لماذا لم يتم استنساخ البشر حتى اليوم؟

استنساخ البشر
منة الله سيد أحمد
منة الله سيد أحمد

8 د

استنساخ البشر، لم لا؟ في عام 1996، تصدرت النعجة دولّي عناوين الصحف في جميع أنحاء العالم بعد أن أصبحت أول حيوان ثديي يتم استنساخه بنجاح من خلية بالغة. اعتقد كثيرون أن هذا من شأنه أن يحفز عصرًا ذهبيًا للاستنساخ. وأصبحت الأصوات تتكهن بأن أول استنساخ بشري يجب أن يكون بالتأكيد على بعد بضع سنوات فقط.

ومن هنا بدأت التساؤلات تدور حول هل سيتم إحسان استخدام الاستنساخ للحصول على الأفراد ذوي الإنجازات العظيمة، في الرياضة والموسيقى والفنون والعلوم والأدب والسياسة، أمثال ليوناردو دافينشي، وألبرت أينشتاين، ونيكولا تيسلا، أم أننا سنحصل أيضًا على من عانت منهم البشرية مرة أخرى أمثال هتلر وغيره!

في الحقيقة موضوع استنساخ البشر ليس بتلك البساطة، والدليل على ذلك أنه بعد مرور أكثر من 25 عامًا على تجربة النعجة دولّي، وعلى كل تلك النقاشات أيضًا، لم يتم استنساخ البشر.

وقبل التطرق إلى أسباب عدم استنساخ البشر حتى الآن علينا أن نعرف أولًا ما هو الاستنساخ؟ وهل حقًا من خلال الاستنساخ يمكننا الحصول على أينشتاين آخر؟ وماذا حدث في تجارب استنساخ البشر؟ وهل لاستنساخ البشر أي فوائد؟ .. كل هذا سنتناوله فيما يلي:


ما هو الاستنساخ؟

يعد الاستنساخ مصطلحًا واسعًا، إذ إنه ليس متعلقًا فقط باستنساخ الجينات الوراثية للبشر والمشاريع المثيرة للجدل، وإنما هنالك عمليات استنساخٍ طبيعية تحدث خلال حياتنا، كتلك التي تحدث في بعض النباتات والكائنات الحية وحيدة الخلية مثل البكتيريا، أو التي تحدث في البشر والثدييات الأخرى، ونقول عنها التوائم المتماثلة، حيث يحمل التوائم حمضًا نوويًّا "DNA" متطابقًا تقريبًا.

ذو صلة

أما الاستنساخ الصناعي، والذي يعد أساس ما نتحدث عنه هنا، فوفقًا للمعهد القومي لأبحاث الجينوم البشري “NHGRI”، هو تقنية يستخدمها العلماء لعمل نسخ جينية دقيقة ومتطابقة وراثيًا من كيان بيولوجي. وهناك 3 أنواع من الاستنساخ الصناعي، وهي الاستنساخ (الجيني، والعلاجي، والتكاثري).

فالاستنساخ العلاجي يشير إلى استنساخ الخلايا الجنينية للحصول على أعضاء للزرع أو لعلاج الخلايا العصبية المصابة وأغراض صحية أخرى.

أما الاستنساخ الجيني فيهدف إلى الحصول على نسخ من بعض الجينات للخلية، واستنساخ الجينات يُعرف أيضًا باسم استنساخ الحمض النووي وهو عمليةٌ مختلفةٌ تمامًا عن الاستنساخ التناسلي والعلاجي بينما الاستنساخ التكاثري، يكون هدفه الحصول على كامل المادة الوراثية للخلية؛ وذلك لصنع نسخة كاملة ومشابهة وتحمل نفس الصفات، وتلك التقنية هي ما تم استخدامها في حالة النعجة دولّي، وفي محاولات الاستنساخ البشري.

في هذا النوع من الاستنساخ يتم استخدام خلية جسدية ناضجة، على الأرجح خلية جلدية، ثم يتم وضع الحمض النووي المستخرج من هذه الخلية في خلية بويضة المتبرعة التي تمت إزالة النواة المحتوية على الحمض النووي الخاص بها، فتبدأ البويضة بعد ذلك في التطور في أنبوب اختبار، ثم يتم زرعها في رحم أنثى بالغة.

اقرأ أيضًا: فرانكشتاين والاستنساخ.. هل حقًا نستطيع استدعاء آينشتاين ونيوتن إلى الحياة مرة أخرى؟


ماذا حدث في تجارب استنساخ البشر؟

على الرغم من كل الادعاءات والمحاولات التي تمت في عملية الاستنساخ والتي حظيت بدعاية واسعة، إلا أن استنساخ البشر ما زال شيئًا من الخيال، حيث باءت كل تلك المحاولات بالفشل.

ففي عام 1998، ادّعى العلماء في كوريا الجنوبية أنهم نجحوا في استنساخ جنين بشري لكنهم قالوا إن تطور التجربة توقف في وقت مبكر جدًا عندما كان الاستنساخ مجرد مجموعة من 4 خلايا.

وفي عام 2002، زعمت بريجيت بواسيلير، وهي كيميائية فرنسية، أنها مع فريق من العلماء قد نجحوا في الحصول على أول إنسان مستنسخ، أطلقت عليه اسم حواء. ومع ذلك، لم تكن بواسيلير راغبةً -أو غير قادرة بالفعل- على تقديم أي دليل، ولذلك فالتفسير الوحيد هو أنه ادّعاء غير صحيح.

وفي عام 2004 نشرت مجموعةٌ بقيادة الطبيب هوانغ ووسوك من جامعة سيول الوطنية في كوريا الجنوبية، ورقةً في مجلة ساينس العلمية ذُكر فيها إنه تم استنساخ جنين بشري في أنبوب اختبار، ولكن على الرغم من ذلك لم تجد لجنة علمية مستقلة في وقتٍ لاحقٍ أي دليلٍ يدعم هذا الادعاء، لذلك تم سحب هذه الورقة المزعومة، ولم يتم الاعتراف بها في يناير 2006.

اقرأ أيضا: دعك من آينشتاين ونيوتن.. لنر ما إذا كان بمقدورنا استنساخ الديناصورات أم لا! 


لماذا لم يتم استنساخ البشر حتى الآن؟


استنساخ البشر: رجل مستنسخ عشرات المرات

هناك العديد من الأسباب التي جعلت استنساخ البشر مجرد خيال، وتلك الأسباب ليست فقط أخلاقية، بل علمية واجتماعية ونفسية وغير ذلك أيضًا، ويمكن تلخيصها فيما يلي:


يزيد الاستنساخ من خطر الولادة بعيوب وتشوهات

على الرغم من الاعتقاد بأن الاستنساخ البشري يمكن أن يلعب دورًا في القضاء على الأمراض الوراثية، وعلى العيوب الخلقية، إلا أن الواقع عكس ذلك، فوفقًا لـ "Live Science" أدى استنساخ الثدييات إلى معدلات عالية للغاية للوفاة وتشوهات في النمو في الحيوانات المستنسخة.

كما ورد أيضًا في بحث أجرته مجموعة من العلماء الفرنسيين عام 1999 أن الاستنساخ قد يزيد في الواقع من خطر عيوب الولادة. حتى أن النعجة دولّي نفسها تم قتلها في فبراير عام 2003، بسبب إصابتها بمرض رئوي.


المستنسخون لا يعيشون طويلًا

نتيجة للأمراض الكثيرة التي يتعرض لها المستنسخون، فإن هذا يجعل سنوات عيشهم أقل من الطبيعي، ففي حالة دولّي مثلًا لم تعش سوى 6 سنوات تقريبًا أي أنها لم تعش سوى نصف عمر فصيلتها فقط.


يتسبب الاستنساخ في خسائر هائلة في الأرواح

استغرق الحصول على النعجة دولي 277 محاولة، اليوم ينجح استنساخ الثدييات عمومًا بمعدل يتراوح بين 10% إلى %20، لكن هذه العملية لا تزال تعد غير فعالة إلى حد كبير.

وفيما يخص أبحاث استنساخ البشر فقد وجد العلماء أن بعض الأجنة تموت قبل أن تتم زراعتها وبعضها الآخر ينتج عنه حالات إجهاض، أما الأجنة التي تنجح زراعتها فهي غالبًا ما تموت بعد الولادة أو تحمل تشوهات عديدة. ببساطة هذه المخاطر قد يراها البعض سهلة عندما يتم تطبيقها على الحيوانات ولكن ليس على البشر.


استنساخ البشر من شأنه أن يحول النساء إلى سلع محتملة


خلال عملية الاستنساخ يحتاج العلماء إلى كمية كبيرة من البويضات المتبرع بها، والعثور على بدائل كافية لحملها، وتحقيق هذا الأمر من شأنه أن يحول النساء لسلع، لذلك فاستنساخ البشر يعد أمرًا غير أخلاقي.


لن يُنتج الاستنساخ أشخاصًا متطابقة ولن نحصل على أينشتاين آخر

هناك مشكلة أساسية أخرى تتعلق باستنساخ البشر وهي أنه بدلاً من إنشاء نسخة كربونية من الشخص الأصلي، فإنه سينتج فردًا آخر بأفكاره وآرائه، أي لن نتمكن من الحصول على أينشتاين أو حتى هتلر مرة أخرى.

إن الإنسان ليس جيناته فقط بل هو نتيجة شبكات معقدة من التفاعلات بين الجينات والبيئة، فمن يستطيع أن يقول إنه في سياق ثقافي مختلف، ربما لم يكن هتلر ليكون أحد القادة العظماء، أو أن أينشتاين ربما كان ليصبح شريرًا.

لا يوجد سبب على الإطلاق لتوقع أن جينومات الأفراد ذوي الصفات الممتازة، عند استنساخها، تنتج أفرادًا يتمتعون بالفضيلة أو الذكاء.

بل إن الجينات المتطابقة تنتج في بيئات مختلفة، أفرادًا مختلفين تمامًا. وبالتأكيد لا يمكن استنساخ البيئات، أو الحصول على تربية متطابقة، أو جعل شخصين يواجهان نفس تجارب الحياة. لذلك إذا تم استنساخ شخص بالغ، فإن ظروف الحياة المختلفة التي مر بها بعد سنوات عديدة ستؤدي بالتأكيد إلى فرد مختلف تمامًا، حتى لو كان الفرد من الناحية التشريحية يشبه المتبرع بالجينوم في نفس العمر.


تكاليف عالية بلا فائدة

إن الاستنساخ أمر مكلف للغاية، وربما في حالة استنساخ الماشية يكون عملًا تجاريًا ذا جدوى، لكن ماذا عن استنساخ البشر! علق على ذلك هانك غريلي، أستاذ القانون وعلم الوراثة في جامعة ستانفورد والمتخصص في القضايا الأخلاقية والقانونية والاجتماعية الناشئة عن التقدم في العلوم الحيوية، قائلًا: "أعتقد أنه لا يوجد سبب وجيه لاستنساخ البشر".


استنساخ البشر أمر غير أخلاقي

قال هانك غريلي: "يعد استنساخ البشر عملًا مثيرًا، لذلك كان أحد الموضوعات التي ساعدت في إطلاق أخلاقيات البيولوجيا الأمريكية".

إن الاتهامات الأخلاقية المتعلقة باستنساخ البشر كثيرة ومتنوعة، تشمل القضايا المحتملة للمخاطر النفسية والاجتماعية والفسيولوجية. علاوة على ذلك، يمكن اعتبار الاستنساخ أنه ينتهك مبادئ كرامة الإنسان والحرية والمساواة، لذلك فهو أمر مرفوض لدى معظم البشر، ومحظور قانونيًا لدى العديد من البلدان.


هل سيكون لاستنساخ البشر أي فوائد؟


إذا كان العلماء سيستنسخون إنسانًا، فهل ستكون هناك أي فوائد، علمية كانت أم غير ذلك؟

قال غريلي: "إنه من المستحيل التغاضي عن المخاوف الأخلاقية، ومع ذلك، إذا تمت إزالة الاعتبارات الأخلاقية تمامًا من المعادلة، فإن إحدى الفوائد النظرية ستكون خلق بشر متطابقين وراثيًا لأغراض البحث". لكن حتى تلك الفائدة، لم تعد مهمة إلى حد كبير بسبب التطورات العلمية الأخرى.

وأوضح أستاذ القانون وعلم الوراثة: "إن فكرة استخدام الأجنة المستنسخة لأغراض مثل إنتاج خلايا جذعية جنينية بشرية مطابقة لخلايا المتبرع، نوقشت على نطاق واسع في أوائل القرن الحادي والعشرين"، لكن هذا النوع من البحث أصبح بلا جدوى، بسبب اكتشاف ما يسمى بالخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات (iPSCs)، التي تمت إعادة برمجتها لتشبه الخلايا في التطور المبكر.

توصل شينيا ياماناكا، الباحث الياباني في مجال الخلايا الجذعية والحائز على جائزة نوبل لعام 2012، إلى الاكتشاف عندما عمل على كيفية إعادة خلايا الفئران البالغة إلى حالة شبيهة بالجنين باستخدام 4 عوامل وراثية فقط، وفقًا لمقال نشر في مجلة نيتشر العلمية. ثم تمكن ياماناكا، بالتعاون مع عالم الأحياء الأمريكي جيمس طومسون، من فعل الشيء نفسه مع الخلايا البشرية.

ووفقًا لمركز الطب التجديدي وأبحاث الخلايا الجذعية في جامعة كاليفورنيا، فعندما تتم إعادة برمجة خلايا "iPSCs" إلى حالة متعددة القدرات شبيهة بالجنين، فإنها تتيح تطوير مصدر غير محدود لأي نوع من الخلايا البشرية اللازمة للأغراض العلاجية. لذلك، فبدلاً من استخدام الأجنة، يمكننا أن نفعل نفس الشيء بفعالية مع خلايا الجلد.

لذلك أدى تطور تقنية "iPSCs" إلى جعل مفهوم استخدام الأجنة المستنسخة غير ضروري من الناحية العلمية، وبالتالي فإن الاستنساخ البشري لم يعد ببساطة مجالًا "مثيرًا للدراسة العلمية"، وهو ما قد يفسر أيضًا سبب تطوره القليل جدًا في السنوات الأخيرة.

المصادر: 1، 2، 3

اقرأ أيضًا: فرضية الوقت الشبحي: نعيش في القرن الثامن عشر وهناك 300 عام تمت فبركتها.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة