قبل الموت بلحظات: ماذا كانت أمنيات هؤلاء؟
0

عندما تشرف المسيرة على الانتهاء، ويدق الموت الباب، لا يكون هنالك بدّ مما ليس فيه بدّ، وتبقى الأمنيات الكثيرة التي تراود أحدهم قبل أن يودع العالم وتمرّ عليه كشريط حياتيّ طويل لتذكّره بما كان يفترض به الحدوث مجرّد محاولة مستميتة أخيرة تربطه بالحياة. فإن صرّح بها صارت عبرًا يأخذها الذين من بعده كي لا يتكرّر الخطأ مرة أخرى.

 حوائج لم تقض، وآمال لم تنل، وأنفس ماتت بحسراتها – كتاب قيمة الزمن عند العلماء.

وبينما الفرصة متاحة لنا، وبينما نحن في أوج ارتباطنا بهذه الحياة، فإنه من الواجب علينا أن ننظر إلى ما تمنّاه الآخرون في سرير موتهم، ونستخلص من أمنياتهم تلك دروسًا وعبرًا.

العامل المشترك للأمنيات قبل الموت: قيمة معنوية أكثر!

المشرف على الرحيل يرى الأمور بشكل أوضح وأوسع، لأنّ كل عامل مشتّت من العوامل النفسية والجسدية والمجتمعية، يصبح بلا حكم ولا أثر. لقد كانت النقطة المشتركة بين أمنيات كلّ من طالعه الموت هي احتواؤها على قيمة معنوية أكثر. لم تكن هناك أي رغبة في ممارسة الجنس، أو أكل ألذ الطعام، أو ركوب منطاد، أو القفز بالمطاط.

بروني واير ـ Bronnie Ware ممرضة أسترالية، رافقت الكثيرين في آخر أيامهم طوال سنوات كثيرة، واستخلصت أكثر الأمنيات شيوعًا بين الراحلين، وكانت أبرزها عبارة:

ليتني لم أعمل بكل ذلك الجهد.

والتي قيلت من طرف الرجال خاصة، ومن بين ما قامت الممرضة برصده كذلك، ما سنذكره تاليًا.

شجاعة عيش حياة حقيقيّة

معظم النّاس لا ينتبهون إلى أنهم وخلال حياتهم، يعيشون بطريقة هي أقرب إلى إرضاء الآخرين منها إلى الإرضاء الشخصيّ. ويندمون حينها على الكمّ الهائل من الأحلام التي أرادوا تحقيقها لكنّهم لم يفعلوا لأنّ نظرة الغير إليهم كانت أهم، ولأنهم انشغلوا بفعل ما يتوقعه الآخرون منهم.

لقد تيقنوا قبل دقّ الموت لبابهم بدقائق بأنهم لم يمتلكوا الشجاعة الكافية لعيش حياة “حقيقية”، وندموا على ذلك.

أتذكر هنا مثلًا شعبيًّا جزائريًّا يقول:

لي يدنق لهدرة الناس يبات يحسب فالنجوم.

بمعنى أن الناظر لما يقوله الآخرون ويعتقدونه والمتفاني في إرضائهم، لن تأتي محاولاته المستحيلة بأي نتيجة، تمامًا كمن أراد أن يحصي كل نجوم السماء، هل سينجح؟

ليتني عبرت عن مشاعري قبل مجيء الموت!

الكثيرون قاموا بقمع مشاعرهم وكتمانها خاصة السيئة منها. لا لشيء، فقط لأنهم أرادوا الحفاظ على السلام مع الآخرين. لكنهم وفي محاولاتهم للمسالمة ونشر الهدوء قد دفعوا راحتهم النفسية ثمنًا لذلك وتسبّب لهم الأمر في أمراض نفسية، وحالات من الملل والاستياء وحتى الاكتئاب.

قبل الموت - رجل مسن على فراش المشفى

لا خطأ في قول “لا”، لا خطأ في إبداء عدم إعجابنا بتصرف معين، لا خطأ في أن نكون أنفسنا ونعبر عن مشاعرنا مهما كانت عاقبة ذلك. في النهاية، إرضاء الناس غاية لا تدرك. والموت ربما يأتيك في أي وقت، وعندها ستندم على الوقت الذي ضيعته في إرضاء الآخرين.

ساعات طويلة في العمل: لم يكن الأمر يستحقّ!

عبّر الرجال -خاصة- في آخر أيامهم عن ندمهم لقضاء ساعات طويلة في العمل، على حساب الوقت الواجب إعطاءه لأولادهم وزوجاتهم.

تقول الممرضة بروني واير أن معظم الرجال الذين قامت بتمريضهم أفصحوا لها عن ندمهم على تكريس حياتهم لحلقة مفرغة من العمل الدائم، ودحض حق أحبائهم في البقاء معهم لوقت أطول.

لا شيء يعدل جوًّا أسريًّا دافئًا وحميميًا، والطمأنينة التي يورثها وجود أمّ بجانبنا أو طفل يلعب معنا لا تعوضها ساعات العمل ولا الترقيات الكثيرة ولا الأموال الطائلة. حتى بدون طرق الموت للأبواب، تلك اللحظات لا تقدر بثمن في وقت الفرح أو الحزن.

 كانت السعادة خيارًا، لكننا لم نختره!

أبدت الممرضة دهشتها من أنّ معظم الذين عرفتهم قد ندموا على عدم اتخاذهم لقرار السعادة. لقد أدركوا أن السعادة كانت خيارًا متاحًا بعد اقترابهم من الموت جدًا، لكنهم كانوا عالقين في العادات والأطر القديمة التي حددوها بأنفسهم، وتظاهروا أمام ذواتهم وأمام الآخرين بأنهم كانوا سعداء، حتى لا يشعروا بأنهم مضطرين إلى التغيير ووضع خطوة أخرى إلى الأمام.

قبل الموت - رجل مسن على فراش المشفى

لقد كانوا مخطئين، وفوتوا عليهم فوق ذلك خيار السعادة!

الرضى كنز تتداركه عند دق الموت للباب!

من بين النقاط المشتركة التي يتمناها الكثيرون هو رضاهم بما كان لديهم وتقديرهم له. نحن نريد من الحياة المزيد دومًا، ويطفو حسّ الطمع فينا ليتصدر قائمة انشغالاتنا، فننسى في غمرة كل ذلك جميع النعم التي نمتلكها وننسى تقديرها مما يضعنا في دوامة متشابكة من اللهاث الدائم وراء قشور الأشياء، ومما ينسينا جوهرها وجوهر وجودها.

هل أخبرت الآخرين كم أحبهم؟

ديون كثيرة ننساها في غياهب الكبرياء والمماطلة لكنها تكلفنا ندمًا كبيرًا خاصة إذا فات الأوان ولم ينفع الندم.

نحن نملك عطشًا فطريًّا نحو الشعور بأنّنا محبوبون، ونتقصى هذا الشعور مثل يتيم يبحث عن رغيف خبز. لكن بالمقابل، هل أخبرنا الآخرين عن مدى حبنا لهم؟ وعن مكانتهم في قلوبنا؟ هل كنا شجعان بما فيه الكفاية للتعبير عن مشاعرنا؟

 إذا أحب الرّجل أخاه، فليخبره أنه يحبه – حديث نبويّ شريف.

ليتني أحسنت اختيار الرفيق!

الوسط الذي نحيط به أنفسنا ينعكس حتمًا علينا، إمّا بالإيجاب أو بالسلب.

شخصيًّا، لا أؤمن كثيرًا بمقولة: “قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت”؛ لأن عوامل التقبل والمصالح المشتركة في الحياة وقبل الموت بشكلٍ عام، وأيضًا تداخل بعض الاهتمامات حتى مع الشخص الخطأ تلعب دورًا كبيرًا في عدم الأصحية التامة للمقولة.

الموت - عائلة في حديقة

لكن بالمقابل، وعينا في الخيارات قد يحدد الشخص الذي سنكون عليه، فلو اخترنا المرافقة الدائمة لمجموعة من الكسالى واللامبالين، فإن هناك احتمالًا كبيرًا واردًا في أن نكون أحدهم. بإمكانك اختيار أشخاص يشجعونك دائمًا، ويدفعونك للنموّ!

أصاب حدسي، وأخطأت أنا!

ذلك الصوت الخفي الهامس الذي راودك في عشرات العشرات من المواقف مرفوقًا بخفقات قلب سريعة وشعور بعدم الارتياح هو في الحقيقة موجود لسبب ما. لكنك أصررت في كل مرة أن تتجاوزه وقررت ألا تستمع إليه، ثم ندمت بعد ذلك! لأنّ حدسك كان مصيبًا ولأنّك كنت المخطئ!

كان لديّ وقت كثير لكني لم أستغلّه!

وهنا يظهر فخ التسويف والمماطلة، وتظهر عواقب عدم الاستغلال الأمثل للوقت في التطوير الذاتي، وتعلم مهارات جديدة، وقضاء لحظات لا تعوض مع الرفاق، وتحدي أنفسنا في مواجهة نقاط ضعفنا، وتجربة أشياء كنا نعتقد أننا لم نخلق لها.

كان جسمي يستحق اهتمامًا أفضل والآن الموت ذكرني!

يندم الكثيرون على عدم تبنيهم لعادات صحية قبل مجيء الموت، وعدم اهتمامهم بأجسامهم بالشكل الكافي.

وعمومًا، نحن لا ننتبه لذلك حتى تحدث مشكلة صحية ما، حينها نتفانى في إطلاق الوعود على أنفسنا بالإقلاع عن التدخين، وتبني أنظمة غذائية صحية، ومراجعة الطبيب دوريًّا. لكننا لا نعلم أنّ عادات صغيرة كل يوم بإمكانها أن تحدث فرقًا كبيرًا بمرور الأيام.

الحسرة -يا أصدقائي- شعور موجع، والندم على ما فات لا علاج له إن نحن وصلنا إلى نهاية الطريق. إنّ اللحظة المناسبة لقيامكم بما تودونه هي الآن، وأي تأجيل أو تسويف ما هو إلا تمهيد لتنهدات التمني، وضعف الحيلة!

0

شاركنا رأيك حول "قبل الموت بلحظات: ماذا كانت أمنيات هؤلاء؟"