تجشؤها يهدد الكوكب.. كيف للأبقار أن تكون مسؤولة عن الاحتباس الحراري؟

الاحتباس الحراري
ضحى نبيل
ضحى نبيل

6 د

مع اقتراب انعقاد مؤتمر المناخcop 27  خلال أسابيع قليلة في شرم الشيخ، مصر، تحاول العديد من الجهات الإعلامية لفت الأنظار ونشر الوعي تجاه الممارسات الإيجابية التي يمكن من خلالها تقليل الاحتباس الحراري وآثار تغير المناخ اللذين بدأت آثارهما تظهر بوضوح في بقاع العالم بأسره.

قد تكون معظم تلك الممارسات مألوفة بالنسبة لمسامعك كترشيد استهلاك الطاقة وتناول المزيد من الخضروات وتوسيع المساحات الخضراء، لكن لا يعلم الجميع أن أحد المسببات الرئيسية لذلك الاحتباس الحراري هو تجشؤ الأبقار! نعم ما قرأته صحيح، دعنا نبدأ الموضوع من البداية.


ما هو الاحتباس الحراري؟


الاحتباس الحراري

الاحتباس الحراري هو زيادة درجة حرارة  سطح كوكب الأرض بشكل تدريجي على المدى الطويل. يحدث ذلك بسبب الأنشطة البشرية المتعددة والمتزايدة باستمرار كقيادة السيارات وتشغيل المصانع وتفعيل أنظمة التبريد والتدفئة وغيرها. لأن تلك الأنشطة  تعتمد بشكل أساسي على احتراق الوقود بأشكاله المختلفة، وينتج عن الاحتراق غازات تحبس الحرارة في الغلاف الجوي وتمنعها من الهروب للفضاء الخارجي كغاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان ولذلك يطلق عليها اسم الغازات الدفيئة.


ما ذنب الأبقار بالاحتباس الحراري؟

ذو صلة

قد يبدو هذا غريبًا بعض الشيء، لكن الأبقار بشكل خاص تساهم بنحو 14% في إطلاق تلك الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي وتحديدًا غاز الميثان، وإذا كانت الغازات المنطلقة من مؤخراتها هي أول ما سيخطر في بالك، فلا، ليست تلك هي المقصودة. فالغازات التي تتجمع في الأمعاء الغليظة للأبقار ثم تخرج من نهاياتها لا تمثل إلا جزءًا بسيطًا مما تنتجه البقرة من غازات، ولا يتعدى حتى 5% من الكمية الكلية، أما النسبة الأكبر تأتي من تجشؤ الأبقار؛ حيث تنتج غاز الميثان الذي يخرج في تلك الحالة عن طريق الفم والأنف.

البقرة حيوان ذو معدة تعتمد على وجود البكتريا التي تكسر جزيئات الطعام النباتية، وأحد نواتج تلك العملية هو غاز الميثان الذي كما ذكرنا يجد طريقه في الخروج بشكلٍ أو بآخر. إذًا عندما تأكل الأبقار فهي تتجشَّأ- مثلنا تمامًا- وتُطلق كمية بسيطة من الغاز، فما المشكلة إذًا وما علاقة ذلك بالاحتباس الحراري؟

دعني أوضح لك مدى سوء الأمر، في دراسة جديدة قد تكون هي الأولى من نوعها نفذتها شركة  GHGSat Inc في كندا، تمت مراقبة كمية غاز الميثان المنبعثة من الأبقار الموجودة في أحد حقول التسمين في كاليفورنيا بواسطة أقمار صناعية عالية الجودة، ووجد الباحثون أن الحقل ينبعث منه ما بين 443 ل 668 كيلو جرامًا من غاز الميثان في الساعة الواحدة.

وبحسبة بسيطة، ستجد أن هذا يعني انبعاث أكثر من 5000 طن من الميثان للغلاف الجوي -أي ما يساوي كتلة فيل بالغ!- كل سنة من حقل أبقار واحد في بقعة صغيرة من كوكب الأرض! ولك أن تتخيل أنه يوجد ما يقرب من 1.5 مليار بقرة على هذا الكوكب!


غاز الميثان... CH4

ما المشكلة في غاز الميثان التي تجعلنا قلقين من زيادته؟ مع أنه من المعروف أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو الذي تشير إليه دائمًا أصابع الاتهام كمتسبب رئيسي في الاحتباس الحراري؟

غاز الميثان هو أحد مكونات الغاز الطبيعي الذي نستخدمه في المنازل، ويتم إطلاقه إلى الغلاف الجوي بسبب الكثير من الأنشطة البيئية، سواء كانت تحدث بصورة طبيعية كحقول الغاز الطبيعي أو من صنع الإنسان مثل الأنشطة الزراعية ومعالجة مياه الصرف الصحي وتربية الماشية وغيرها

يقول بروفيسور جون والاس من جامعة ابردين في المملكة المتحدة عام 2015: " يعتقد الناس أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو الغاز الرئيسي المتسبب في الاحتباس الحراري، لكن غاز الميثان هو عامل مهم جدًا أيضًا، فمن كل انبعاثات الغازات الدفيئة المُنتجة بواسطة الإنسان، 16% منها هي لغاز الميثان ونحو ثلث تلك الكمية يأتي من تربية الماشية"

في الواقع، بالفعل غاز الميثان هو أقوى بمقدار 25 مرة من غاز ثاني أكسيد الكربون في حبس الحرارة في الغلاف الجوي! وهو ثاني أكثر الغازات الدفيئة انتشارًا بعد ثاني أكسيد الكربون.

كونه في المستويات الطبيعية لا يجعله يتسبب في مشكلة، لكن غاز الميثان الآن، بينما نتحدث، يُمثل ما يقرب من 30% من كمية غازات الاحتباس الحراري وهو ما زال في زيادة مخيفة منذ بداية تسجيل نسبته في الثمانينيات.

حتى أنه في فترة الإغلاق التي مر بها العالم في عام 2020 بسبب جائحة الكورونا، انخفضت نسب غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بشكلٍ ملحوظ لكن كان غاز الميثان مستمرًا في الصعود!


هل هناك حل؟

بالفعل هناك بعض الحلول والاقتراحات التي بدأ العمل عليها بواسطة العلماء والمختصين، والتي بدأت تعطي نتائج مبشرة جدًا.


 المكملات الغذائية

بما أن الأبقار وحدها تطلق نسبة ليست بالقليلة أبدًا من كمية الميثان الكلية إلى الغلاف الجوي فهي لها نصيب 40%! فكر العلماء في محاولة خفض نسب الغاز من خلالها.

 في إحدى الدراسات التي تمت في جامعة كاليفورنيا على 18 بقرة تم فصلها عن باقي القطيع، حاول البروفيسور ايرمياس كيبريب دراسة كيف يمكن أن نغير من نسب غاز الميثان المنبعثة من تجشؤ الأبقار عن طريق إدخال بعض المكملات الغذائية المفيدة لنظام البقر الغذائي لتحقيق هذا الغرض.

 في دراسته التي أجراها العام الماضي توصل البروفيسور إلى أنّ الأمر لا يتطلّب الكثير لكي نقلل من كمية الغاز المنتجة من تجشؤ البقر، فإضافة نحو 80 جرام فقط من الأعشاب البحرية لغذائها تسببت في خفض نسبة الميثان المُنتَجة بنسبة 82% ! 

حتى إن بعض الدراسات الأخرى وجدت أن إدخال بعض الأطعمة كالثوم والشعير والذرة يمكن أن يقلل نسب الميثان بشكلٍ كبير.


 زراعة البقوليات

أحد الحلول المقترحة أيضًا هو الإكثار من زراعة البقوليات كالبرسيم في مكان تربية الماشية بصفة عامة، حيث إن تلك المحاصيل خاصةً أثبتت أن لها القدرة على امتصاص الغازات الدفيئة كالميثان وحبسها في التربة. وبذلك يمكن تقليل نسبة غاز الميثان المنبعثة بشكل ملحوظ.


تتبع الصفات الجينية النافعة

إحدى الوسائل أيضًا التي يجري العمل عليها الآن هي تتبع الصفات الجينية، أي الصفات الموروثة في الأبقار. حيث وجد العلماء أن أنواعًا معينة من البكتريا إذا وُجدت في أمعاء البقرة، ساعدت على تقليل نسب الميثان بشكلٍ كبير أثناء عملية هضم الطعام، وبالتالي كلما زادت نسب تلك البكتريا، نقصت نسب الميثان المنبعثة.

يحاول العلماء الآن التعرف على التركيب الوراثي للأبقار التي تحتوي على تلك البكتريا المميزة لأنه إذا تمكن أصحاب المراعي من التعرف إليها من وسط باقي الأبقار سيمكّنهم ذلك أن يعملوا على زيادة سلالات هذا النوع بصفة خاصة لكي تظهر بشكل أكبر في الأجيال اللاحقة من الأبقار.

قد تكون بالفعل الأبقار مسؤولة عن نسبة من آثار الاحتباس الحراري، لكن تذكر أننا نحن من نتسبب بوجود النسبة المتبقية المخيفة! إن لم نتحرك من الآن ونغير من سلوكياتنا ونقلل من استهلاكنا وهدرنا للطاقة، لن تُحدث تقنياتنا الحديثة مع الأبقار أي فرق يُذكر ولن تكون العواقب مبشرة. ابدأ بنفسك ومن الآن!

المصادر: 6, 1,2,3,4,5

اقرأ أيضًا: أستاذ جامعي يرغب بتفجير القمر بالنووي لتحسين الطقس على الأرض

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات