حكايات يوسف تادرس
0

واقعيًا، نحن لا ندور في دوائر كما زعم الأبنودي، بل ندور في حلزونة مطابقة لإسقاط عادل إمام، حياة لها بداية ونهاية زمنية، عبارة عن حيوات داخلها غير مكتملة، حلزونات تدور خلف بعضها، تعتقد أنك رجعت للمكان نفسه، لكن الحقيقة أنك فوقه أو تحته أو جواره، لكن لا بد أن تمر عليه مجددًا، مكان، شخص، موهبة، ذكريات متلاحقة، تولد في كل مرة بشكل جديد. في رواية “حكايات يوسف تادرس” يطرح الكاتب الروائي عادل عصمت حكاية البطل ذي الـ99 وجها، الرجل غير العادي المجبر أن يعيش في ثوب العادي واليومي، الذي خلقت أحلام الطفولة حياته وشكلتها حتى النهاية، خيطًا من الضوء وخيوطًا من الظلال.

“كل شئ مؤقت، فى حالة تغير دائم، والحياة لهاث خلف أمور يمكن فى لحظة أن تزول”.

_ اقتباس من الرواية.

اقرأ أيضًا:

حكايات يوسف تادرس الرجل غير العادي

يولد يوسف كنبوءة، وينجو من الموت كمعجزة، ويعيش كالأنبياء غريبًا في وطنه، كلما هم بفعل ما يراه طبيعيًا، تجرفه الأحداث لمنطقة لا يتوقعها، ليتأكد يوما بعد يوم أن الإنسان في هذه البلاد لا كرامة له لمجرد أنه إنسان بل “لابد في هذه البلاد أن تحمل في روحك شيئا مقدسا لتجد قيمتك الضائعة”.

يعشق الرسم ويحلم أن يصبح فنانًا عالميًا، يترك كلية الفنون رغمًا عنه، ويعمل مدرسًا، يجلب له الفن دائما الفقر والخوف ويجلب له الحب دائمًا الموت أو الفضيحة، ومثل كل الأنبياء ينفى من وطنه، الحقيقي والمعنوي، يترك طنطا منفيًا للطور، ويترك الفن منفيا لتدريس اللغة.

يأتيه الوحي ذات ليلة، فيقرر أن يرسم وجوهه المتعددة، فينتج 99 لوحة لملامحه التي يعيش فيها أهله وأصحابه، غضبه وتمرده، مأساته وصليبه الذي يحمله على ظهره أينما حل ليكون اختبار إيمانه وشفيعًا له، يتحرر مع كل لوحة من قيد كاد يقضي عليه، لينجح في النهاية أن يعبر المحن محتفظًا بذاته التي هي موهبته، مخلصًا لها.

عن مفارقة المسافة بين الطموح والواقع

حكايات يوسف تادرس - عادل عصمت
رواية حكايات يوسف تادرس (الصادرة عن دار الكتب خان).

بطاقة معلومات سريعة عن الكتاب:

  • اسم المؤلف: عادل عصمت
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي، اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 2015
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 253 صفحة
  • دار نشر النسخة العربية: دار الكتب خان للنشر والتوزيع
  • الجوائز: حائزة على جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2016
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الإنجليزية، اللغة الصربية
  • تقييم جودريدز: 3.77 ⭐

المفارقة الأساسية في رواية “حكايات يوسف تادرس” للكاتب الروائي عادل عصمت (الطبعة المترجمة إلى الإنجليزية جاءت بعنوان Tales of Yusuf Tadros) هي المفارقة الأساسية في كل أعمال السيرة الذاتية، أو روايات الأجيال، وهي المسافة بين الطموح والواقع، هذه المسافة التي تحوي المضمون، وهو انتصار الحياة لنفسها، فهي تصنع من التفاعل بين البشر إضافة مهمة لاستمرار الحياة، وكمنت هذه الإضافة في أوجه يوسف الـ99، التي تعتبر عملًا فنيًا مكتملًا، كشف ليوسف إجابات أسئلته الوجودية، وأضاء لمن يأتي بعده ويقع في حيرته نفسها، كيف يكون سبيل الخروج من هذه الحيرة، وهكذا تستمر الحياة وتمنح لنفسها الخلود.

هذه المفارقة شكلها الكاتب عادل عصمت ببراعة، مستندًا على سرد مسترسل دون توقف، كأنه جرعة حكي واحدة أو دفقة شعور واحدة، تتناسب مع روح البطل الذي يصل لقمة مهارته في الرسم حين يخرج كل ما في صدره دفعة واحدة، وهذا في المجمل ما يميز أعمال الروائي عادل عصمت، وآخرها كان رواية “جنازة السيدة البيضاء”.

“الأحداث الصغيرة هي الحياة. لا تصدق إن هناك حوادث كبرى، كلها تفاصيل صغيرة، حتى الأحداث الكبرى نحن من نصنع منها أحداثاً كبرى عندما نرويها. الروايات هي التي تقيم الأحداث وتضع واحداً أعلى من الآخر”. 

_ اقتباس من الرواية.

لم يكن الخيال في القصة مجد فانتازيا فارغة، بل كان بطلًا محركًا للحدث الرئيسي، وهو ميلاد الطفل بنبوءة، وتشكل طموحه برؤية، وتعلقه بالضوء كعنصر طبيعي تسلطه الحياة، ليكون جزءا من تشكيل البشر، أو محركًا رئيسيًا لمصائرهم، تمامًا كما يغلف الظلام حيوات أخرى، وعلى غير المعتاد فلم تولد المأساة من رحم الظلام، بل ولدت من رحم الضوء، كما قال المعلم الملائكي توما الإكويني “لا يوجد أي ألم بدون معنى، فالألم دومًا مبني على حكمة الله”.

وكما اعتبرت أم يوسف نفسها “حكاية امرأة تحب الله”، اعتبر يوسف نفسه يتحرك بروح مقدسة، يؤمن بوجودها وتدفعه دوما لطموح أعلى “فكرة أني منذور لشيء كبير، تكمن تحت كل تصرف، وتوهمني أن بإمكاني أن أخلق هذا الشيء، يمكنني أن أصل إلى الروح السائلة تحت الأشياء”، والتي أفضت به في النهاية للعثور على الإجابات في لوحاته الـ99 لوجهه الوحيد، متأثرًا فنيًا وروحانيًا بلوحات الفيوم.

اقرأ أيضًا:

اشكاليات اجتماعية تقف خلف حكاية البطل

تطرح رواية “حكايات يوسف تادروس” (الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2016) أيضًا اشكاليات اجتماعية، بدءًا من تكون العشوائيات التي رمز لها بـ”الزقاق”، والتي لا يريد أصحابها سوى العيش في سلام والعمل في صمت، مرورا بتأثير التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية على سكانها، الذين ذاقوا كل ما ذاقت الطبقات الدنيا من سوء تواصل في عصر الانفتاح، وفساد أخلاقي نتيجة الثالوث المرعب “الفقر والجهل والمرض”، وتمزق الخيط الرفيع بين الرضا بالعيش والخنوع.

كما تطرقت إلى الفتنة الطائفية، وتسرب شعور الأقلية للشعب المسيحي في فترات صعود الإسلام السياسية والإسلام النفطي، والذي لم يؤثر بشكل كبير في طبقات المسيحيين “المبسوطة ماديًا”، لكنه ألقى بظلال الغربة على جميع المسيحيين، وبدأ الشعور بالتهديد والقتل يطارد يوسف، رغم أن جرمه الوحيد كان “الحب”، الذي منحته له “سناء” عن طيب خاطر، لم يطب للمجتمع.

طبعة باللغة الصربية من رواية حكايات يوسف تادرس للكاتب عادل عصمت
غلاف طبعة رواية حكايات يوسف تادرس للكاتب عادل عصمت باللغة الصربية.

استطاع الكاتب الروائي عادل عصمت في روايته “حكايات يوسف تادرس” أن يصنع حيوات ممتعة داخل حياة واحدة، بسرد محترف متماسك، مشحونًا بالرموز والدلالات التي لا تنتهي، ومع كل قراءة جديدة تتفتح جوانب لم تكن مرئية من قبل في الرواية، ويجذبك أحد الأبطال أو الشخصيات المنحوتة بدقة، ناحية منظور مختلف للحياة نفسها التي يعيشها الآخرون، وعايشها القارئ.

عادل عصمت روائي كاتب مصري ولد عام 1959، له مجموعة قصصية بعنوان “قصاصات”، وتسع روايات منها “أيام النوافذ الزرقاء” الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 2011، ورواية “حكايات يوسف تادرس” الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للأدب المقدمة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2016. ووصلت روايته “الوصايا” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2019. وكان أحدث أعماله “جنازة السيدة البيضاء”.

0

شاركنا رأيك حول "حكايات يوسف تادرس: أوجه الخلاص الـ99 للبطل غير العادي في رواية عادل عصمت"