0

تتحدث رواية “خزي” للكاتب “ج. م. كويتزي”، وفيها حديث عن التقدم في العمر، وأثر التعرض للإيذاء، وتبعات جريمة الاغتصاب وتعامل المجتمع المعيب معه. ويُعد “ج. م. كويتزي”، أو “جون ماكسويل كويتزي”، هو روائي وأكاديمي وناقد ومترجم من جنوب أفريقيا حامل لجنسية أستراليا ومقيم بها، وهو فائز بجائزة البوكر مرتين ومتوَّج بجائزة نوبل للأدب عام 2003. له رواية بعنوان “خزي” وهي الرواية الفائزة بجائزة البوكر سنة 1999 حيث صدرت لأول مرة، ثم إن دار الهفاف ودار الجندي للنشر نقلتاها للعربية سنة 2002 بترجمة “أسامة منزلجي”.

في عام 2009 صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة “عبد المقصود عبد الكريم” وعنوانها “العار”، وإن كان كاتب هذا المقال يبني مراجعته على الترجمة الأولى. جدير بالذكر أيضًا أن فيلمًا مقتبسًا عن الرواية صدر سنة 2008 من بطولة “جون مالكوفيتش”.

بوادر خزي

غلاف رواية "خزي" للكاتب "ج. م. كويتزي" والذي تناول فيها تبعات الاغتصاب
الاغتصاب من زاوية جانبية ضيقة: غلاف رواية “خزي” للكاتب “ج. م. كويتزي”.

قصة “خزي” للكاتب ” ج. م. كويتزي” هي عن “ديفيد لري”، أستاذ جامعي خمسيني طريقتُه في إدارة استمرار نشاطه الجنسي لهذا العمر، بعد زيجتين فاشلتين، هي مضاجعة بنات الهوى. بعد انتهاء قصته مع إحداهن على نحو مبتور ومحرج، يبتدئ علاقة مع إحدى طالباته. تستمر لفترة ثم تقود إلى المحتوم: بلاغ للكلية وتحقيق وفصل من الجامعة، فضلًا عن النبز العلني والهجر المجتمعي.

ينطلق “ديفيد” في زيارة إلى ابنته التي تعيش في منطقة قروية وتدير مزرعة. بعد فترة من الاندماج البطيء في مجتمع الريف والحياة البسيطة يقع اعتداء من ثلاثة رجال على الأب وابنته: هو يتعرض للضرب والحبس والحرق، أما هي فتتعرض إلى الاغتصاب. من هنا يبدأ التحرك الحقيقي للرواية، لكنه يظل متصلًا بالبناء الذي سبقه منعكسًا على صفحته بين حين وآخر. بعدما كانت مشكلته مع العالم الراغب في صَلبه باعتباره مذنبًا، صارت مشكلته التعامل مع مذنبين من نوع آخر، مع خزي مختلف بالكامل.

وهي كثيرة

الكاتب "ج. م. كويتزي" - يتحدث عن الاغتصاب
الكاتب “ج. م. كويتزي” صاحب رواية “خزي”.

إحدى النقاط المفصلية في رواية “خزي” هي رفض الابنة التام للتبليغ عن الاغتصاب: تقديم نفسها للشرطة والمجتمع باعتبارها منتهَكة والمرور بما يتبع ذلك بالضرورة. نرى “ديفيد” محاصرًا بين الأنانية التي تدفع المرء إلى حل الأمور بنفسه: رفع الظلم عن المظلوم وإزالة حاجة نفسه إلى ابتداع تصرف، وبين قبول خيار المظلوم (ابنته هنا) بغض النظر عن كونه مقنعًا.

المرء يقف عاجزًا أمام أفعال بجسامة الاغتصاب، ولحماية عقله من الجنون فإنه يلجأ إلى أصرح الحلول وأبسطها: الانتقام سواء كانت صورته قانونية أو غير قانونية. في حالة بطلنا هنا، نرى أن من حقه طلب القصاص ما دام هو نفسه تعرض للاعتداء، لكنه في الوقت نفسه، وبحكم كونه غريبًا عن المكان عابرًا به وبحياة ابنته، ومن جهة أن الألم لم يقع عليه أساسًا، ومن جهة أنه لم يدفع عنها شيئًا حين كان الدفع يهم؛ حين كان للقتال قيمة بالنسبة لها؛ حين لم تكن المأساة المدمرة أبدية التأثير قد وقعت بالفعل.. من هذه النواحي مجتمعة فإن إدارة الموقف باعتباره القائد المخول باتخاذ القرارات المناسبة، ليست حقه بالكامل، بل حق الأخرى محل الضرر، والتي هي (ليزداد الأمر تعقيدًا) في حالة من التشابك النفسي والخضوع للمشاعر السامة لا تسمح بتعامل عقلاني مع الموقف، ما قد يستدعي، خاصة من الأب، فرض سيطرته على خلاف ما يسير نحوه التعديد السابق.

بعد ذلك تأتي مشكلة أخرى هي مشكلة الانفصال الحتمي. لم يخلق الآباء والأبناء ليعيشوا معًا، هذا ما يقوله “ديفيد” الذي يعلم أن قطع حياته مع ابنته والعودة إلى الأصل فرضٌ حان وقته، لكن أنَّى له الفراق وقد جمع بينهما خيط البلاء الوثيق؟ البقاء لا يساعد والرحيل ترفضه النفس، وقد أمست حمايتها المعنوية القديمة حقيقية الآن، لا لوقوع الاعتداء ولكن لقابلية الوضع لاعتداء ثانٍ بالنظر إلى بقاء مرتكبي الأول أحرارًا من غير عقاب.

لكن من بين جوانب الألم -وهي كثيرة- آذى “ديفيد” أكثر من غيره الشعورُ بأنه دخيل: دخيل على حياة ابنته وعالم القرويين المنغلق ودنيا المرأة التي من مفرداتها الاغتصاب، والذي هو حادث يمكن أن يستنكره بشكل واعٍ، ويمكن أن يبغضه بقلبه، ويمكن أن يتعاطف مع المعرضات له ويأسف لوجوده في العالم، لكنه، وبعد كل محاولة بلغت ما بلغت من الشدة، يظل بعيدًا ومُبعَدًا باعتباره رجلًا، ملومًا لكونه من جنس المعتدين، وشاعرًا بالذنب من جهة تهمته السابقة، ومشبوهًا من ناحية إخلاصه المعلن للشهوة وحق العجائز في العبث.

نرشح لك قراءة: كيف يتم التحرش بك إلكترونيًا؟ وماذا عليك أن تفعل لتتصدى لهذا التحرش؟!

إفساح موضع في العالم

خزي - ج. م. كويتزي - الاغتصاب
الغلاف الأصلي لرواية “خزي” للكاتب “ج. م. كويتزي”.

يتطور تعاطف بطل “خزي” مع الحيوانات في المرحلة التي تتلو الاعتداء: تألمه لدى عمليات قتل المريض منها الحتمية واليومية في العيادة البيطرية، ومظاهر إحسان يراعيها في التعامل مع جثث الكلاب الذاهبة للمحرقة. من الواضح أن هذا الاجتناب للأذى هو أثر التعرض له وصورة تفريغ المشاعر التي انتخبها عقله المعقد.

لكن من ناحية أخرى، كان قتل الكلاب العاجزة، الفائضة عن الحاجة وغير المرحب بها، المطالَبة بإفساح موضع في العالم لأخرى أنفع وأكثر شبابًا، كان هذا يذكره بنفسه؛ بتقدمه في العمر ومطالبة العالم الضمنية له بالانتقال من المتن إلى الحاشية، تمهيدًا لقُبُوعٍ في الهامش بعد بلوغ الستين في عشر سنوات أو ما شابه.

يعيدنا هذا إلى بداية رواية “خزي”، ويوضح الدافع الذي حمل “ديفيد” على اقتراف فعلته التي هي خوض علاقة مع طالبة، ولاحقًا رفضه القاطع (الذي كلفه وظيفته ومعاشه) للاعتذار وإبداء الندم: كان يستعيد شبابه لكنه يفعل ما هو أهم؛ أعني رفض استعباد الخلق له، ومقاومة تصرفهم على أساس أنه ما دام وصل إلى سن معينة فهو ملزم بتصرف معين ومحروم من لذات معينة وخاضع لحزمة قواعد تخصه دون من يصغره. لا بد أنه خلط بين هذا وذاك، ولو وقع الفعل عينه من أستاذ ثلاثيني لاستحق العقاب بطبيعة الحال، لكنه عانى من حساسية اقترنت مع التقدم في السن واستفزها أعداؤه لما ربطوا الخطأ به. أضف إلى هذا الفرق بين العقاب الذي أقر بالخضوع له ولم يجادل في استحقاقه، وبين ما يزيد عليه العالم الحريص على السيطرة على الخارجين عن قواعده.

مع ذلك، مع تفهمي لموقفه الذي أجاد الكاتب “ج. م. كويتزي” التعبير عنه، فإنه لا شك عندي في أن الفعل القبيح إذا صدر عن العجوز صار أقبح، وقد ورد على لسان الشارع ما يدل على هذا، وفي العقل ما يثبته، إذ إن المرء يفترض به التعلم من العيش، وكسب طرق مقاومة جديدة للمغريات الممنوعات، ومراعاة قربه من الموت، بل إن محض المراعاة لآداب السن مطلوبة، ربما ليس للحد الذي يرضى عنه المجتمع المتنمر بطبعه، لكن بالتأكيد إلى درجة يقرها العاقل ذو النظر.

نظرة ذاتية

بوستر الفيلم المأخوذ عن "خزي".
الاغتصاب من زاوية جانبية ضيقة: بوستر الفيلم المأخوذ عن رواية “خزي”.

لاحظ أن رواية “خزي” تبدأ بـ”ديفيد”، هو بطلها والمقصود بسردها، نسمع حكاية خلفيته ونرى الظروف التي بلّغته نقطة العيش مع ابنته. حتى الاغتصاب -وهو صلب الرواية تقريبًا- نشهده من منظوره هو لا من منظورها: ألا ترى أننا لم نطّلع على الحدث لأنه وقع بعيدًا عن حيث هو محبوس؟

وصف لنا الكاتب “ج. م. كويتزي” حصاره في الحمام المغلق بدلًا من أن يأخذ الكاميرا إلى الغرفة التي يتناوب فيها ثلاثة على اغتصاب امرأة. ما يحدث بعد ذلك يؤكد الانطباع: معظم الجمل الحوارية له، التركيز على وصف المشاعر والمخاوف والنتائج يصب في تطوير شخصيته.

في نظرتي للأمر، أخال الكاتب يسعى إلى إظهار حقيقة تعامل المجتمع مع الاغتصاب. فمهما احتدت نظرته وتعالى شجبه، ومهما تعاطف مع الضحية وساندها، فسوف يظل في النهاية ذا نظرة ذاتية: أكثر اهتمامًا بالأثر عليه ومفردات حياته من اهتمامه بالمرأة.

لا أرى كاتب رواية “خزي” يسوق هذا على سبيل الذم، بل هو تبيين لحقيقة أننا لا نشعر أبدًا بمأساة كما يشعر بها مُختبِرها. أما فيما يتعلق بآلام المرأة، وفي مجتمع يديره الرجل ويحدد قيمه وقواعده، فإن واجب كل من ارتفع عن الحيوان وكرمه الله بالعقل أن يفهم علوَّ هذه المعاناة عن التصور وحقارة مرتكبها، وخذلان العالم المستحق للهلاك لولا أن الدنيا ليست دار عقاب بل ممهدة لأخرى عادلة.

لكنه انتهى

إن ما يفعله الخِساس بلوم المرأة المعرضة للاعتداء على اختلاف صوره، أو التلميح إلى كونها حاملة لجزء من المسؤولية (ولو بالتذكير بشروط الحجاب الشرعي وعظم ذنب التبرج) لا يعدو أن يكون امتدادًا لهذا الانفصال عن المأساة، والعجز عن التماهي معها، والانغماس الدنيء في الذات. وهذا الانفصال مصيره الطبيعي (وهو مشاهَد) التوحد مع الطرف المقابل طرفِ المعتدين، واختلاق الأعذار لهم، والتخفيف من عيبهم، وتبرئتهم باستبعاد وقوع أفعالهم من الأصل، مع غفلة وضيعة تامة عن الأثر الشامل الذي يؤدي إليه تفشي مرض بهذه القدرة المهلكة؛ التفشي الذي يجعل أولئك المذكورين أنفسهم، فضلًا عن أهليهم، معرضين للخطر وأحرياء بفقد الأمن.

في المواجهة التي تحدث قرب نهاية رواية “خزي” للكاتب “ج. م. كويتزي” بين “ديفيد” و”بتروس”، تجد هذا الأخير، والذي قرر إيواء أحد المعتدين وحمايته، يلخص الأمر بأنه “سيء، لكنه انتهى”. إنه هذا الأسلوب المقاوم لعدم الارتياح الناشئ عن الموضوع: “خلصونا” من هذه الحكاية، دعونا لا نتحدث عن القضايا الحساسة كثيرًا، دعونا لا نطالب بتبعات وتشريعات وآليات ردع مستقبلية، لنسخر في تريندات مواقع التواصل، لنهزأ من لب المشكلة بإثارة ألف موضوع شبه متعلق بها، حدث وانتهى، حيوات تعرضت للتدمير وكفى.

0

شاركنا رأيك حول "الاغتصاب من زاوية جانبية ضيقة: حديث عن رواية خزي للكاتب ج. م. كويتزي"