حكايات يوسف تادرس: أوجه الخلاص الـ99 للبطل غير العادي في رواية عادل عصمت

حكايات يوسف تادرس
حسن معروف
حسن معروف

5 د

واقعيًا، نحن لا ندور في دوائر كما زعم الأبنودي، بل ندور في حلزونة مطابقة لإسقاط عادل إمام، حياة لها بداية ونهاية زمنية، عبارة عن حيوات داخلها غير مكتملة، حلزونات تدور خلف بعضها، تعتقد أنك رجعت للمكان نفسه، لكن الحقيقة أنك فوقه أو تحته أو جواره، لكن لا بد أن تمر عليه مجددًا، مكان، شخص، موهبة، ذكريات متلاحقة، تولد في كل مرة بشكل جديد. في رواية “حكايات يوسف تادرس” يطرح الكاتب الروائي عادل عصمت حكاية البطل ذي الـ99 وجها، الرجل غير العادي المجبر أن يعيش في ثوب العادي واليومي، الذي خلقت أحلام الطفولة حياته وشكلتها حتى النهاية، خيطًا من الضوء وخيوطًا من الظلال.


“كل شئ مؤقت، فى حالة تغير دائم، والحياة لهاث خلف أمور يمكن فى لحظة أن تزول”.

_ اقتباس من الرواية.

اقرأ أيضًا:


حكايات يوسف تادرس الرجل غير العادي

يولد يوسف كنبوءة، وينجو من الموت كمعجزة، ويعيش كالأنبياء غريبًا في وطنه، كلما هم بفعل ما يراه طبيعيًا، تجرفه الأحداث لمنطقة لا يتوقعها، ليتأكد يوما بعد يوم أن الإنسان في هذه البلاد لا كرامة له لمجرد أنه إنسان بل “لابد في هذه البلاد أن تحمل في روحك شيئا مقدسا لتجد قيمتك الضائعة”.

ذو صلة

يعشق الرسم ويحلم أن يصبح فنانًا عالميًا، يترك كلية الفنون رغمًا عنه، ويعمل مدرسًا، يجلب له الفن دائما الفقر والخوف ويجلب له الحب دائمًا الموت أو الفضيحة، ومثل كل الأنبياء ينفى من وطنه، الحقيقي والمعنوي، يترك طنطا منفيًا للطور، ويترك الفن منفيا لتدريس اللغة.

يأتيه الوحي ذات ليلة، فيقرر أن يرسم وجوهه المتعددة، فينتج 99 لوحة لملامحه التي يعيش فيها أهله وأصحابه، غضبه وتمرده، مأساته وصليبه الذي يحمله على ظهره أينما حل ليكون اختبار إيمانه وشفيعًا له، يتحرر مع كل لوحة من قيد كاد يقضي عليه، لينجح في النهاية أن يعبر المحن محتفظًا بذاته التي هي موهبته، مخلصًا لها.


عن مفارقة المسافة بين الطموح والواقع

حكايات يوسف تادرس - عادل عصمت

رواية حكايات يوسف تادرس (الصادرة عن دار الكتب خان).

بطاقة معلومات سريعة عن الكتاب:

  • اسم المؤلف: عادل عصمت
  • تصنيف الكتاب: أدب روائي، اجتماعي
  • تاريخ النشر الأصلي: 2015
  • لغة النشر الأصلية: اللغة العربية
  • عدد الصفحات: 253 صفحة
  • دار نشر النسخة العربية: دار الكتب خان للنشر والتوزيع
  • الجوائز: حائزة على جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2016
  • ترجمات إلى لغات أخرى: اللغة الإنجليزية، اللغة الصربية
  • تقييم جودريدز: 3.77 ⭐

المفارقة الأساسية في رواية “حكايات يوسف تادرس” للكاتب الروائي عادل عصمت (الطبعة المترجمة إلى الإنجليزية جاءت بعنوان Tales of Yusuf Tadros) هي المفارقة الأساسية في كل أعمال السيرة الذاتية، أو روايات الأجيال، وهي المسافة بين الطموح والواقع، هذه المسافة التي تحوي المضمون، وهو انتصار الحياة لنفسها، فهي تصنع من التفاعل بين البشر إضافة مهمة لاستمرار الحياة، وكمنت هذه الإضافة في أوجه يوسف الـ99، التي تعتبر عملًا فنيًا مكتملًا، كشف ليوسف إجابات أسئلته الوجودية، وأضاء لمن يأتي بعده ويقع في حيرته نفسها، كيف يكون سبيل الخروج من هذه الحيرة، وهكذا تستمر الحياة وتمنح لنفسها الخلود.

هذه المفارقة شكلها الكاتب عادل عصمت ببراعة، مستندًا على سرد مسترسل دون توقف، كأنه جرعة حكي واحدة أو دفقة شعور واحدة، تتناسب مع روح البطل الذي يصل لقمة مهارته في الرسم حين يخرج كل ما في صدره دفعة واحدة، وهذا في المجمل ما يميز أعمال الروائي عادل عصمت، وآخرها كان رواية “جنازة السيدة البيضاء”.


“الأحداث الصغيرة هي الحياة. لا تصدق إن هناك حوادث كبرى، كلها تفاصيل صغيرة، حتى الأحداث الكبرى نحن من نصنع منها أحداثاً كبرى عندما نرويها. الروايات هي التي تقيم الأحداث وتضع واحداً أعلى من الآخر”. 

_ اقتباس من الرواية.

لم يكن الخيال في القصة مجد فانتازيا فارغة، بل كان بطلًا محركًا للحدث الرئيسي، وهو ميلاد الطفل بنبوءة، وتشكل طموحه برؤية، وتعلقه بالضوء كعنصر طبيعي تسلطه الحياة، ليكون جزءا من تشكيل البشر، أو محركًا رئيسيًا لمصائرهم، تمامًا كما يغلف الظلام حيوات أخرى، وعلى غير المعتاد فلم تولد المأساة من رحم الظلام، بل ولدت من رحم الضوء، كما قال المعلم الملائكي توما الإكويني “لا يوجد أي ألم بدون معنى، فالألم دومًا مبني على حكمة الله”.

وكما اعتبرت أم يوسف نفسها “حكاية امرأة تحب الله”، اعتبر يوسف نفسه يتحرك بروح مقدسة، يؤمن بوجودها وتدفعه دوما لطموح أعلى “فكرة أني منذور لشيء كبير، تكمن تحت كل تصرف، وتوهمني أن بإمكاني أن أخلق هذا الشيء، يمكنني أن أصل إلى الروح السائلة تحت الأشياء”، والتي أفضت به في النهاية للعثور على الإجابات في لوحاته الـ99 لوجهه الوحيد، متأثرًا فنيًا وروحانيًا بلوحات الفيوم.

اقرأ أيضًا:


اشكاليات اجتماعية تقف خلف حكاية البطل

فيديو يوتيوب

تطرح رواية “حكايات يوسف تادروس” (الحائزة على جائزة نجيب محفوظ للأدب عام 2016) أيضًا اشكاليات اجتماعية، بدءًا من تكون العشوائيات التي رمز لها بـ”الزقاق”، والتي لا يريد أصحابها سوى العيش في سلام والعمل في صمت، مرورا بتأثير التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية على سكانها، الذين ذاقوا كل ما ذاقت الطبقات الدنيا من سوء تواصل في عصر الانفتاح، وفساد أخلاقي نتيجة الثالوث المرعب “الفقر والجهل والمرض”، وتمزق الخيط الرفيع بين الرضا بالعيش والخنوع.

كما تطرقت إلى الفتنة الطائفية، وتسرب شعور الأقلية للشعب المسيحي في فترات صعود الإسلام السياسية والإسلام النفطي، والذي لم يؤثر بشكل كبير في طبقات المسيحيين “المبسوطة ماديًا”، لكنه ألقى بظلال الغربة على جميع المسيحيين، وبدأ الشعور بالتهديد والقتل يطارد يوسف، رغم أن جرمه الوحيد كان “الحب”، الذي منحته له “سناء” عن طيب خاطر، لم يطب للمجتمع.

طبعة باللغة الصربية من رواية حكايات يوسف تادرس للكاتب عادل عصمت

غلاف طبعة رواية حكايات يوسف تادرس للكاتب عادل عصمت باللغة الصربية.

استطاع الكاتب الروائي عادل عصمت في روايته “حكايات يوسف تادرس” أن يصنع حيوات ممتعة داخل حياة واحدة، بسرد محترف متماسك، مشحونًا بالرموز والدلالات التي لا تنتهي، ومع كل قراءة جديدة تتفتح جوانب لم تكن مرئية من قبل في الرواية، ويجذبك أحد الأبطال أو الشخصيات المنحوتة بدقة، ناحية منظور مختلف للحياة نفسها التي يعيشها الآخرون، وعايشها القارئ.

عادل عصمت روائي كاتب مصري ولد عام 1959، له مجموعة قصصية بعنوان “قصاصات”، وتسع روايات منها “أيام النوافذ الزرقاء” الفائزة بجائزة الدولة التشجيعية للرواية عام 2011، ورواية “حكايات يوسف تادرس” الحاصلة على جائزة نجيب محفوظ للأدب المقدمة من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2016. ووصلت روايته “الوصايا” إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2019. وكان أحدث أعماله “جنازة السيدة البيضاء”.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة

مسلسل The Last Of Us.. محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

مسلسل The Last Of Us
ساندي ليلى
ساندي ليلى

10 د

يقول الشاعر الأمريكي الشهير روبرت فروست في إحدى أشهر قصائده المعرفة باسم النار والجليد: "يقول البعض بأن العالم سينتهي بالنار، ويقول آخرون سينتهي بالجليد وممّا تذوّقته في حياتي من شهوات، فإنّني أتضامن مع أولئك الذين يؤيدون النار"

كتب فروست هذه القصيدة في محاولة منه للإجابة عن السؤال الذي حير البشرية منذ بدء الحضارة، كيف سينتهي هذا العالم؟ كثيرون أجابوا عن هذا السؤال عبر التاريخ، سواء بالشعوذة والتنبؤات أو عن طريق العلم والفلسفة، ولم يغفل الفن إجابة هذا السؤال المصيري، فالفن مرآة للعقل البشري، إنه تصوير مادي لمخاوفنا وأفكارنا، وعبر السنوات قدمت لنا السينما الكثير من النظريات الخاصة بنهاية العالم، زلزال مدمر كائنات فضائية أمراض مستعصية وحوش مفترسة، والكثير الكثير من السيناريوهات المحتملة لفنائنا المحتوم.

لكن السينما لم تعد وحيدة في عالم الفن، ففي السنوات الأخيرة اخترقت ألعاب الڤيديو هذا العالم، وأصبحت تمتلك إضافة إلى ميزات الرسم والمغامرة والمتعة، قصصًا مشوقة رائعة مميزة، لقد أصبحت ألعاب الڤيديو أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في زمن سوبر ماريو، وأصبحت أشبه بمغامرة حقيقية بقصة خاصة بها، وشخصيات تفاعلية يتحكم اللاعب بمصيرها حتى إن قصص بعض الألعاب ولروعتها دفعت المنتجين إلى اقتباس أفلام ومسلسلات منها لكنها لاقت فشلًا ذريعًا مثل فيلم Assassin's Creed المقتبس من اللعبة المحبوبة والذي كان خيبة أمل مؤلمة، أما في هذا المقال فسنقدم مراجعة لمسلسل مقتبس من لعبة ڤيديو شهيرة نجح في تحطيم الأرقام القياسية بعد عرض حلقتين فقط، هو مسلسل The last of us.


معلومات عن مسلسل The Last Of Us

فيديو يوتيوب
  • كتابة كريج مايزن، نيل دركمان
  • طاقم العمل بيدرو باسكال، بيلا رامزي، آنا تورف
  • عدد الحلقات 9 حلقات
  • تاريخ العرض 15 يناير/كانون الثاني 2023
  • التقييم على IMDb هو 9.4/10
  • التقييم على Rotten tometto هو 97%

مسلسل The Last Of Us: محاولة للنجاة بالحياة في عالم ما بعد فناء البشرية

تبدأ أحداث المسلسل بداية بطيئة بعض الشيء، حيث تبدأ الحلقة الأولى بمشهد يدور في الستينيات، نرى فيه مقابلة مع عالمين من علماء الڤيروسات وينبه أحدهما إلى خطر الفطريات، التي يمكن أن تسيطر على دماغ البشر دون رادع، الأمر الذي سيفسر ما سيطرأ من أحداث لاحقة.

تنتقل الأحداث إلى عام 2003 ونتعرف على جول وابنته سارة اللذين يعيشان حياة هادئة اعتيادية، وتدور الأحداث في هذه المرحلة من وجهة نظر سارة الغافلة عما يجري، لكن يتم التلميح للخطر في كل مشهد، سواء من خلال الأخبار التي تبث عبر المذياع، أو توتر صاحب محل الساعات الذي ذهبت إليه سارة لإصلاح ساعة أبيها. فجأة تستيقظ سارة على صوت انفجارات عالية، فتخرج من البيت لتعيد كلب الجيران الذي يبدو مرعوبًا للغاية، لكنها تصدم أن جارتها العجوز المقعدة، تحولت إلى نوع غريب من الوحوش، والتهمت كل سكان المنزل.

في أثناء محاولة سارة الهرب، يصل والدها إلى المنزل مع عمها تومي، ليحاولوا الهرب من المدينة التي تحولت إلى جحيم حقيقي، لكن سارة تقتل على يد أحد الجنود وتموت بين ذراعي أبيها. تقفز الأحداث عشرين عامًا، فنرى جول الذي أصبح حطام إنسان، يعيش في منطقة الحجر الصحي في بوسطن، ذلك أن الفطريات التي اكتسحت العالم منذ عشرين عامًا، غيرت وجه البشرية كلها، يدير هذه المنطقة الوكالة الفيدرالية للاستجابة للكوارث (فيدرا)، بأسلوب عسكري قمعي استبدادي، حيث يجبر الناس على العمل في مهن شاقة، كحرق الجثث وتنظيف المجاري، ليأخذوا بطاقات تموينية تعطيهم كفاف يومهم، لكن جول لا يكتفي بهذا، بل يعمل أيضًا كمهرب مع شريكته تيس، وعندما يفشل شقيقه تومي في الاتصال بهما من موقعه في وايومنغ، يحاولان شراء بطارية سيارة من تاجر محلي، ولكن بدلًا من ذلك يبيعها إلى اليراعات، وهم مجموعة متمردة تعارض فيدرا، ويتم تسميتهم بالإرهابيين.

في محاولة لاسترداد البطارية، يجد جول وتيس أن الصفقة قد انحرفت عن مسارها، وأن معظم محاربي اليراعات قد قتلوا، فتعقد مارلين زعيمة اليراعات الجريحة صفقة مع جول وتيس، وهي أن يصطحبا إيلي الصغيرة إلى ولاية ماساتشوستس عبر الولايات المدمرة المليئة بالفطريات القاتلة، مقابل الإمدادات التي ستساعدهما في الوصول إلى تومي، يحاول جول وتيس أن يعرفا حقيقة أهمية إيلي، لكن مارلين تلتزم الصمت

في أثناء هروبهم يتم القبض عليهم من قبل جندي خلال التسلل إلى الخارج، تطعنه إيلي عندما يختبرهم بحثًا عن العدوى، وعندما حاول الجندي إطلاق النار عليها يضربه جول حتى الموت، تدرك تيس أن إيلي مصابة، لكن إيلي تريهما أن الإصابة عمرها ثلاثة أيام، ومن المستحيل ألا تتحول خلال هذه الفترة أو تموت. لربما كانت بداية العمل باردة بعض الشيء، لكن الإثارة المتصاعدة والتوتر والدراما الرائعة طغت على كل شيء آخر، إضافة إلى دقة التفاصيل وربط الأحداث المتقن الذي جعل العمل يحطم الأرقام القياسية بعدد المشاهدات حلقة بعد حلقة، ومن الواضح أن أحداث العمل القادمة تبشر بالمزيد من الإثارة.


محبو اللعبة سيسعدون للغاية بالعمل، اقتباس بعيد عن التشويه وأمانة في نقل الصورة

إن اقتباس أي عمل كان، يحمل في ثناياه خطر تشويه الأصل، أو تقديم مادة لا تمت بصلة له، وهناك الكثير من الأعمال الشاهدة على خيبة أمل الجمهور بسبب سوء الاقتباس، لكن بالنسبة إلى مسلسل The last of us يمكننا القول إننا شهدنا أفضل اقتباس على الإطلاق، لقد بقي كتّاب العمل أوفياء لأساس القصة الخاصة باللعبة، ولم تشهد أي نوع من المبالغة الدرامية، أو التغيير المزعج، بل احترمت الكتابة روح اللعبة.

لكن هذا الكلام لا يعني إطلاقًا أننا سنشاهد نسخة كربونية من اللعبة، لقد أكد الكتّاب أن القصة ستنحرف قليلًا، وسيتم تغيير بعض الأشياء بما يناسب العرض التلفزيوني، ومما شاهدناه من العمل حتى الآن، يبدو أن الكتابة أضافت نظرة إبداعية، عمّقت القصة وأوضحت نقاطًا لم ترد في اللعبة، كما يمكن أن يلاحظ أي لاعب مخضرم، فقد ركز المسلسل على أساس وجود المرض، وشرح آلية عمله وطريقة انتقاله وتطوره المرعب، الذي جعله أسوأ ما أصاب البشرية منذ قرون، وقد ظهرت أمانة الاقتباس في بعض التفاصيل الصغيرة التي تميزت بها اللعبة، مثل ساعة جول المكسورة التي كانت آخر هدية من ابنته سارة، أو ملابس الشخصيات أو حتى بعض المشاهد التي تعتبر أسطورية في عالم اللعبة، ويمكننا القول إن وفاء صناع العمل للأصل، كان من أبرز أسباب نجاحه، فاللعبة التي حققت نجاحًا لافتًا وشعبية كبيرة، حققت هذا كله بفضل قصتها المميزة المؤثرة، والتي نجح المسلسل في تقديمها في أولى حلقاته، ومن الواضح أنه ينوي الاستمرار على هذا المنوال.


بداية مميزة تمهد للرعب القادم وأجواء تذكرنا بأجواء المسلسل الشهير The walking dead

كما قلنا سابقًا، بداية العمل كانت باردة بطيئة، حياة هادئة لأب وابنته في ضاحية هادئة في مدينة أوستن، تكساس تنقلب جحيمًا بين ليلة وضحاها، براعة التقديم كانت تصوير الأحداث من وجهة نظر سارة البريئة الغافلة عن كل ما يجري حولها، لكن التوتر كان متواريًا في الزوايا ينبئ بالخطر، كالأخبار في المذياع التي تنبئ بالكوراث، توتر أصحاب محل الساعات وإسراعهم في الإغلاق، توتر كلب الجيران، كل هذه الأشياء البسيطة كانت تمهد لما سيحدث لاحقًا، حتى إن بعض المشاهد حملت الطابع الديستيوبي المميز لمسلسل The walking dead الغني عن التعريف، لكن بدلًا من وجود ڤيروس غامض يحول البشر إلى زومبي، أصبح الخطر متركزًا في فطريات غريبة تتطفل على الجسد وتأكله من الداخل إلى الخارج، إضافة إلى المشهد الافتتاحي الذي عرض أحد العلماء يتنبأ بخطر الفطريات، كل هذه التفاصيل جعلت المشاهد متحفزًا يستشعر الكارثة في كل زاوية، كل هذه التفاصيل لم تكن موجودة في اللعبة، الأمر الذي أعطى القصة مدًا أوسع لتأسيس هذا العالم الضخم، وتمهيد الطريق للمشاهد الذي لم يعرف اللعبة سابقًا، كي يتفاعل مع الأحداث وهنا يطرأ سؤال مهم للغاية قد يطرحه أي متابع


هل يجب أن تكون لاعباً للعبة كي تفهم العمل؟

بداية يجب التنويه إلى أن عالم ألعاب الڤيديو عالم ساحر مستقل بحد ذاته، يحتاج شغفًا وحبًا لهذا العالم كي تستمتع به، وليس باستطاعة أي كان ممارسة لعبة ڤيديو معقدة تفاعلية كهذه اللعبة، والإجابة عن سؤالنا هذا أتت من اللاعبين أنفسهم، الذين أكدوا أنه لا ضرورة للعب اللعبة إطلاقًا، فعلى الرغم من وفاء العمل لأصله، إلا أنه قدم الكثير من التفاصيل والمشاهد التي ترفع الغموض عن الأحداث، بل حتى إن اللاعبين المخضرمين سيجدون العمل ممتعًا مشوقًا بفضل هذه الإضافات المتقنة.


تحفة درامية جديدة من صانع التحفة الدرامية Chernobyl

إن لم تكن قد شاهدت مسلسل تشيرنوبل الدرامي الرائع، فقد فاتك الكثير حقًا، لقد قدم هذا العمل خلال حلقاته القصيرة، قصة حقيقية مؤلمة زادها ألمًا عن حادثة انفجار مفاعل تشيرنوبل النووي، وما ألحقه من خسائر بشرية واقتصادية وسياسية، وحقق أرقام مشاهدات قياسية في زمن قصير. وها هو ذا كريغ مايزن كاتب مسلسل تشيرنوبل، يعود مجددًا واعدًا المشاهدين بتحفة أخرى تضاهي ما سلف، خاصة أنه معجب جدًا بقصة اللعبة، حيث صرح في إحدى المقابلات: "لا توجد لعبة أخرى أفضل من The Last of Us عندما يتعلق الأمر بالسرد القصصي، هذه أعظم قصة سُرِدت في ألعاب الفيديو على الإطلاق".

كما أن انضمام مخرج ومطور اللعبة نيل دراكمان إلى مايزن، كان إضافة ذكية أبقت القصة الخاصة بالمسلسل تحت أنظار المبتكر الأصلي، الأمر الذي سيبقي القصة ضمن إطار المادة الأصل دون تشويه وإفساد.


اختيار موفق لطاقم العمل

إن أهم عنصر في أي عمل هو طاقم التمثيل، فهم التجسيد المادي المرئي للشخصية المكتوبة، ومهما كانت الشخصية مميزة ومتقنة في كتابتها، فلو جسدها شخص غير كفؤ، فإن هذا سيودي بها إلى الفشل. بالنسبة إلى مسلسل The last of us كان اختيار الممثلين موفقًا للغاية، خاصة الشخصيات الرئيسية التي تتقاطع دروبها خلال سير الأحداث، فمن غير الرائع بيدرو باسكال يجعلنا نذرف الدموع دون أن ينطق كلمة واحدة.

بيدرو الذي أغرم به كل من شاهد مسلسل صراع العروش بشخصية الثعبان الأحمر أوبرين مارتيل، أثبت مجددًا أنه الرقم الصعب، وقدم شخصية جول العنيف المحطم الغارق في البؤس، بطريقة أقل ما يقال عنها إنها مبهرة، حيث نال إشادات واسعة عن أدائه في الحلقة الأولى، سواء من النقاد أو من اللاعبين الذين رأوا شبهًا رائعًا بينه وبين شخصية جول في اللعبة، خاصة مشهد مقتل ابنة جول سارة الذي كان صادمًا مؤثرًا، جعله أداء باسكال وباركر مدمرًا، حتى بالنسبة لمن لعب اللعبة ويعلم ما الذي سيحدث.

وإن كان باسكال رائعًا فإن بيلا رامزي كانت استثنائية، خطفت الأضواء منذ أول ظهور لها، بيلا التي عرفناها بشخصية ليانا مورمونت من لعبة العروش أيضًا، قدمت أداء متقنًا لشخصية صعبة، هي إيلي الفتاة الصغيرة التي يبدو أنها تحمل سر نجاة البشرية، كما أن التناغم والكيمياء الواضحة بينها وبين باسكال كان الأمر الأهم في العمل، فهاتان الشخصيتان هما أساس المسلسل وهذا التناغم بينهما أفاد العمل وزاد من روعته.


زوايا تصوير مميزة وموسيقى أسطورية ملائمة للعمل

الانسجام والتناغم كان عنوان أسلوب التصوير في العمل، فزوايا الكاميرا الموضوعة في أماكن مدروسة، جعلت المشاهد يشعر أنه دخل إلى المسلسل، خاصة مشهد هروب جول مع أخيه وابنته، ولم تكن الألوان المستخدمة أقل شأنًا، فقد كانت كالحة باردة، وضعت المشاهد في الجو المطلوب، جو نهاية العالم وحياة ما بعد الكارثة، كذلك المؤثرات الخاصة بأشكال الزومبي أو المتحولين التي لاقت كثيرًا من الثناء، حيث مزجت بين الدقة والرعب المميزين، إضافة بالطبع إلى اختيار أماكن مهجورة عفنة، كل هذه التفاصيل الدقيقة أضافت المزيد من الرونق إلى العمل، ولا يمكن إهمال دور الموسيقى التي كانت رائعة مثالية، سواء في المقدمة التي أبدعها غوستافو سانتوللا أو موسيقى التصوير المبهرة التي كانت ملائمة للغاية للأحداث وللعمل ككل.


عمل حطم الأرقام القياسية على أكثر من صعيد

أقل ما يمكن القول عن مسلسل The last of us إنه عمل أسطوري، ليس فقط على صعيد القصة والشخصيات والتصوير، بل أيضًا بأرقام المشاهدات الخيالية، حيث حققت الحلقة الأولى 4.7 ملايين مشاهدة أما الحلقة الثانية فقد رفعت نسبة المشاهدة إلى مستوى خيالي بلغ 22% عن الحلقة الأولى، أما تقييمات الحلقات فلم تكن أقل إبهارًا حيث حققت الحلقة الأولى تقييم 9.2/10 أما الحلقة الثانية فحققت 9.4/10 على موقع IMDb الشهير، يبدو أن الجميع معجب بـ The last of us


غوغل أيضاً معجب بالمسلسل

حركة طريفة يقدمها غوغل لمحبي المسلسل عندما تكتب في محرك البحث الشهير The last of us سيُظهر لك غوغل صورة فطر ما إن تضغطه حتى تمتلئ شاشة حاسوبك أو هاتفك بالفطريات الموجودة في المسلسل، لا يمكن إنكار ذكاء الفكرة يبدو أن غوغل أعجبه العمل كذلك.

على الرغم من عرض حلقتين فقط إلا أنه من الواضح أننا أمام مسلسل عظيم، سينضم إلى قائمة أفضل المسلسلات كقصة وأداء تمثيلي، ويبدو أن القادم من الحلقات سيحمل المزيد من الإبداع والإثارة والصدمات.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.