المثقف ووسائل المعرفة: هل تصنع الكتب.. إنسانًا؟
5

تتردد كلمات مثل: المثقف والثقافة أمامنا كثيرًا، مئات المقاطع على اليوتيوب، وعشرات الكتب، والمقالات، وجميعهم يتحدثون عن أمور تدور في الفلك نفسه مثل: كيف تصبح مثقفًا في عام واحد؟ خمسة كتب فقط تجعلك مثقفًا، وكثير من عناوين الأخرى، جميعها حول نفس الموضوع بصياغات مختلفة، وانتشار هذا الأمر يجعلنا في حاجة للتساؤل ليس عن صدق هذه العناوين وواقعيتها فقط، بل عن أهمية القراءة من الأساس خصوصًا في عصرنا الحالي.

الصورة الكلاسيكية للمثقف نظارة وقهوة وكتاب، بالطبيع ينقص الصورة مكتب كبير والكثير من الأوراق وضوء خافت

من هو المثقف؟

تختلف إجابة هذا السؤال من مفكر إلى آخر، البعض يقول أن المثقف هو سريع البديهة، والبعض الآخر يرى أن المثقف هو أكثر الناس ذكاءً، لكن بشكل عام تعتبر الإجابة الدقيقة والأكثر شيوعًا هي أن المثقف هو الإنسان الموسوعي كثير القراءة يعرف عن كل شيء -في الغالب كل شيء- ولهذا الإنسان بعض الصور والأفعال النمطية فهو يحب القهوة والنيكوتين، يختلف عن الناس ولا يحب الاجتماع معهم، وهناك دائمًا علاقة طردية بين العزلة ومعدل ذكائه!

بعض مصادر المعرفة في عصرنا الحالي - المثقف

عن مصادر المعرفة

تكمن أهمية المعرفة في المصادر الذي يأخذ منها الإنسان معلوماته، وفي هذه النقطة الحل السحري للمقال بأكمله، فلو قلنا هل تصنع القراءة المثقف فعلًا؟ يصعب أن نجيب عن هذا السؤال ونحن في هذا البحر الواسع من المعلومات، فنحن في عصر يعتبر هو عصر المعلومات في الأساس، لذلك وأمام كل هذه المصادر سيصبح الشك في أهمية الكتاب أمرًا طبيبعًا، لكن منذ مئة أو مئتي عام لم يكن هناك مصادر للمعرفة غير الكتاب والرسومات والتبادل الشفهي، وبالطبع الكتاب كان المصدر الأهم.

مع مرور الوقت تشكلت هذه الصورة النمطية للكتابة، فعند العودة إلى أي مفكر كبير، أو فيلسوف أو حتى عالم، سنجد أن الكتاب عنصر أساسي في حياته، ولهذا تضخمت صورة الكتاب في رؤوسنا بالشكل الحالي، الشكل الذي يجعل الإنسان يشعر بالذنب إن لم يكن يهتم بالقراءة، ولم يكن قادرًا عليها، لكن تمهل قليلًا قبل أن تحكم على السؤال الأساسي في المقال من هذه الأسطر فقط؟

أسئلة عن مواطن الجهل.. كيف تعرف بشكل صحيح

تعتبر هذه النقطة هي الأهم في المقال، بل هي الأهم في حياة أي إنسان، وهنا لا يجب أن يقف الإنسان ويفكر ماذا يفعل حتى يصبح عالمًا أو مفكرًا أو مثقفًا، هل يقرأ كتاب؟ هل يشاهد محاضرة على الإنترنت؟ هل يذهب لجامعة معينة؟ بل يجب عليه أن يفكر في أمر آخر تمامًا وهو الأهم والأبعد عن الذهن، وهذا الأمر هو ماذا أريد أن أعرف؟ ما المجال الذي أريد أن أعرفه؟ وماذا أريد أن أعرف فيه؟

عندما يحدد الإنسان مواضيع يجهلها ويريد أن يعرف عنها، هنا يصبح الأمر أسهل بكثير وأكثر فاعلية، فإذا كان مجال اهتمامك هو الأديان والفلسفة، ستجد أن أهم مصدر يمكنك أن تستقي منه المعلومات التي تريدها هو الكتاب، وإذا كنت تحب الأفلام أو الرسم ستجد أنه من الأفضل أن تذهب إلى أكاديمية تتعلم فيها تفاصيل صناعة الأفلام وتتدرب عليها أمام خبير في هذا المجال، بالطبع يمكنك القراءة في مواضيع جانبية تساهم في تقويتك في الشيء الأساسي الذي قررت تعلمه مثل الأفلام، ولكن الاعتماد على الكتب بشكل كامل لن يفيدك. المثقف في الأساس هو جاهل بأمور معينة؛ قرر ألّا يكون جاهلًا بها مرة أخرى.

كل سؤال يرسلك لمكان محدد

يمكننا تلخيص الفقرة السابقة بخصوص المثقف والمعرفة في نقطتين فقط، الأولى تحديد الأشياء التي تريد معرفتها، الثانية تحديد أنسب مكان يمكنك أن تجني منه هذه المعرفة؛ وهذه الفكرة ستساعدك على التفكير بشكل عملي وفعال أكثر، فاتباع أسلوب التزمت وتحويل الكتاب إلى صنم يُسجد له لن يفيدك، وفي الوقت نفسه هذا لا يقلل من شأن الكتاب، بل يرفع من شأن باقي وسائل المعرفة، فلو كنت تريد معرفة شروحات الشعر العربي، قد يساعدك مدرس أكثر من الكتاب، وقد يساعد الكتاب، وقد تساعد شروحات على الإنترنت، وبالطبع عندما تذهب لأي مكان من هؤلاء الثلاثة وتجد أن السؤال الذي وضعته -مثال: ما هي معلقة الأعشى- تمت الإجابة عليه، لن تتساءل حينها عن الكتاب وأهميته.

العصر الحالي وكثرة المعرفة

كما قلنا العصر الحالي كثرة فيه وسائل المعرفة وهذا قلل من شأن الكتاب وشكك في أهميته، لكن ليست هذه المشكلة الوحيدة، فهذا العصر أيضًا هو عصر التخصصات، لم يعد المثقف الموسوعي بشكله الكلاسيكي ذا أهمية كبيرة، العالم المتخصص، والمفكر المتخصص هو من يفيد العالم ويفيد نفسه، غير ذلك من المستحيل أن يعرف إنسان كل شيء أو أن يكون مثقفًا في الصورة السينمائية وهي الصورة المتعالية التي نجد فيها رجل يمكن أن يناقش من يجلس أمامه في أي موضوع ثم يوضح أنه يعرف أكثر منه، هذه الصورة غير حقيقية تمامًا، فالواقع له رأي آخر وهو أن عالم الفيزياء سيجلس أمام عالم اللغة مثله مثل عامة الناس والعكس، ويمكن للعالمان أن يندهشا من معلومات طفل في عالم الألعاب أو السينما؛ ولكن لا تدع هذا الكلام يحبطك عزيزي القارئ فالإنسان يحاول طوال حياته أن يعرف والأمر ليس سباقًا.

المقال ليس للتقليل من الكتب، ولكن لرفع شأن وسائل المعرفة الأخرى - المثقف

مدحًا في الكتب

لكن على الرغم من كل هذا الكلام فما زال من الصعب أن أقول لأحد وأنا مرتاح الضمير: الآن يمكنك أن تترك الكتاب للأبد. وذلك لسبب بسيط وهو أن الكتاب يضم معارف الإنسان وفكره منذ ظهوره تقريبًا إلى الآن، أما وسائل المعرفة الحديثة مثل: الإنترنت، والمقالات، والشروحات البسيطة، والأفلام، والأفلام الوثائقية، فكلها وسائل حديثة نسبيًا وإذا جمعناهم جميعًا لن نجد مقارنتهم مع الكتب في صالحهم، هذا مع مراعاة أن الكتاب به الكثير من التفاصيل التي يصعب تحويلها لمادة يمكن تقديمها للمتلقي في أي وسيلة معرفة أخرى.

وهنا قد يسأل القارئ ما فائدة الكتب وأنا أدرس الفيزياء أو البرمجة؟ ما علاقة المثقف بكل هذا؟ وهنا أتفق معه فالرياضة اليوم لا تحتاج إلى قراءة مخطوطات إقليدس وفيثاغورس -أو ما نقل عنهما- لكني أتحدث هنا بشكل عام أن معظم علومنا في الكتب لم يتم وضعها في قوالب معلوماتية أخرى، فلا يمكن لأحد أن يدرس مقارنة أديان أو أدب من فيلم وثائقي.

الشاعر الفلسطيني محمود درويش - المثقف

الأدب والفنون الكتابية

ما زالت الأوراق تحتفظ برونقها بسبب وجود فنون خاصة بها، يصعب تحويلها لشيء آخر، وحتى مع التحويل يصعب أن تضاهي هذه الصيغ الأخرى النصوص الأصلية، وهنا في المقام الأول نجد الأدب والشعر، فعند قراء أولاد حارتنا أو فاوست، أو هاملت، حينها سنعرف القيمة الحقيقة لهذه الفنون وهكذا الأمر عند قراءة أشعار شكسبير أو أدونيس أو محمود درويش أو روبرت فروست أو الشعر العربي القديم، هنا فقط ستعرف أن بعض النصوص كتبت لتبقى للأبد، وهذه النصوص هذ التي ستجعلنا نعود دائمًا للكتاب ونرى هذا السحر الذي يتحدث عنه الجميع، وبالطبع لو تغير شكل الكتاب مع مرور الوقت، ولو اختفت الأوراق جميعًا فهذا لا يضر الفكرة المطروحة في شيء.

هل تصنع القراءة المثقف فعلًا؟

الآن يمكنني القول إن المشكلة هنا لا تدور حول القراءة، بل تدور حول المثقف والثقافة، فالقراءة كما رأينا يمكننا أن نستبدلها في أوقات كثيرة، يبقى الإشكال هنا في الثقافة وتعريفها، بل وفي تسارع الناس للتلقب بهذا اللقب، فحتى الشخص الذي يمكننا أن نتفق جميعًا أنه مثقف سنجده هو نفسه يرفض هذا اللقب، بل سنجده لا يعطيه أي أهمية، وهنا وفي هذا العصر تحديدًا أعتقد أن الألقاب المحددة أفضل بكثير مثل: عالم حفريات، عالم فيزياء، مؤرخ؛ هكذا يمكننا التحرك في نطاقات معروفة ويمكننا وضع تصور واقعي لمدى علم الشخص الذي أمامنا بعيدًا عن الصور النمطية في رؤوسنا.

قارئ ولكن

كثيرًا ما وجدت الأشخاص على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تحديدًا يقرأون عشرات الكتب شهريًا، وقراءتهم مذهلة بشكل كبير، ولكن بعد التقرب من هؤلاء الأشخاص لمدة طويلة تبدأ الكارثة، أجد هذا القارئ الكبير ذكوري الفكر، أو صاحب أفكار خرافية يمكن هدمها بقراءة كتاب واحد في المنطق، وأشخاص آخرين لا تزيدهم القراءة إلا عنادًا وكبرًا، يرفض أن يعترف بخطئه، بل يرفض أن يجد أحد الأشخاص يصحح له أي معلومة، ليس هذا فقط بل نجد بعض المتطرفين -عقائديًّا على وجه الخصوص- تقوم أفكارهم هذه على مجموعة كبيرة من الكتب والأفكار التي يقرون أن أصحابها مفكرون، وهذا أبعد ما يكون عن الحضارة الإنسانية.

بالرجوع إلى الإنترنت ستجد عمليات قتل ورجم وتمثيل بالبشر، وستجد في هذه المقاطع تبريرات من كتب، وهكذا الكثير من أشكال العنف، والكثير من أشكال الجهل، بل في المناظرات نجد اثنين يصرخان وكل واحد فيهم يمسك كتابًا يوجهه أمام وجه الآخر، بل أذهب إلى أبعد من هذا وأذكر حادثة نيوزلندا والمسجد الذي قتل فيه العشرات، وبعد يوم تم رفع كتاب إلكتروني على الإنترنت لتبرير الجريمة وشرح الأسباب وراءها، وبالطبع في هذا الكتاب تم الاستعانة بمصادر كثيرة وكتاب كبار، ونجد أن هناك كتاب عالميون يعيشون بيننا منعوا من جائزة نوبل بسبب حوادث تحرش، أو بسبب دعمهم للقتل الجماعي، أو للتميز العرقي، وهذا ينقلنا للنقطة الأخيرة والأهم بخصوص المثقف والثقافة يا رفاق.

صورة توضع فصي الدماغ، وتوضح أي نصف يعالج المعلومات الفنية، وأيهما يعالج المعومات الرياضية والأرقام

المعالجة الصحيحة أهم من ألف كتاب

هنا الحل البسيط للنقاط السابقة، الإنسان لا يحتاج إلى قراءة أي كتاب أمامه ليملأ عقله بأطنان من المعلومات فقط ويصير المثقف الأجوف، بل يحتاج إلى معرفة كيف يعالج هذه المعلومات بشكل صحيح، فهناك مشاهير حول العالم تعتمد حياتهم كلها على قراءة كتب في العلوم الزائفة، لذلك أعتقد أن أهم شيء في الحياة أن يمتلك الإنسان الأدوات التي تجعله يعالج كل فكرة تدخل إلى رأسه بشكل منطقي وعلمي وأقرب إلى الصواب، وهنا يحتاج الإنسان إلى قاعدة معرفية -ولو بسيطة- من الفلسفة وعلوم المنطق المختلفة، ومعرفة فلسفة العلم، والطريقة التي يسير عليها العلم بشكل عام، ففي النهاية لا يهم كم كتابًا قرأت، بل ما يهم من هو الإنسان الذي أصبحت عليه؟

وهكذا أكون قد انتهيت من توضيح نقاط أجدها مهمة جدًا لكل قارئ وباحث، وكل إنسان يهتم بالمعرفة بشكل عام، فالاهتمام بمنهج البحث وطرق معالجة ما تصل إليه هي أشياء لا يسع الإنسان جهلها، وبالطبع الحل الأمثل في النهاية هو الاعتدال، يمكنك أن تذهب للجامعة لتعلم علم معين، وتقرأ في نهاية يومك في الأدب أو الفلسفة، كما قلت يتوقف الأمر بأكمله على النقاط التي وضعتها بعدما وجدت أنك في حاجة حقيقية لمعرفتها.

5

شاركنا رأيك حول "المثقف ووسائل المعرفة: هل تصنع الكتب.. إنسانًا؟"