0

في حربٍ من نوعٍ آخر، يتهيّب أطرافها، وتندلع معاركها في فضاءٍ افتراضيّ، لا تقل جديّتها وخطورتها عن حروب الواقع. ومن آخر هذه القضايا وأكثر غرابة ربما، ما أفصح عنه إيلون ماسك رجل الأعمال الأمريكي والمدير التنفيذي لمصانع “تيسلا”، على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي. فما الذي جرى!

 

التغريدة

تغريدة إيلون ماسك حول بناء الأهرامات

“المخلوقات الفضائية هي من بَنَت الأهرامات المصرية، وهذا واضح”. هكذا غرّد إيلون ماسك يوم الجمعة الفائت على تويتر مازحًا، ليلحق تغريدته بعدة تعليقات تثبت أنه لم يعني ما قاله، لكن التغريدة الغريبة أُعيد تغريدها أكثر من 99.6 ألف مرة، ثم ليأتي الرد من السلطات الرسمية على لسان وزيرة التعاون الدولي المصرية، رانيا الشماط، والتي غرّدت بدورها على تويتر قائلةً: “أتابع أعمالك بإعجابٍ كبير. وأدعوك أنت وشركة SpaceX إلى البحث في المزيد من الكتابات عن كيفية بناء الأهرامات، والاطّلاع على مقابر البناة. سيد ماسك، نحن في انتظارك”.

 


وفي المقابل، ردّ عالم الآثار المصرية زاهي حوّاس على تغريدة ماسك، من خلال نشر مقطع فيديو قصير متحدثًا باللغة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي، قائلًا أن ادّعاء ماسك ما هو إلّا هلوسات. كما نقلت بعض المواقع قول حوّاس التالي: “عثرتُ على القبور الخاصة بـبناة الأهرامات، والتي تخبر الجميع أنّ بناة الأهرامات كانوا مصريين، ولم يكونوا عبيدًا”.

بين كل فترة وأُخرى، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بهكذا أنواع من الجدالات ووجهات النظر، وبالطبع ليس إيلون ماسك أول من افترض ولو مازحًا أن الأهرامات ليست من صنع البشر، إلا أنّ الغريب في الأمر أن يأتي شخصٌ كماسك على ذكر هذه الافتراضات، وهو مؤسس شركة “سبيس إكس” لصناعة المركبات الفضائية وإطلاق البعثات الفضائية، ومؤسس مساعد في شركة “تيسلا” لتصنيع المركبات الكهربائية والأنظمة الشمسية. ويعتبر من أغنى الأشخاص على كوكب الأرض، ومن أكثرهم نفوذًا.

إذًا، دعونا بناءً على ما حدث، نلقي الضوء على هذه القضية، الأهرامات المصرية، مَن بناها؟ متى ولماذا؟

بدايةً ما هي الأهرامات؟

هذه الصروح المعمارية “الجنائزية” المذهلة والشامخة وسط صحراء مصر، والتي تعتبر -خاصةً أهرامات الجيزة- من أروع الهياكل التي صنعها الإنسان في التاريخ. بُنيت في زمنٍ كانت فيه مصر واحدةً من أغنى وأقوى الحضارات في العالم. أما حجمها الضخم فيعكس الدور الفريد الذي لعبه الفرعون، أو الملك، في المجتمع المصري القديم.

الأهرامات

وعلى الرغم من أنّ تبنيّ هذا الأسلوب البنائي قد استمر منذ بداية المملكة القديمة حتى نهاية الفترة البطلمية في القرن الرابع الميلادي، أي امتد على مدى 2700 عام، إلا أنّ ذروة البناء الهرمي، أو لنقل عصر الهرم بامتياز، كان قد بدأ مع أواخر الأُسرة الحاكمة الثالثة، وانتهى تقريبًا مع الأسرة السادسة (2686- 2325 قبل الميلاد). وخلال تلك السنوات، كان الهرم هو النوع المعتاد من المقابر الملكية. 

في البداية، كانت المقابر الملكية تُنحَت في الصخور وتُغطَّى بهياكل مستطيلة ذات أسطح مستوية تُعرَف بـ”المصاطب”. أما أقدم هرمٍ معروف في مصر فقد بُنِي عام 2630 قبل الميلاد، للفرعون زوسر من العائلة الحاكمة الثالثة، في منطقة سقارة. وقد بدأ كمصطبة تقليدية، لكنه وبأمرٍ من مهندس الهرم “أمحوتب”، قام بناة الهرم بتجميع ست طبقات متدرجة من الحجر فوق بعضها البعض ليصل طوله إلى 62 مترًا، ودُعي بالهرم المُدرَّج، وأحيط بمجموعة من المعابد والأفنية والأضرحة.

الأهرامات
هرم زوسر

بعد زوسر، أصبح الهرم المتدرج الشكل النموذجي للقبور الملكية. أما أقدم قبر تم بناؤه على شكل هرم “حقيقي” أملس الجوانب وليس متدرجًا، كان الهرم الأحمر في دهشور، وهو واحدٌ من ثلاثة هياكل دفنٍ بُنيت للفرعون “سنفرو”، وهو الملك الأول من الأسرة الرابعة في الفترة (2613-2589 قبل الميلاد).

ورغم وجود العديد من الأهرامات في أرض مصر، إلا أنّ أشهرها وأعظمها على الإطلاق هي الأهرامات الثلاثة العظيمة في الجيزة، المنطقة الواقعة على الضفة الغربية من نهر النيل، في ضواحي القاهرة الحديثة. أما أقدم وأكبر أهرامات الجيزة الثلاثة، هو الهرم الأكبر، الهيكل الوحيد المتبقي من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. وهو هرم الفرعون “خوفو“، الملك الثاني من الأسرة الحاكمة الرابعة (2589-2566 قبل االميلاد). ويبلغ ارتفاعه 147 مترًا، وهو مثله مثل باقي الأهرامات الأُخرى ليس هيكلًا منعزلًا، بل يحيط به العديد من المصاطب والمعابد، بالإضافة إلى ثلاثة أهرامات صغيرة إلى جانبه بنيت لملكات خوفو.

الأهرامات

ثاني أطول أهرامات الجيزة هو لابن “خوفو”، الفرعون “خفرع” (2558-2532 قبل الميلاد)، ومن أهم ما يميز مجمّع هذا الهرم هو احتواؤه على تمثال أبو الهول، وهو تمثال منحوت في الحجر الجيري برأس رجل وجسد أسد، وهو أكبر تمثال بُني في العالم القديم.

الأهرامات

أما أقصر الأهرامات الثلاثة فهو لابن “خفرع”، الفرعون “منقرع” (2532-2503 قبل الميلاد)، ويعتبر مقدمة للأهرامات الأصغر التي سيتم بناؤها في عهد الأُسَر الحاكمة الخامسة والسادسة.

ما الهدف من بناء الأهرامات؟

على مدى سنوات عديدة قبل الميلاد، تمتعت مصر بمقدارٍ كبير من الازدهار الاقتصادي والاستقرار الهائل، وهي الأسباب التي جعلت الملوك تتبوأ مكانةً فريدةً في المجتمع المصري، مكانةٌ متوسطةٌ ما بين الإنسان والإله، بل قد ساد اعتقادُ أنّ الآلهة ذاتها قد اختارتهم ليكونوا وسطاء على الأرض. لهذا السبب، كان من مصلحة الجميع الحفاظ على جلالة الملك سليمًا حتى بعد وفاته.

لذا فقد بُنيت الأهرامات بدوافع دينية؛ إذ كان المصريون من أولى الحضارات التي آمنت بالحياة الآخرة، أو الحياة ما بعد الموت. كانوا يعتقدون أنّه بعد موت الملك (الفرعون) يبقى مع جسده جزءٌ من روحه، تُدعى “كا”، ولرعاية روحه بالشكل الصحيح، يتم تحنيط الجثة، وتزويد القبر بكل ما قد يحتاجه الملك في الحياة الآخرة، من طعامٍ وأثاثٍ بالإضافة إلى الأواني والتحف الذهبية والفضية والبرونزية وغيرها، والتي تُنقَل إلى المناطق الداخلية للقبور العظيمة، كما زُيِّنت الغرف السرية بالأعمال الفنية، ونفش الفنانون لوحاتٍ للأنشطة البشرية على الجدران الداخلية، بل إنّ بعض الأهرامات قد جُهِّزت حتى بغرفةٍ للفرعون.

الأهرامات

يمكن القول أنّ أولئك المحظوظون بما يكفي لاجتياز اختبار أوزوريس (وزن أعمال الميت؛ بحيث يذهب الإنسان الصالح إلى الجنة ليعيش سعيدًا راضيًا، في حين يُحكم على الإنسان العصيّ بالموت التهامًا بواسطة حيوان خرافيّ) أرادوا أن يتمتعوا بالراحة في الحياة ما بعد الأرضية.

إذًا فالأهرامات العظيمة ما هي إلا قبورٌ كبرى للفراعنة الأقوياء. وقد اعتقد المصريون أن التعديّ على ملجأ الفرعون المستريح يجلب اللعنات الأبدية. وقد تمّ إخفاء مدخل الغرف الداخلية بعناية خوفًا من اللصوص، كما قد وضِعت مومياء الفرعون في تابوتٍ ضخمٍ مصنوع من أثقل الكتل الحجرية المعروفة، إلا أنّ ذلك كله لم يحمِ القبور من هجمات اللصوص على مر السنين.

الفرضيات حول الأهرامات

منذ أكثر من 4000 عام مضى، ولا تزال الأهرامات تخطف أنفاسنا، لا زلنا حتى اليوم نقف متواضعين خاشعين أمام عظمتها وغموضها. وليس الغريب أننا ما زلنا نسأل من بناها، بل الغريب كيف أنّ كل مجموعة بشرية تحاول تفسير بنائها حسب اعتقاداتها وأفكارها الخاصة، استنادًا إلى أدلة واهية موجودة في عقولها فقط. على سبيل المثال: يفترض البعض أن بناة الأهرامات ليسوا من كوكب الأرض، بل من المخلوقات الفضائية. وهذا التوّجه غالبًا ما نجده عند الغربيين، فليست الكائنات الفضائية التي تزور الأرض بموضوع مستبعد عند بعض هؤلاء. في حين أنّ العديد من الشرقيين أو لنقل سكان الشرق الأوسط يؤمنون أنّ قومًا يُدعَون “قوم عاد” يتميزون بقوة جسدية هائلة هم من بنى الأهرامات وليسوا الفراعنة، وبالطبع يستدلون على أقوالهم بآيات قرآنية.

بالإضافة إلى وجود مجموعات أُخرى من الناس، لا يمكنها أن تتخيل عملية بناء الأهرامات دون أن تومض في أذهانها، صورٌ لرجال أسرى يعملون تحت الشمس الحارقة وتحت سياط أسيادهم، عبيدٌ يتعذبون ويُذَلّون وهم ينقلون الحجارة الضخمة. لكن في الواقع، فإنّ الكتابات على الجدران الداخلية لآثار الجيزة ذاتها لطالما اقترحت شيئًا مختلفًا. إذًا دعونا نضع هذا الخيال الهوليوودي بعيدًا قليلًا، ولننظر في نتائج أبحاث علماء الآثار المصرية.

حتى وقتٍ قريب، طغت الأعمال الفنية المذهلة للأهرامات والكنوز الذهبية للفراعنة على جهود علماء الآثار الرامية لفهم كيفية تعبئة القوى البشرية -وربما من جميع مستويات المجتمع المصري- في بناء الأهرامات. أما الآن، واعتمادًا على خيوط متنوعة من الأدلة، من التاريخ الجيولوجي إلى تحليل ترتيبات المعيشة، وتكنولوجيا صناعة الخبز، وبقايا الحيوانات، فقد بدأ علماء الآثار المصرية بصياغة الجواب، البناة لم يكونوا عبيدًا.

آثارهم تدل عليهم

لطالما اعتقد علماء المصريات أنّ مواقع البناء كانت مدعومةً بقرى خاصة بالعمال بُنِيت لهذا الغرض، لكن لم تتوفر أي أدلة أثرية تدعم هذا الاعتقاد حتى نهاية العصر الفيكتوري. ثمّ وفي عام 1988، تم تأكيد النظرية أخيرًا. وذلك عندما بدأ عالم الآثار البريطاني “فليندرز بيتري” البحث في مجمع هرم سنوسرت الثاني (هرم اللاهون) الموجود على مشارف مدينة اللاهون (بمحافظة الفيوم)، وهناك بيّنت مستوطنةٌ ذات أسوار متراصة، ما يبدو أنها خطةٌ لمدينة كاملة، ذات صفوفٍ أنيقة من المنازل، مدرجات من الطوب، ثروة من البرديات والفخار والأدوات والملابس وألعاب الأطفال، كل حطام الحياة اليومية التي عادةً ما تكون مفقودة من المواقع المصرية، إذًا فقد وجدت مدينة عمال اللاهون.

الأهرامات

إذًا وفي حال أردنا أن نفهم الهرم الأكبر في الجيزة، كنصبٍ تذكاري من صنع البشر، فهذه هي الأدلة التي ينبغي علينا البحث عنها. لكن ومع وجود العديد من المقابر الرائعة المكتشفة، كما ذكرنا سابقًا، فإنّ قلّةٌ من علماء الآثار المصرية الأوائل كانوا على استعداد لإضاعة الوقت للبحث في الهندسة المعمارية المحلية. وفي الآونة الأخيرة فقط، وبفضل الحفريات الجارية لعلماء الآثار المصرية مارك لينر وزاهي حوّاس، حتى بدأ التنقيب حول قاعد الهرم الأكبر بحثًا عن قصص بناة الهرم.

من هم البناة؟

يقول المؤرخ اليوناني “هيرودوت” أنّ مئة ألف من العبيد هم من بنى “الهرم الأكبر”، لكنه مخطئ بالطبع. فالفرعون خوفو لم يكن يملك مثل هذا العدد الكبير من العبيد، وحتى لو كان يمتلكه، فلا توجد طريقة يتمكّن فيها مئة ألف شخص من العمل معًا على هرمٍ واحد.

وعلى الرغم من أنّ جميع علماء الآثار لديهم طرقهم الخاصة لحساب عدد العاملين في الجيزة، إلا أنّ معظمهم يتفق على أنّ الهرم الأكبر قد بُنِي على أيدي ما يقارب الـ 4000 عامل أساسي من عمال المحاجر والناقلين والبنائين، بالإضافة إلى (16,000-20,000) عامل ثانوي، كبناة المنحدرات، وصانعي الأدوات، وأولئك الذين يقدّمون خدمات الدعم الأُخرى كتوفير الطعام والملابس والوقود. هذا يعني أنّ الهرم احتاج إلى عدد من العمال يتراوح ما بين (20,000-25,000) عامل يعملون لمدة 20 عامًا أو أكثر.

الأهرامات

بالإضافة إلى تقسيم العمل ما بين أساسي وثانوي، فقد قُسِّم العمّال إلى قوة عاملة دائمة ويبلغ عددها حوالي 5000 عامل، يتلقون أجورهم ويعيشون مع أسرهم في قرى دائمة بُنيت أساسًا للعمال تدعى بقرى الهرم. بالإضافة إلى حوالي 20,000 عامل يعملون بصورة مؤقتة، في نوبات عمل تتراوح ما بين 3 إلى 4 أشهر، وقد عاشوا هؤلاء في مخيمات بجانب قرى الهرم لكنها أقل تطورًا من القرى.

لكن من أين أتى هؤلاء العمال؟ بينت الأبحاث التي اعتمدت على مقارنة الحمض النووي المأخوذ من عظام العمال بالعينات المأخوذة من المصريين المعاصرين، أن هرم “خوفو” كان مشروعًا حقيقيًا على المستوى الوطني؛ إذ تمّ جذب العمال إلى الجيزة من جميع أنحاء مصر. وعلى ما يبدو، أنّ كل أُسرةٍ مصرية قد شاركت تقريبًا بشكل مباشر أو غير مباشر في بناء الهرم. إذًا عمال الهرم لم يكونوا عبيدًا. بل كانوا موظفين يتلقون أجرًا، ويتمتعون بنظام غذائي غنيّ بالبروتين، ورعايةٍ صحية.

وربما يكونون ضحايا غير راغبين بالحراسة أو العمل الإلزامي، لكنه النظام الذي سمح للفرعون بإجبار شعبه على العمل لمدة ثلاثة أو أربع أشهر في مشاريع الدولة، وفي حال جرت الأمور على هذا النظام، فيمكن أن نتخيل أنّ أسماء العمال قد تم اختيارهم بشكل عشوائي من السجلات المحلية. في حين اقترح كل من مارك لينر وزاهي حوّاس أنّ العمال ربما كانوا متطوعين، حيث يعتقد حوّاس أنّ رمزية الهرم كانت قوية بما يكفي لتشجيع الناس على التطوّع في المشروع الوطني الأعلى.

0

شاركنا رأيك حول "للتذكير فقط: مصريون أحرار هم بناة الأهرامات لا كائنات فضائية ولا عبيد"