونات والخلايا العصبية وأشياء أخرى، يُكوّن ما يسموه بالحب! 


تنويه قبل البداية

قد يبدو التحدث عن الحب من منظور العلم أمرًا مزعجًا لدى البعض، فهذا تفسير واقعي لما يحدث بالضبط، ومن المحتمل أن يتسبب في إفساد إثارة الحب التي يشعر بها المغرمون ممن يقرؤون الآن أو يساعد العزّاب على الحب بوعي أكبر في المستقبل وبناء القدرة على التحكم في الموقف. على أي حال، وجب التنويه حتى لا تضيع وقتك في قراءة قد تفسد عليك ما تشعر به الآن عزيزي المغرم وعزيزتي المغرمة. (يُنصح به للعزاب 😜) 


ما هو الحب؟ 

قلب تشكل بين النباتات دلالة على الحب
ذو صلة

اذهب لصديقك المرتبط وأسأله هذا السؤال، إذا كانت أول تجربة، سيعطيك محاضرة عن الحياة الوردية المكللة بالكلمات الرقيقة (ربما ستضحك عليه، لكن حالته هذه طبيعية بالمناسبة). أما إذا كان صاحب تجارب سابقة (خبرة) ستجده يتحدث بعقلانية وواقعية أكثر. وفي حالتك يا عزيزي السنغل، أنصحك بالقراءة والبحث، لا تستمع لأحد. 

حسنًا، بالنسبة للتعريف البيولوجي للحب، فما هو إلا خليط من مجموعة من الهرمونات بالتعاون مع خلايا الجسم. تحديدًا الخلايا العصبية. لذا، نستطيع القول إنه يتكون من شقين، أحدهما فسيولوجي (الهرمونات) والآخر عقلي (الخلايا العصبية) وينتهي الأمر بهما في الدماغ. وذلك ببساطة لأن..


الحب علميًا.. ليس في القلب 

نعم، الحب علميًا ليس في القلب، بل يحدث بأمر من الدماغ، وهنا لا أعني العقل، هناك فرق. ويظن الباحثون أنّ هناك 4 مناطق في الدماغ مسؤولة بشكل أو بآخر عن الحب، وهم: 

  • المنطقة السقيفية البطنية (VTA).
  • النواة المتكئة.
  • الشاحبة البطنية.
  • نواة الرفاء. 

ولكل منطقة منهما دور في عملية الوقوع في الحب. سنتناول دور كل منهما بشيء من التفصيل الآن..


الشعور الإيجابي 

ويظهر دور المنطقة السقيفية البطنية بوضوح عندما يُوضع أشخاص واقعون في الحب حديثًا على آلة التصوير المغناطيسي، وتظهر أمامهم صورًا لأحبائهم، تعطي هذه المنطقة ضوءًا على الجهاز، ولها بالمناسبة دور في نظام المكافآت والمشاعر الإيجابية، ما يجعل ارتباطها بالحب منطقيًا. 


ومن الحب ما قتل

قلب أحمر

هل سمعت هذه العبارة من قبل؟ ربما في مشهد ساخر على شاشة التلفاز أو على أرض الواقع، ولكن الحقيقة إنّ عبارة "ومن الحب ما قتل" واقعية تمامًا. حيث تعمل المنطقة السقيفية البطنية على تصنيع الدوبامين، باعتبارها جزءًا من نظام المكافآت في الدماغ، والدوبامين واحد من أهم الهرمونات المسؤولة عن السعادة، وينطلق عند رؤية الحبيب، ويشبه انطلاقه هذا حالة الإدمان. لذلك في حالة الانفصال عن الشريك، يقل إنتاج هذه المادة بعدما اعتاد عليها الجسم بغزارة، فتظهر المشاعر السلبية التي قد تدفع بعض المبالغين إلى الانتحار أو اتخاذ قرارات غير حكيمة، تمامًا كما يفعل المدمنون. 


"فشارب الخمر يصحو بعد سكرته.. وشارب الحب طول العمر سكرانًا"

محمد بن سكران بن أبي السعادات


بعض من الهدوء

في إحدى التجارب، صور الباحثون أدمغة مشاركين متزوجين منذ نحو 20 عامًا بالرنين المغناطيسي، ولكنهم -حسب ادعاءاتهم- ما زالوا يحبون بعضهم بشغف. وجاءت النتيجة بإضاءة ثلاث مناطق من الدماغ وهي: المنطقة السقيفية البطنية والمنطقة الشاحبة البطنية ونواة الرفاء. ما يؤكد ارتباط هذه المناطق بحالة الوقوع في الحب، حيث تقلل الشاحبة البطنية التوتر، بينما تطلق نواة الرفاء هرمون السيروتونين الذي يلعب دورًا مهمًا في تنظيم الحالة المزاجية وتنظيم عملية النوم، وتكون النتيجة حالة من الهدوء والراحة. 


لكن.. هل علينا الوقوع في الحب؟ 

قد توحي صيغة السؤال بوجوب الوقوع في الحب، ولكن ما أقصده وفقًا للعلم، هل الحب حِكر على مجموعة من البشر وحرام على الآخرين؟ حسنًا، الإجابة ببساطة لا، وقبل ذكر السبب، أريد التأكيد على أنّ ما يلي يعتمد على بيولوجية الإنسان، بغض الطرف عن المشاعر الإيجابية السامية التي يتغنى الشعراء المغرمين والمحبين. 

إذا كان الأمر يعتمد فقط على المشاعر السامية -كما يقولون- لما انتشر في الثقافات المختلفة مهما عُرفت بقسوتها تحت مسمى "العملية أو المهنية" في عصرنا الحالي؟ لكن الحقيقة أنّ وراء ما يُطلقون عليها المشاعر مجموعة من الأعضاء البيولوجية التي تحركها. وما يثبت صحة ذلك الدراسات والأبحاث التي وجدت أنّ الحب ظاهرة موجودة في كل الثقافات مهما اختلفت العادات والتقاليد، فالحب عملية بيولوجية خاضعة لغرائزنا. 


الحب وسنينه 

ساعة رملية للدلالة على عمر الحب

تذكر أي شيء اشتريته حديثًا، مثلًا سيارة، لا بد وأنك حرصت على نظافتها والمرور بها خلال الشوارع النظيفة المرصوفة، لكن ماذا بعد عام؟ بنسبة كبيرة ستضرب بهذه القواعد عرض الحائط وتهملها أو على الأقل سيقل اهتمامك بها. كذلك الحب، يتحول من شغف إلى ارتباط طويل الأمد. وفي هذا الصدد، أُجريت تجارب اشتملت على مجموعتين من المتواعدين:

  • الأولى: شركاء يتواعدون خلال الأسبوع الأول من وقوعهم في الحب. 
  • الثانية: شركاء يتواعدون بعد عام من وقوعهم فيما يسمونه بالحب. 

واتضح نشاط بعض المناطق من الدماغ المرتبطة بالتعلق طويل الأمد لدى الأزواج أو الشركاء الذين كانوا يتواعدون بعد عام من الزواج. ما يعني أنّ الحب بشغف أو حماس البدايات قلّ وصار الأمر أكثر واقعية، وأصبح تركيز الدماغ على التأقلم مع الوضع المستمر لفترة غير محدودة، فكثير من العلاقات تنتهي مع انتهاء العمر.  


حب رغم أنف الشتاء 

يعتقد العلماء أنّ الخريف هو الوقت الأنسب للعثور على الحب المثالي الدائم. أما الصيف، فهو وقت العلاقات القصيرة أو المؤقتة. وعن فصل الشتاء، فدائمًا ما يُشار إليه بأنه فصل الكآبة، حتى إنّ هناك نوع من الاكتئاب المصاحب له، وهو الاكتئاب الموسمي. وهي حالة يعاني فيها بعض الناس من التقلبات المزاجية بسبب قلة ضوء الشمس. بالرغم من ظروف الشتاء هذه، ثَبُتَ أنه قد يقع البعض في الحب خلاله. 


تعليقًا على حالة ابن زيدون 

في حالة ابن زيدون الذي عانى من الفراق وأنشد لنا أبياتًا بارعةَ الجمال، لقد مرّ بحالة بيولوجية منطقية، فمن الطبيعي أن يعاني بسبب حرمان جسمه من الدوبامين الذين كان يُفرز مجانًا عند رؤية المحبوبة. نفس الأمر في حالة "قيس بن الملوح"، ربما نكون ممتنين لهذه العلاقات الفاشلة التي دفعتهم لإطلاق هذه الأبيات الرائعة، رغم ما فيها من حزن وكآبة، فرضت نفسها على الزمان وأجبرته على الاحتفاظ بها حتى يومنا هذا.  

وأخيرًا.. ربما تبدو كلمات السطور السابقة قاسية بعض الشيء، لأنها تنظر إلى الحب من منظور علمي بيولوجي بعيدًا عن الحب الذي عرفناه في الأشعار والروايات، لكن هذا لا يُنقص من قيمة الحب. في نفس الوقت إنها ليست وجهة نظر شخصية أو دعوة للتخلي عن الأحباء، ولكن هذا ما يقوله العلم الذي يساعدنا على إدراك التفاسير المنطقية لطبيعة ما نمر في حياتنا.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة