الحمض النووي
0

الحمض النووي- DNA هو المادة الوراثية التي تحمل كل الصفات لدى الكائنات الحية والتي تنتقل عبر الأجيال.

حسناً، نحن لسنا في حصة لعلم الأحياء لكي أخبرك بذلك وابدأ في سرد التفاصيل وبعد عدة فقرات ستجد العديد من التفاصيل وسينتهي الأمر بتركك للمقال. ولكن دعني أخبرك بأن تلك المعلومة البسيطة والمعروفة لدى الكبير والصغير اليوم، استغرقت ما يقرب من مئة عام لكي يعرف العلماء بأن الحمض النووي هو المادة الوراثية. فهل تتوقع بأن السرد ممل حقاً؟

كمّ هائل من التجارب والأبحاث والجدال لكي نصل فقط لتلك المعلومة والنتيجة قد تكون مرت علينا جميعاً؛ مئات التقنيات المستخدمة على الحمض النووي التي تلعب دوراً محورياً في جميع المجالات تقريباً، بداية من التعديلات الجينية على المحاصيل الزراعية وزيادة إنتاجها مروراً باكتشافات الأمراض الوراثية حتى صنع اللقاحات اليوم.

وبعيداً عن ملل حصص الأحياء والمصطلحات المعقدة والدخول في تفاصيل، دعني أقدم لك لمحة شبه مستفيضة في تسلسلها الزمني عن أبرز التجارب التي أدت لذلك الاكتشاف الثوري.

اقرأ أيضًا:  لماذا تردد داروين في طرح نظرية التطور لسنوات طويلة؟ ملف شامل في ذكرى ميلاد مؤلف “أصل الأنواع”

جورج مندل Gregor Mendel- أبو الوراثة

جريجور مندل - الوراثة

لماذا البداية من هنا تحديداً؟ في الواقع، لم يكن هناك تصور حقيقي عن كيفية توارث الصفات من جيل لآخر مبني على أدلة تجريبية (أدلة علمية) قبل مندل، ما كان سائدًا هو عدة فرضيات وتكهنات يطلقها البعض دون أدلة تجريبية. لن أطيل عليك وسأشرح لك ماذا فعل مندل تحديداً داخل حديقته مع نبات البازلاء.

ملحوظة: تلك التجارب أجراها مندل على مدار ثمان سنوات والنتائج كانت تتكرر في كل مرة.

ما فعله مندل هو تتبع انتقال الصفات عبر الأجيال المختلفة فدرس مندل 7 صفات مختلفة على نبات البازلاء من بينها صفة اللون. فقام بعمل تلقيح خلطي أو cross-pollination بين نبات بازلاء يملك صفة اللون الأصفر وآخر أخضر، والنتيجة كانت بأن أفراد أول جيل يحملون صفة اللون الأصفر. هل يقف مندل؟ لا.

قام مندل بعمل تلقيح لأفراد الجيل الأول مع بعضهم البعض وكانت النتيجة هي ظهور صفة اللون الأخضر في الجيل الثاني، ماذا حدث هنا! بالفعل قد انتقلت صفة اللون الأخضر ولكنها لم تظهر في الجيل الأول والاستنتاج هنا كان بأن صفة اللون الأخضر كانت هي الصفة المتنحية (Recessive) في ذلك النوع والصفة السائدة هي اللون الأصفر. وكانت النسبة في ظهور الصفة بالجيل الثاني هي 3 (الأصفر) : 1 (الأخضر).

(وهنا افترض مندل وجود عوامل تتحكم في تلك الصفات وليس ذلك فقط، بل تلك العوامل تنتقل من جيل لآخر عن طريق الأمشاج وكان ذلك في عام 1866) سنترك تلك الجملة كما هي، فقط تذكرها. ولكن لم تلقَ تجارب مندل اهتمام احد وظلت تجارب مندل غير معروفة لدى المجتمع العلمي حتى أوائل القرن العشرين مع اكتشاف النظرية الخلوية.

الجندي المجهول

بعد تجارب مندل بحوالي ثلاث سنوات في عام 1869 ظهر أول من استطاع عزل الحمض النووي. الجراح السويسري فريدريك ميسشر Friedrich Miescher، قرر بطبيعة عمله دراسة البروتين داخل خلايا الدم البيضاء المكونة للصديد ومع استمرار الفحص والتجارب وجد مادة بداخل الخلايا تمتلك خصائص مختلفة عن الخصائص المعروفة لدى البروتين. فالمادة تحتوي على نسبة عالية من الفسفور ولا يمكن التأثير عليها بنفس طرق التأثير على البروتين.

وهنا أدرك ميسشر أنه أمام مادة جديدة لم يسبق وأن تم اكتشافها وأطلق عليها اسم نيوكلين- nuclein ولكن على غرار مندل لم يتلقَ ميسشر أي ردود فعل حول ذلك. يكفي أن أخبرك بأنه في القرن التاسع عشر كله لم يكتب اسم ميسشر أو تم ذكره في كتاب واحد يخص ذلك الاكتشاف عكس تشارلز داروين مثلاً الذي تردد اسمه حوالي 31 مرة وتوماس هكسلي 14 مرة، على الرغم من أهمية ذلك الاكتشاف في الوقت نفسه. ولكن كما نعلم دائماً ما تأتي الرياح بعكس ما تشتهي السفن.

مشكلة ونظرية وجدال بروتين أم حمض نووي؟

تجارب علمية فارقة في التعرف على الحمض النووي

مع مطلع القرن العشرين بعد إعادة اكتشاف قوانين مندل في الوراثة من قبل بعض العلماء- لحسن الحظ- كان هناك العالمان بيفري وساتون قد وضعا النظرية الكروموسومية وآلية الانقسامات التي تتم داخل الخلية لكي تمر تلك الكروموسومات من الآباء إلى الأبناء، تلك الكروموسومات هي التي تحمل العوامل الوراثية التي تتحكم في الصفات داخل كل خلية (تذكر ما قاله مندل الآن وارفع له القبعة).

هنا تعرف المجتمع العلمي على الجزء المسؤول تحديداً عن انتقال الصفات عبر الأجيال وهو الكروموسوم. ولكن ثمة هناك مشكلة أخرى!

يتكون الكروموسوم من أحماض أمينية (بروتينات) والقواعد النيتروجينية أو النيوكليوتيدات المكونه للحمض النووي، من هنا انقسم العلماء لفريقين: الأول يرى بأن الجزء الذي يحمل الصفات هو البروتينات والآخر يرى بأن الـ DNA هو الجزء المسؤول عن حمل الصفات وتمريرها من جيل لآخر. ولكن لماذا كل هذا؟

في الواقع، يتكون الـ DNA بصفة أساسية من 4 قواعد نيتروجينية بسيطة أما البروتينات فتتكون من حوالي 20 حمض أميني كل ثلاثة منها بتسلسلات مختلفة تستطيع إنتاج بروتين مختلف. فكيف يمكن لأربعة قواعد نيتروجينية أن تشكل كل الصفات الموجودة لكل الكائنات الحية! من هنا ظهرت مجموعة من العلماء لحل تلك المشكلة ومعرفة ما هو الجزء المسؤول بالتحديد عن الصفات هل هو الحمض النووي أم البروتينات. كل ما نعرفه الآن أن تلك المادة تورث من جيل لآخر.

فريدريك جريفيس – Frederick Griffith

في عام 1928 بدأ جريفس أول خطوة لحل تلك الأزمة، حيث قام بحقن مجموعة من الفئران بنوعين مختلفين من البكتيريا، النوع الأول يحمل مادة مميته للفئران وسنطلق عليه S والنوع الثاني غير مميت وسنطلق عليه R. بعد حقن كلا من النوعين في الفئران ماتت الفئران التي تم حقنها بنوع S بينما ظلت الفئران التي تم حقنها بنوع R على قيد الحياة.

بعد تلك التجربة، قرر جريفيس تسخين النوع S وحقنه مرة أخرى في الفئران، والنتيجة كانت بأن الفئران ظلت على قيد الحياة، هنا استنتج جريفس بأن الجزء المسؤول عن جعل البكتيريا مميتة قد تم تدميره، ثم قرر عمل خلطة بين النوع S الذي تم تسخينه مع النوع R وكانت النتيجة هي موت الفئران. ماذا حدث هنا؟

بناءً على استنتاج جريفس فالذي حدث هو أن هناك مادة قد انتقلت من النوع R إلى النوع S لتجعله مميتًا لتلك الفئران مرة أخرى. ولكن ما هي المادة التي انتقلت والمسؤولة عن إعادة تلك الصفة للبكتيريا وجعلها مميتة مرة أخرى هل هي البروتين أم الحمض النووي؟

علماء آخرون واستكمال لتجربة جريفيس

في عام 1944 جاء الثلاثي Colin MacLeod  –  Maclyn McCarty – Oswald Avery للإجابة على ذلك السؤال من خلال تجربة مشابهة لجريفيس حيث قاموا باستخدام إنزيمات لتكسير البروتين وإنزيمات لتكسير الحمض النووي في تجربتين وحقنها بداخل الفئران.

التجربة الأولى كانت من خلال عزل البروتين والحمض النووي وإضافة إنزيمات لتكسير البروتين – Protease ومن ثم وضعه مع البكتيريا R وبكتيريا S (تم تسخينها مسبقاً) وحقن العينة بداخل فأر وكانت النتيجة هي تحول البكتيريا من النوع R إلى النوع S. أما عند استبدال إنزيم تكسير البروتين بإنزيم لتكسير الحمض نووي- DNAse وتكرار التجربة مرة أخرى، لم يحدث أي تحول للبكتيريا S وظلت الفئران على قيد الحياة.

من هنا استنتج الثلاثي بأن المادة المسئولة عن ذلك التحول هو الحمض النووي وليس البروتين.

اقرأ أيضًا: هل كان هتلر على حق فيما يخص ذكاء العرق الآري؟ ربما نعم أو لا

هيرشي وتشيس

تجربة هيرشي وتشيس - الوراثة

بعد تجربة الثلاثي آفري ومكارتي وماكليود، ظلت هناك بعض الشكوك في الأوساط العلمية حول ذلك الاستنتاج حيث أنه كانت هناك بعض الانتقادات بأنهم لم يستطيعوا فصل مكونات البكتيريا S الميتة؛ ذلك الذي يرجح احتمال وجود كميات من البروتين متبقية لعلها مسؤولة عن ذلك التحول. لكن في عام 1952 أثبتت التجارب التي تمت على فيروس Bacteriophage بواسطة الثنائي Alfred Hershey  وMartha Chase بأن الـ DNA هو المادة الوراثية المسؤولة عن انتقال الصفات الوراثية من جيل لآخر.

ربما عليك إعادة رفع القبعة مرة أخرى لمندل الآن.

كان من المعروف بأن الفيروس يتكون من غلاف يتكون من البروتين وبداخله الحمض النووي وأثناء مهاجمته للبكتيريا يتم وضع مادة منه بداخلها لتتكاثر وتعطي أفراداً جديدة من الفيروس. وكان من المعروف أن تركيب الحمض النووي يتميز بوجود عنصر الفوسفات عكس البروتينات التي كانت تضم عنصر الكبريت في تركيبها الكيميائي ولا تحتوي على الفوسفات. ومن هنا قرر الثنائي استخدام عناصر مشعة من الكبريت والفسفور داخل الـ Bacteriophage ومعرفة أياً من العنصرين سوف يظهر بداخل البكتيريا وبالتالي داخل الأجيال الناتجة من تكاثر الفيروس بداخلها.

بعد إجراء التجارب على الفيروس لاحظ العلماء أن عنصر الكبريت ظل خارج البكتيريا، بينما الفوسفات قد ظهر في الأجيال التالية بداخل البكتيريا ومن هنا استنتج هيرشي وتشيس وأصبح المجتمع العلمي على ثقة بأن الـ DNA هو المادة التي تحمل كل الصفات الوراثية وتنتقل من جيل لآخر.

في نفس العام كان هناك ثلاثة علماء يعملون على إظهار شكل جزئ الـ DNA؛ الأولى كانت Rosalind Franklin والتي استطاعت تصوير أشهر صورة لجزئ الـ DNA بعد تحليل دام 100 ساعة بواسطة أشعة إكس ولكن من سوء حظ فرانكلين أنها لم تنل شهرة واسعة في ذلك الوقت. فظهر من بعدها في عام 1953 العالمان اللذان اقترن اسمهما بذلك الاكتشاف وهما واتسون وكريك واستطاعا إظهار شكل الـ DNA للمجتمع العلمي آنذاك وكانت نوبل في انتظارهما عام 1962.

من المُثير للدهشة هو توصل فرانكلين لنفس نتائج واطسن وكريك ولكن عند نشر الأبحاث لكلاً منهما كانت أبحاث واطسن وكريك قد سبقت أبحاث فرانكلين فذاع صيت الثنائي على حساب فرانكلين. ولكن بعد مرور أعوام من وفاة فرانكلين ظهرت بعض الشكوك حول سرقة نتائج فرانكلين من قبل واطسن وكريك ولكن في النهاية سيخلد التاريخ أسماء هؤلاء العلماء للأبد.

0

شاركنا رأيك حول "الحمض النووي من مندل إلى واتسون وكريك: تجارب علمية فارقة في التعرف على تركيبه ومهامه"