رواية منافي الرّب
0

تعد رواية منافي الرّب هي الأبرز في مسيرة الكاتب المصري “أشرف الخمايسي”، لأنها تبلور الفكرة التي ينشغل بها في كتاباته، وهي تحقيق الخلود.

البطل “حجيزي بن شديد الواعري”، الذي ينتمي إلى واحة “الوعرة”، يرفض فكرة الموت، ويريد بشتى الطرق أن يتحصّن منه، فتقوده رغبته إلى خوض مغامرة روحية بديعة، ساعيًا للمعرفة التي يطمئن بها قلبه.

البطل “حجيزي”، العجوز الذي تجاوز 100 عام من عمره لا يرفض الموت بشكل تام، لكنه يرفضه بشكله التقليدي، لا يريد أن يدفن، يخشى تلك الوحدة التي سيلاقيها بعد موته.

حجيزي يقرر أن يذهب في رحلة إنسانية عميقة، كي يسد جوعه الوجودي، ويجد إجابة لأسئلته حول ما بعد الموت والخلود، ويضع يده على الحل الذي سيمكنه من تجنب ما يخشاه؛ العزلة.

يحاول ابن واحة الوعرة، في سبيل تحقيق مراده، أن يجد ضالته لدى التحنيط، لكنه لا يفلح، فيتبع أحد الرهبان في منفاهم الاختياري في الصحراء، لعله يجد ما يبحث عنه في المسيحية بصحبتهم، لكنّه يفشل في الوصول إلى غايته، فيغادرهم.

رواية منافي الرّب والسعي نحو الخلود

رواية منافي الرّب - أشرف الخمايسي
غلاف رواية منافي الرّب للكاتب المصري أشرف الخمايسي.

رواية منافي الرّب للكاتب المصري أشرف الخمايسي تعتبر تجسيدًا للقلق الوجودي والضعف الإنساني في مواجهة القدر، عبر لغة واقعية فريدة، قد يراها البعض جارحة وحادة، لكنها تناسب الشخصيات، والبيئة الصحراوية التي تشهد الأحداث.

الفضاء الصحراوي للرواية يلعب دورًا كبيرًا في تأمل البطل في الوجود، فالفراغ يحيل دائمًا إلى أسئلة، والأسئلة تحتاج إلى إجابات. من جانب آخر، أعطى هذا الفضاء الواسع للكاتب، مساحة كي يكتب روايته بشكل فوضوي داخل الزمن، ليضع القارئ دون دليل في الصحراء، وعليه -مثل البطل حجيزي- أن يعثر على طريق الخروج من هذه المتاهة وحده.

لاقت رواية منافي الرّب اهتمامًا واسعًا عند صدورها عام 2013، خاصة بعد وصولها إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر.

معضلة الحياة

الكاتب المصري أشرف الخمايسي مؤلف رواية منافي الرّب.

تطرح رواية منافي الرّب عبر هذا الصراع الذي يخوضه البطل حجيزي ضد الموت، العديد من الأفكار العميقة، إلى جانب الخلود والموت، مثل علاقة الإنسان بالله، وقيمة العطاء، وأهمية الإيمان، فضلًا عن دور المتع الدنيوية في تعميق الحياة أو تهميشها.

لكن يبدو أن الفكرة الأهم لرواية منافي الرّب تتمثل في السؤال: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يرفض؟ وهل الرفض من شأنه أن يكون مجديًا، أم أن نهايته ستحيل دائمًا إلى الأسوأ؟

رفض حجيزي لفكرة الدفن، ورغبته في تحقيق الخلود، هو بشكل ما رفضٌ للحياة، وهو ما يعني إفسادها، لأن الإنسان دائمًا ما يجد نفسه بين خيارين: إما أن يتقبل الحياة كما هي ويسعد بها، أو أن يرفضها، ويتحمل عواقب هذا.

“لا يريد أن يدفن، وفي نفس الوقت، لا يريد أن يُترك على وجه الأرض فتأكله الكلاب، أو تنهشه الوحدة، لا يهرب حجيزي من الدفن، سوى لأنه الوحدة الصرف، وهو يحب الونس، ولن يقبله الأحياء بينهم، لو أنه تعفن، لو استطاع التخلص من العفن، لن ينفر منه الأحياء، وسيتركون جسده بينهم، وإذا كان الخلاص من الموت مستحيلًا، فالخلاص من الدفن ممكنًا، لو أنه أحسن تنفيذ الخطة”.

إنها مسألة تتعلق بمعضلة أساسية في الحياة، طرفها التفكير العميق من ناحية، والسعادة من ناحية أخرى؛ فالإنسان الحرّ بالتأكيد لا يرضى بحياة تقليدية، و”لماذا” ينبغي أن تكون حاضرة إذا أراد أن يحقق إنسانيته، لكنه إذا خاض هذا الطريق، ليس بإمكانه الجزم بأنه سيتجنب الشقاء.

يعرف حجيزي أنه سبب هذا التعب الذي أنهك روحه، ويعترف به، لأن رفضه تجاوز حدود قدرته، وقرر مواجهة الموت، الذي هو ألد أعداء الإنسان، بدلًا من الاستمتاع بحياته مع بقية أهل الواحة.

“لماذا يدفن الناس موتاهم؟ بأي قلب يدفن الناس أعز الناس؟ من الذي علم الإنسان هذه القسوة؟ من الذي علم الإنسان دفن أحبائه؟ من الذي أوحى إلينا بدفن أعز الناس إذا ماتوا؟”.

الحل في المعرفة

رغم أسئلة حجيزي المنكرة هذه حول الدفن والموت، ورغبته الجانحة في ألا يدفن، لكن رفضه لم يكن مطلقًا، لأنه فقط كان يبحث عن حل، يريد أن تطمئن نفسه، أن يهدأ عقله ويكف عن التذمر.

خاض حجيزي مغامرة روحية مع الراهب، أعاد فيها استكشاف علاقة الإنسان بالله، وضرورة المعاناة الإنسانية، كي يرتقي الإنسان بروحه، ويصل إلى الطمأنينة المنشودة، لأنه لا سعادة بلا شقاء.

الحل الذي تطرحه رواية منافي الرّب للأزمة الوجودية التي وضع فيها حجيزي نفسه، يتمثل في تحقيق المعرفة التي تنتهي بها رحلة الرفض والشك والأسئلة المنكرة، حتى يصل إلى الإيمان المطمئن الذي يجعل من الحياة وسيلة للسعادة، وليست مرتعًا للموت.

تطرح الرواية أنه بالإيمان وحده -الذي يتحقق بالمعرفة- يمكن للإنسان أن ينجو من آلامه، أن يهزم مخاوفه، فيعيش مطمئنًا، هادئ البال.

“أكثر ما يتعب الإنسان منا، ويفقده بهجة حياته هو التفكير العميق”.

منافي الإنسان

أثناء وجوده في عزلته مع الرهبان، بحثًا عما يحفظ جسده من الموت، يكتشف حجيزي أن هذا المنفى، لا يحقق للإنسان أي سعادة، فالله لم يرد للإنسان أن يقدّس هذه المنافي التي هي موطن للشقاء.

عرف حجيزي أن الله أراد أن يحيا الإنسان حياة مبهجة، ويسعد بها، وفي الوقت ذاته أن يرتقي بروحه، و أن السبيل المضمون لسعادة الإنسان، ليس بعيدًا تمامًا عن قدرته، لكن يحتاج إلى الحكمة، والشجاعة الكافية لمواجهة خرافاته.

حجيزي كان ضعيفًا، لأن جهله تمكّن منه، وهو السبب الذي جعله يذهب بإرادته إلى المنفى، ظنًا منه بأنها ستكون وسيلته للنجاة، لكنها لم تكن سوى وسيلة للهروب من الحياة، وهذا ما لم يكن يبحث عنه.

رواية منافي الرّب للكاتب المصري أشرف الخمايسي تعلمنا ألا نخشى التجربة، لكن علينا أن نتعلم منها، وأن مآسي الحياة لا بد منها، لكن على الإنسان أن يتجاوزها قدر الإمكان، وألا يصير قيدها طيلة حياته، لأنه بهذا يكون قد كتب على نفسه العذاب.

حجيزي يمثل جزءًا من كل إنسان، بآلامه ورغباته ورفضه لما هو أكبر منه. هو كل إنسان مثقل بهموم الوجود، تقوده “لماذا” ولا يخشى توابعها، أراد أن يتحمل المسؤولية، وأن يسلك طريق المعرفة إلى آخره، فانتهى إلى الإنسان هو الذي يخلق منافيه، لا الرب.

0

شاركنا رأيك حول "رواية منافي الرّب للكاتب أشرف الخمايسي: رحلة رفض الواقع والسعي نحو الخلود!"