تعدد العلاقات العاطفية
0

الأسرة، الصداقة، الزمالة، الحياة الزوجيّة.

في جميع العلاقات وتحت أيّ مسمّى، هناك الكثير من التفاعل والتواصل، والعواطف والانجذب، والتعاون والمصالح، وكلّ هذه المفاهيم تخدم في النهاية هدفاً كامناً في بواطن كلّ شخصٍ من حولنا.

إنّنا نقدّم أنفسنا للآخرين بطرقٍ مختلفة، بعضها من منطلق أخلاقيّ أنيق وبعضها قد يذهب في أدراجه أبعد من ذلك. ففي بداية أيّ علاقة عاطفية قد تشعر بأنّك تنجذب إلى شخص ما، تحت هالةٍ من الكيمياء المزعومة والعاطفة المشحونة، لكن ماذا لو تكرّرت تلك الحالة مراراً في كلّ مرّة تقابل كائناً من الجنس الآخر؟

ما المقصود بتعدد العلاقات العاطفية؟

تعدد العلاقات العاطفية
يُعرَّف تعدد العلاقات العاطفية أو ما يسمّى بـ “Polyamory” بالانخراط والانفتاح على العلاقات العاطفيّة الحميمية مع أكثر من شخصٍ واحد، فعندما لا يكتفي الرجل أو المرأة بعلاقةٍ واحدة أو بزواجهم فقط، تتوّجه غريزتهم بدلاً عن ذلك إلى استثمار المزيد من طاقتهم العاطفية خارج نطاق الزواج أو العلاقة الحالية، رغبةً في نيل المزيد من الدعم العاطفي وإشباع الفائض من الحاجات النفسيّة والجنسيّة.

الخطّ الطبيعي لسير العلاقات العاطفيّة

تعدد العلاقات العاطفية
عندما نكون صغاراً، ننغمس في عالمٍ من الأشخاص الذين يعرفوننا ويهتمون لأمرنا، أقراننا في المدرسة، المعلمين والمدراء، والأخوة والأخوات وأولياء الأمور.

نتقدّم سريعاً نحو مرحلة البلوغ، وسرعان ما نتعلم أنّ الأشخاص الذين يهتمون بنا يمثّلون جزءاً صغيراً فقط من هذا الكون الواسع، وأنّ العالم خارج دائرتنا الشخصية باردٌ ووحيد. لهذا السبب يبدأ معظم الناس في الحصول على شريك دائم بحلول أواخر العشرينات من العمر، وبالمقابل مع تطوّر الحياة السريع والدخول في عالم التواصل الشاسع الذي تجاوز كل المسافات، وألغى كل الحواجز والحدود، بدأت رغبة البعض تزداد وتتحوّل إلى نظام التعددية في العلاقات، تحت حكم الغرائز غير المضبوطة والفرص اللامتناهية المتوافرة.

اقرأ أيضا: هل تمر بأزمة عاطفية؟ إليك كتب تتحدث عن صدمة العلاقات العاطفية الفاشلة

‏تعدد العلاقات العاطفية: هل يسع قلب آدم وحواء لأكثر من شخص؟

في إحدى الدراسات تبيّن أنً النساء اللاتي يتزوّجن أكثر من مرّة واحدة يشكّلن حوالي 10%، بينما الرجال الذين يفعلون ذلك يصلون إلى نسبة 40%، وهذا التفاوت المثير للجدل يوصلنا إلى حقيقة شيوع نمط التعددّية لدى الرجال أكثر من النساء، وهو أمرٌ متعارف عليه لدى أسلافنا على مرّ العصور والحضارات المتنوّعة والظروف المختلفة.

ما أوجه الاختلاف بين المرأة والرجل من الناحية العاطفيّة؟

تعدد العلاقات العاطفية
إنّ الرجال والنساء بشكلّ عام لديهم درجة كبيرة من الاختلاف في كيفيّة معالجة الدماغ للمعلومات وتخزينها. تستطيع النساء معالجة البيانات في كلّ من الفص الأيمن والأيسر للدماغ في وقتٍ واحد، فالفص الأيمن من الدماغ عاطفيّ حسي متقبّل ممّا يعني أنّ المرأة قادرة على دمج المشاعر مع الأفكار بسهولة أكبر، بينما تميل طبيعة الرجل إلى معالجة البيانات غالباً في الفصّ الأيسر للدماغ أولاً، والذي يمثّل المنهج المنطقي والعملي، وهذا ما يخلق اختلافاتٍ في الاحتياجات العاطفية للرجال والنساء.

ونتيجةً لذلك لن يعرف معظم الناس بشكلّ غريزيّ كيفيّة دعم شريكهم، فالمرأة تحتاج إلى الشعور بالأمان والتقدير والأولويّة والتفهم والاحترام، بينما يحتاج الرجل إلى منحه الاحترام والثقة، وتقبّله بما هو عليه من دون الحاجة إلى تغييره، بالإضافة إلى الإعجاب والتشجيع المستمرّ من قبل شريكته.

أسباب تعدّد العلاقات العاطفية

تعدد العلاقات العاطفية

اضطراب التواصل والفهم

تعدد العلاقات العاطفية

في عالمنا ومحيطنا من السهل مشاركة الأفكار والمعلومات الموجودة في عقلك أكثر من مشاعرك، وهذا المنهج والنمط من التفكير والتجنّب أوقع الكثير من النساء والرجال في مأزق التعبير عن المشاعر والأحاسيس الكامنة داخلهم إلى حدّ وضع الحواجز وتشويه العلاقة العاطفيّة بناءً على سوء التواصل والفهم، إذ يقتضي عمق المشاعر في قلبك مخاطرة عاطفية وشجاعة غير مسبوقة، ستجعلك تشعر بالخوف والضعف في البداية لكنّها في المقابل ستخلق تقارباً وتفاهماً واتزاناً في علاقتك، من خلال مشاركة حقيقة مشاعرك واحتياجاتك مع شريك حياتك، لترقى إلى تحقيق العلاقة الحميميّة الأعمق.

الحرمان العاطفي


قد نحمل جميعاً بداخلنا جروح طفولتنا، وهي المسؤولة بالدرجة الأولى عن كيفيّة تصوّرنا للآخرين، ليبدو الأمر كما لو أنّنا ننظر إلى شريكنا من خلال العدسة المشوّهة لجروح طفولتنا.

يعكس تعدّد العلاقات العاطفية حالةً مضطربة غير صحيّة، فهذا العطش والنهم وراء الولوج في الكثير من العلاقات ما هو إلاّ تعبير عن تجذّر العقدة في الطفولة جرّاء الحرمان من حنان الأب أو الأم أو سوء التقدير والمعاملة من محيطك. فكلّ محاولاتك ومغامراتك العاطفية لتكون مرغوباً باجترار أفئدة وأجساد أقرانك، على أمل الإرتواء وشراء الرضا سيمنحك تأثير المهدّئ المؤقّت لعقدك وأضغانك اتجاه الجنس الآخر والآخرين.

البحث عن المثاليّة والكمال

تعدد العلاقات العاطفية
نتوق جميعاً إلى تخيّل صورة شريك الحياة المثالي، تجول الأفكار في خواطرنا عمّا سيكون عليه ذلك الشخص، وما مدى روعة قضاء حياتنا معه. تشير الدراسات إلى أنّ الناس يقضون الجزء الأوّل من حياتهم في البحث عن الرفيق المثالي، وبعد أن يعثروا عليه، يقضون بقية حياتهم في محاولةٍ لتغييره.

وهذا ما ترتّب عليه ارتفاع معدل الطلاق في مجتمعنا إلى 40-50٪، إذاً من الأفضل لنا أن نتراجع خطوةً إلى الوراء ونعيد تقييم شكل العلاقة المثالية حقّاً، بعيداً عن ترّهات وفقاقيع عالم التواصل الاجتماعي التي تصوّر الحياة الزوجية والعاطفية بأبهى صورةٍ ممكنة بعيدةً كلّ البعد عن أرض الواقع.

الحاجة لإشباع الرغبات

تعدد العلاقات العاطفية
‏‎عدم اكتفاء الشخص (رجل أو امرأة) بشريكٍ واحد لتلبية حاجاته المتنامية، يدّل على تعاظم الرغبة الجنسية مع الافتقار للنضج النفسي والاتزان العاطفي، فإثبات الإحساس بالرجولة أو الأنوثة من خلال العلاقات العاطفيّة أو الجنسيّة المتعدّدة، ما هي إلاّ ذكورةٌ/ أنوثة زائفة تخفي وراء ستارها منطقة الـ”هو” المشحونة بالأهواء والرغبات المكبوتة واللّذات المتضاربة.

مشاكل نفسية

تعدد العلاقات العاطفية
على رأسها اضطراب الشخصية النرجسيّة، يمتلك النرجسي فجوةً لا نهاية لها من الحاجة، وعادةً ما تكون بداية العلاقة معه سريعة الخطى، سيخبرك أنّك أفضل شيء حدث له على الإطلاق، وحالما تنتهي فترة شهر العسل والمرح سيبدأ في البحث عن مخرج من هذه العلاقة، لأنّها ببساطة لم تعد تلبّي نرجسيته وحاجته العاطفية، وقد يصل الأمر به إلى الانتهاك العاطفي بدءاً من الإساءة اللفظية وصولاً إلى الإساءة الجسدية.

اقرأ أيضًا: أفضل الروايات الرومانسية خلال عام 2020: قائمة تمسّ القلوب وشؤوننا العاطفية

إشارات تحذير عليك استشعارها


فيما يلي العديد من العلامات التحذيرية التي تشير إلى أنّك قد تكون على وشك الانخراط في علاقة عاطفيّة جديدة:

  • قضاء وقت طويل من يومك في التواصل مع الطرف الآخر (صديقك/صديقتك..).
  • اعتقادك أنّ الطرف الآخر سيفهمك أفضل من شريكك.
  • تجنّب قضاء الوقت مع شريكك قدر الإمكان.
  • استلطاف الطرف الآخر بتقديم الهدايا الشخصية.
  • الحفاظ على سريّة علاقتك الجديدة.
  • عدم الاهتمام بالعلاقة الحميمية مع شريكك أو شريكتك.
  • تمحور تفكيرك وانشغالك أو ما يسمّى أحلام اليقظة حول الشخص المعجب به.
  • مشاركة الأفكار والمشاعر والمشاكل مع صديقك بدلاً من شريكك.
  • الردّ على المواجهات والشكوك حول العلاقة العاطفية الظاهرة بعبارة “نحن مجرّد أصدقاء”.

أثر التعدّد على طرفي العلاقة


“في العالم الحديث يروّجون أنّ تعدّد العلاقات العاطفيّة يمنحك نضجاً أكثر ومعرفة لما تريد، والحقيقة أنّ ذلك مجرّد وهم، والمهارة الوحيدة التي سوف تكتسبها من الدخول والخروج المتكرّر هي مهارة إنهاء العلاقات وتجاوزها”-  زيجمونت باومان

تعدّد الانخراط في العلاقات هو غريزة أنانيّة بحتة، تتمحور حول الذات فقط دوناً عن أي شيء آخر، فالمرء هنا يفكّر في نفسه فقط، بموجب رغباته وشهواته، بعيداً عن أي أسس أو مبادئ أخلاقيّة.

بالنسبة لبعض الأفراد، ستكون أكثر العواقب إيلاماً وضرراً للعلاقة العاطفية هي الشعور بالخداع والخيانة والكذب، فأيّ جزء من حياة الفرد يتمّ إخفاؤه سرّاً عن الشريك العاطفي سيشكل خطراً على الأساس الجوهري للعلاقة ألا وهو الثقة المقدسة. ولعلّ ‏أكبر إهدار وضياع للطاقة ترتكبه بحقّ نفسك، هو دخولك في منهج تعدّد العلاقات العاطفية وكثرتها.

في النهاية لا توجد طريقة أفضل لتحسين سلوكنا وتعديله من أن نكون في علاقة عاطفية، قد تكون العلاقات مربكة في بعض الأحيان، لكنّها غالباً طريقة مثاليّة بالنسبة لنا لمعرفة نتائج كلماتنا وأفعالنا. من خلال تعاملك مع الطرف الآخر بلطف واهتمام ستزدهر العلاقة وتوصلكما إلى برّ الأمان والسعادة، وفي حال تلاعبك بمشاعره ستكون الجاني والضحيّة معاً في آن واحد، ولتتذكّر دائماً أنّ طبيعة علاقاتك هي الانعكاس النّهائي لجوهرك وحقيقتك، فتحلّى بالصدق مع نفسك وشريكك بشأن مشاعرك لتكون في علاقة هانئة وسعيدةٍ.

اقرأ أيضًا: ولأن الأصل غلّاب: لا تترك شريكك الذي يتمتع بهذه السمات.. ❤

0

شاركنا رأيك حول "إدمان الفتوحات العاطفيّة: كيف يصبح تعدد العلاقات العاطفية استنزاف لا طائل منه على كل المستويات"