“البقاء للأقوى”

إنه قانون الغابة الذي نعرفه، ومن قوانين الغابة التي ألفناها أيضًا أنّ الملك هناك هو الأسد، وليس أي أسد، إنه الأقوى والأجدر والأحكم. لكن ما لا يعرفه كثير من الناس أنّ البرية تستهوى الأسود عن الغابات، وهنا يمكننا القول إن الأسد ملك البرية. إذا كنت من عشاق الحياة البرية وعالم القطط الكبيرة (النمور والأسود أقصد) فلا بد من وصول نبأ رحيل “سكارفيس” إليك، وكان ذلك في يوم الجمعة الموافق 11 يونيو 2021، حيث مات عن عمر يناهز 14 عامًا.

أحدث موت سكارفيس ضجة كبيرة، بالرغم من نفوق العديد من الأسود يوميًا، إلا أنّ صديقنا له مكانة خاصة، جعلته يلقى احترام الإنسان والحيوان، إنه ملك حقًا. قبل التحدث عن أسدنا الأسطورة، لنتعمق قليلًا في أغوار قطيع الأسود.

اقرأ أيضًا:  أسلاف الإنسان العاقل في شجرة التطور: ما قبل جنس الهومو – Homo

من داخل قطيع الأسود.. لماذا لا يصل جميع الذكور إلى البلوغ؟

سكارفيس

في سهرة عائلية، أثناء مشاهدة فيلم وثائقي عن الحياة البرية، لاحظت أنّ عدد الأسود الذكور داخل القطعان أقل من الإناث. (هل لاحظت هذا أنت أيضًا؟) تبلغ نسبة الذكور إلى الإناث داخل القطيع تقريبًا (1 : 2) أو (1 : 3) وهنا سؤال يطرح نفسه، أين يذهب الذكور؟ علمًا بأنّ الإناث والذكور يولدون بأعداد متساوية.

يتضح ذلك جليًا من خلال النظر في علم سلوك الحيوان، حيث يعيش شبل واحد من كل 8 أشبال حتى الوصول إلى مرحلة البلوغ، حتى الأسود البالغة قد تنفق، ويرجع سبب اختفائها هذا لعدة أسباب، منها:

  • نقص الغذاء.
  • الإصابات.
  • الأمراض.
  • قتل الأسود البالغة لهم. (سنعرف لماذا الآن)

وفي سن الثانية، تحديدًا عند الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي، لا يستطيع الذكور البقاء في القطيع (يسمى فخر الأسد، وهو عبارة عن مجموعة من الأسود يعيشون معًا حياة اجتماعية ويتكون من 10-15 أسدًا)، حيث تطردهم الأسود الأكبر سنًا، لمنع تزاوج الأقارب، وعادةً ما تبقى الإناث. هذه سياستهم الفطرية، على الأسود الشباب الانفصال عن الفخر ومواجهة الحياة.

بعد خروج الأسد الشاب من القطيع، يتجول في الأراضي المحيطة في فرق صغيرة- على الأغلب – مع إخوته وأبناء عمومته، وفي هذه المرحلة، عليهم الاتفاق على نظام يعيشون به، فإذا ظلوا هائمين على وجوههم هكذا، ربما يتعرضون للقتل أو الهجوم من القطعان الأخرى أو يصطادهم البشر، وقد تزداد فرصة قتلهم عند الوقوع في أفخاخ الأسلاك.

قد ينجح هؤلاء الأسود الشبان في العثور على فخر ويستولون عليه من خلال القتال مع أسود الفخر الذكور الأصليين. وفي الغالب، يتبقى 3 أو 4 أسود ذكور. وإذا كان في الفخر إناث معهن أشبال، فغالبًا يقتلون الأشبال الصغيرة، ويتزوجوا من أمهاتهم، فلا تستطيع أنثى الأسد الزواج إذا كانت تُرضع. كما يُفضل الذكور أشبالًا من نسلهم.

يمثل قتل الأسد الذكر مشكلة كبيرة، خاصة إذا كان هو سيد القطيع الذي يدافع عنه ضد الهجمات الخارجية، ما قد يؤدي إلى استيلاء أسود أخرى على القطيع وقتل الأشبال الصغار، كل هذا يُحدث فوضى عارمة في الوسط.

اقرأ أيضًا: لهذا علينا قراءة روايات أحمد خالد توفيق الأخرى بخلاف ما وراء الطبيعة

كان سكار محظوظًا ولكن..

نجا سكار أو سكارفيس من أهوال الموت مرات كثيرة، الأولى عندما كان شبلًا ضعيفًا تزيد احتمالية موته، والأخرى عندما استطاع النجاة من القتل أثناء البلوغ، وأكمل حياته ملكًا ولكن النهاية لم تكن مناسبة لملك مثله، وحزن كثير من الناس والشغوفين بالحياة البرية عليه.

سكارفيس الأسطورة.. الأشهر عالميًا

حظي سكارفيس باهتمام كبير بين الخبراء ومحبي الحياة البرية، وذاع صيته في أرجاء الأرض، بالرغم من أنه كان يعيش في كينيا فقط. تمكن سكار من العيش بعد طرده من الفخر الذي وُلد فيه وتعاون مع إخوته هانتر وموراني وسيكيو، وكانت لهم مغامرات كثيرة تتبعتها عدسات مصوري الحياة البرية لسنوات.

عام 2011، استولى سكارفيس وأخوته على فخر الأهوار، استطاع تثبيت حكمه وجلب الأمان للمنطقة. وفي 2013، أُطلق على سكار الرصاص أثناء نزاعه على قطيع من الماشية، فما كان من الراعي إلا أن أطلق عليه النار، ومع تدخل الأطباء البيطريين أصبح وضعه أفضل، لكن هذا الحادث كان بمثابة تنبيه للأخوة الأربعة بأنّ هناك خطر ما في المنطقة، ما جعلهم يتخلون عن الفخر وذهبوا إلى سهل الفردوس، ثم بدأوا في الصيد ومحاولة تثبيت أقدامهم في المنطقة الجديدة.

اشتُهر بندبة على جفنه الأيمن، تلقاها أثناء إحدى المداهمات عام 2012، حين كان في الرابعة من عمره، لذلك أُطلق عليه سكارفيس “Scarface”. (وهي كلمة إنجليزية تعني الوجه ذي الندبة).

سكارفيس: ملك مارا المحبوب

كان الجميع مذهولًا بهذا الملك القوي، وكأنه بطل وليس مجرد حيوان مفترس في البرية يبحث عن الغذاء مثل البقية من أبناء جنسه. تمتع سكارفيس بقوة وهيبة بين الأسود، فقد دافع عن عشيرته في معارك كثيرة وانتصر على الأعداء وأثبت جدارته بالقيادة، ما جعله حالة مميزة لفتت أنظار العالم إليه.

عام 2016، استولى سكار وأخوته الثلاثة على فخر الجنة، وكان فيه 9 إناث وبعض الأشبال وعدد من الذكور الشباب. امتدت مملكة سكارفيس إلى 400 كم مربع، فيها نحو 900 أسد، وأصبح أقوى فرسان المنطقة وملكها المتوج الذي لاقى احترام الجميع. وأثناء بقائه هناك استطاع هو وإخوته إبقاء عدد كبير من الأفخار تحت حكمهم.

(فيديو لسكار من الفيلم الوثائقي Big Cat Dairy)

عادةً ما تكون الأسود كسولة، ويعتمد الذكور على الإناث في الصيد، لكن في مملكة سكار، كان الوضع مختلفًا، فقد شوهد الأسد الملك في رحلات صيد كثيرة إلى جانب إخوته، ما جعله فريدًا، فضلًا عن توفيره الأمان لأبناء مملكته الكبيرة. بالرغم من قوته وهيبته إلا أنه كان ملكًا متسامحًا، فقد التُقطت صور له يلاعب أبناءه من الأشبال الصغار أثناء مراقبة الإناث.

اقرأ أيضًا: الحكايات الخيالية البديعة: ربما ستُفاجَأ بالتحريف المهول!

يوم رحل فيه الأسد الملك

عام 2019، شوهد سكار قبل جائحة كورونا، لقد بلغ من العجز ما جعل الخبراء يعتقدون أن رحيله هو مسألة وقت، فقد صارت أسنانه مكسورة وأصبح لونها أقرب للبني، وأنفه كالفحم وتدلت شفاه، وأصبح أقل حركة. وفي أيامه الأخيرة، عانى من نقص الوزن بسبب قلة الغذاء، حيث لم يكن قادرًا على الصيد، حتى إنّ الفرائس كانت تمر بجواره دون خوف، ولم يشاركه أحد من عشيرته الطعام، ما زاد ضعف الأسد الملك، ولم يتمكن الأطباء البيطريين إلا من مساعدته صحيًا، لكن لم يقدموا له الطعام، وللأسف هذه قوانين المحميات الطبيعية التي لا تتدخل في الصراعات البرية ولكنها تقدم الخدمات الطبية.

رحل سكارفيس الأسد الملك في يوم 11 يونيو 2021 في عمر الرابعة عشر، بعد حياة حافلة بالانتصارات، رحل بسلام كأي ملك على فراشه، فلم يُقتل على أيدي الأعداء كما يحدث في كثير من الأحيان. حزن عليه العالم، كل من رآه شعر بالفخر وكأنه لقى ملكًا عادلًا عظيمًا، إذ لم يُذكر من قبل أنه قتل إنسانًا. كان مسالمًا، لكنه قاسيًا فقط مع أعدائه. نعى سكار عدد كبير من الهيئات المهتمة بالحياة البرية، كما نعاه عدد كبير من متابعيه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وداعًا سكارفيس!