لم ولن تكون خسائرنا يومًا بجملتها خسائر مادية فقط، وإنما يسوء الحال لكونها تلك الآثار المؤلمة التي تعصف بالعقل والمشاعر، وهو ما دفعني أكثر للكتابة عن ماهية الحفاظ على صحة التركيب الإنساني المؤلَّف من العقل والعاطفة، وبشكل خاص في ظل الظروف الراهنة التي لم تتوقف فقط عند انتشار الأوبئة مثل فيروس كورونا المستجد أو الأزمات الاقتصادية التي خيمت على العالم بأكمله، بل أيضًا ما شهدته بعض الشعوب من حروب وصراعات سياسية، أودت بحياة الكثيرين وأثارت في النفوس كل ما يُدمي القلب، كل هذه الأحداث الجارية أظنها كانت كفيلة لأن تأخذ منا كل آمالنا متمنين العزلة والاتكاء في انتظار المصير الأخير.

لكن مع هذا أود أن أذكّر نفسي وأذكركم بالاقتباس التالي من كتاب “العادات السبع للناس الأكثر فاعلية” والذي يقول

“نحن مسؤولون عن تحقيق فعاليتنا الخاصة من أجل تحقيق سعادتنا، بل من أجل معظم الظروف التي نمر بها”

بما يعيدنا ثانية للبحث والكتابة عن كيفية الحفاظ على مشاعرنا وأفكارنا دون تجاهلها أو حتى الإفراط فيها.

الصحة العقلية والنفسية…وبصمتها على الأفراد كبارًا وصغارًا

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

ليس شرطًا أبدًا أن تضطرب صحتنا النفسية والعقلية نتيجة أننا جزء أساسي من الحدث، أو أننا نحن من نعيشه، ولكن يرجع الأمر أيضًا لتأثرنا كأفراد بكل ما يحدث من حولنا سواء على أرض الواقع أو العالم الافتراضي، وما يهلك طاقتنا أكثر هو شعور العجز واليأس بعد سماعنا الأخبار المحزنة والمتداولة بشكل تفصيلي وسريع على مدار اليوم والساعة، ويظهر هذا في الطريقة التي نتعامل بها بعد كل موقف عصيب كالانقضاض على الغير، والتكيف أو عدم التكيف مع تلك الظروف المجهدة التي لا مفر منها، ومحاولات الحصول على الطمأنينة والدعم من الأهل والأصدقاء.

لا يقتصر الأمر على الأشخاص البالغين فحسب، وإنما يرتبط تدهور الحالة الصحية والنفسية للأطفال ارتباطًا وثيقًا بما يعانيه الكبار من حولهم وأولياء الأمور ممن تضرروا من سوء الأحوال الجارية، بما يؤثر على سلوك هؤلاء الصغار بالسلب وتعرضهم للصدمات وضعف الحالة البدنية والتحصيل العلمي، والمعاناة من عدم الثقة بالآخرين وإقامة علاقات صحية سليمة مع البالغين.

العاطفة أو العقل…لا يجب التفضيل بينهما

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

أفكارنا، مشاعرنا، هي نسيج حكايتنا وكياننا الداخلي، لذا؛ لا أظنها ستذهب يومًا في عطلة ما لتتركنا وشأننا نعايش الكوكب كما نحب ونتمنى، ولكن الحفاظ على التفاعل العاطفي والانضباط الذاتي والتحكم في ردود الأفعال أهم ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا حتى نتخطى المشاكل الراهنة، وهو ما ينقلنا للتالي.

الوعي الكامل بما نشعر به ومحادثات الأشخاص من حولنا

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

تتملكنا جميعًا ولا أستثني أحدًا مجموعة من المشاعر المضطربة والمؤلمة عند التعرض للأزمات أو بمجرد تسرب بعض الأخبار السيئة، التي بتنا نسمعها بشكل لحظي أو نشاهدها كلقطات حية موجعة، في هذه الأثناء عليك أن تحدد ما تشعر به بشكل واعٍ وتفهم هذه المشاعر، حتى تتمكن من إنشاء مساحتك الآمنة والتحدث إلى من تثق بهم من أفراد العائلة أو الأصدقاء، فقط خذ الوقت الكافي للتعبير عن كل ما يدور داخل العقل والوجدان.

مهارة التحدث بصوت عال عن مشاعرنا خارج حدودنا التي لا نسمح لأحد بالاقتراب منها من الأولويات التي يجب تبنيها، وإلا ستضعف قوتنا شيئًا فشيئًا، بما يعيقنا عن الحفاظ على حياتنا الأسرية والوظيفية، وربما ينتهي الأمر برغبتنا في العزلة عن العالم المحيط، وهو الأسوأ في نظري!

التدوين سر التعامل العقلي والعاطفي

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

لكن ماذا إذا فشلت النصيحة الأولى! وبالفعل قد يحدث هذا مرارًا وتكرارًا، حيث هناك بعض الأشخاص الذين لا يحبّذون فكرة الحديث مع غيرهم، وآخرون وهم كثر، لديهم فجوة كبيرة بين ما يشعرون به بالفعل وما يظهرونه من كلام وأفعال، حتى يبدون أقوياء مسيطرين على الأمور داخل إطار حياتهم، وهو ما يضر بالصحة العقلية والعاطفية تباعًا.

وفي هذه الحالة؛ لاشك بأن الاعتماد على التدوين وكتابة كل ما يجول بخاطرك في دفتر يومياتك بدءًا من هذه اللحظة يتيح لك فرصة استكشاف مشاعرك ومن ثم معالجتها بشكل صحيح، لذا؛ لا تتردد أبدًا في تجربة الأمر وتخصيص دقائق يومية لهذا.

ليست حدودًا صحية مع الآخرين فحسب…وإنما مع أنفسنا أيضًا

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

قراءة الأخبار، مطالعة الصحف، تصفح وسائل التواصل الاجتماعي كلها أمور من الصعب تجنبها في عالمنا الجديد، بالرغم من علم الجميع بأنها تزيد من مستوى التوتر والقلق، لهذا وضْعنا بعض الحدود الصحية مع أنفسنا بالتأكيد سيخلق جوًا أقل ضغطًا، وذلك من خلال تخصيص دقائق معدودة للاطلاع على آخر الأخبار والتحديثات وليس اليوم بأكمله كما نفعل، كما أن إيقاف تشغيل إشعارات هاتفك الواردة من المواقع الإخبارية هنا وهناك تجعلك تتحقق من تلك الأحداث بشكل أقل تكرارًا، بما يخفف من شدة القلق.

التفاعل مع الأحداث الجارية يتطلب أيضًا أن نكون صامدين، ولن يحدث هذا إلا بالبحث عن الفرح والمرح، وعلى عكس العناوين الرئيسية الأولى التي تتصدر الصفحات والمواقع المختلفة في الفترات القليلة الماضية بشأن الظواهر الحالية التي ألمّت بكوكبنا، إلا أنه لا يزال هناك الكثير من القصص الملهمة والأخبار الجيدة التي ترفع من مستوى هرمونات السعادة لدينا.

أن تضع حدودًا صحية مع الآخرين أيضًا لا شك وأنه سيفيد، فمن حقنا كأشخاص أن نرفض التحدث عن هذا الأمر أو ذاك والتطرق إلى مواضيع أخرى ما دمنا لا نريد الآن، فتقديرنا لآراء الآخرين لا يمنعنا من اللجوء لمساحتنا الفكرية الخاصة واستنتاج مشاعرنا لمعرفة ما نحتاجه، يساهم بشكل كبير في حماية طاقاتنا الداخلية وصحتنا العقلية.

القائمة والتذكير… هي تلك النقاط المضيئة وسط الحكاية

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية
  • عندما قمت بفعل هذا… هل شعرت بأنني على ما يرام؟
  • أشعر بأن اليوم أفضل حالًا… فما الذي ساهم في هذا؟
  • ما الذي يجعلني أفكر بشكل إيجابي؟
  • ما هي الخيارات التي دفعتني للندم؟
  • ما الذي يجعل يومي أكثر صعوبة، وكيف أقلل من الأمر؟

تلك هي القائمة التي أقصدها – قائمة الأسئلة التي يجب أن نسألها لأنفسنا مع كل يوم ونجيب عليها بشكل واقعي- لأنه إذا تخلينا عن هذه التساؤلات وأجوبتها فإننا سنعاني من الإرهاق وفساد المزاج وربما تأنيب الضمير آخر الأمر، ولكن إذا أظهرت شجاعتك للإجابة عليها، فحينها قم بتذكير نفسك بالنقاط التي تشعرك بالإيجابية ومحاولة القيام بها، كأن تخلق عادات جديدة في يومك أو الذهاب في نزهة، وكذلك الامتنان لما يقدمه بعض الأشخاص من حلول لإنهاء الصراعات ومواجهة المرض والانتصار عليه، فهذه النقاط بالرغم من بساطتها عند البعض، إلا أنها حتمًا ستجدد طاقتنا وتزيدنا تفاؤل لننير العتمة.

الرعاية الذاتية على اختلاف مقصدها وكيفيتها ضرورية

خطوات للحفاظ على صحتنا النفسية

قدم الحلوى لنفسك! نعم افعل هذا بكل بساطة، فما نقصده بالرعاية الذاتية هنا هو القيام بأي نشاط يخدم صحتنا العقلية والعاطفية، وتقديم الحلوى لأنفسنا من أمثلة الرعاية الذاتية قصيرة المدى التي قد تناسب بعض الأشخاص، كما أن الحصول على قسطٍ كاف من النوم بدون خوف أو قلق من الأمور التي تحقق الرعاية الذاتية طويلة المدى.

من هذا المنطلق حاول أن تقدم لشخصك إصدارًا جديدًا من أنشطة الرعاية الذاتية التي تناسبك، كشرب الماء على مدار اليوم، والتواصل مع الأصدقاء والأحبة، أو التأمل واستكشاف هوايات جديدة، وإلغاء حسابات التواصل الاجتماعي والخروج من الصفحات والمجموعات التي تسبب لك الإزعاج وتؤثر عليك بشكل سلبي.

إخفاء المشاعر وإنكار الأفكار والمعتقدات، وعدم السماح لأنفسنا بتجربة كل هذا يجعلنا أيضًا متهمين أمام الحالة التي وصلنا إليها، وكأشخاص بالغين جميعنا مسؤولين باختلاف أعمارنا وظروفنا المحيطة، لأننا نؤثر ونتأثر، ولكن ما أعلمه هو أننا كمجتمعات نستحق السعادة بكل صورها، نستحق أن يكون يومنا أفضل من الأمس، ولا أظن أن هذا سيحدث بدون فهم ما نشعر به وإظهاره لفظًا ومعنى، بما يحقق توازننا العقلي والعاطفي ومن ثم سعادتنا.

اقرأ أيضًا: