سواء كان التسويق علمًا أم ممارسة، فالشيء المؤكد أن طرق التسويق، فضلًا عن نظرياته، متجددة دومًا، فالأمر لا يقتصر على ظهور مفاهيم حديثة بين فينة وأخرى مثل التسويق العصبي Neuromarketing أو التسويق الحسي Sensory Marketing.. إلخ، وإنما هناك طرق جديدة يتم اعتمادها في الممارسات التسويقية بشكل مطرد.

وإذا كان التسويق، حسب فيليب كوتلر، هو تأسيس علاقة مربحة طويلة الأمد مع العملاء، فإن هذه العلاقة لن تكون إلا عبر التأثير فيهم، واللعب على أوتارهم الحساسة.

من هنا تأتي كل المحاولات والممارسات التسويقية الجديدة والغريبة التي قد يصل بعضها إلى حد اللامتوقع كما قد نرى بعد قليل.

سوف تندرج كل الطرق التي سنأتي على ذكرها في هذا المقال تحت ما يسمي بـ التسويق العصبي "Neuromarketing Marketing" وهو عبارة عن تكتيك إعلاني يهدف إلى جذب واحدٍ أو أكثر من الحواس البشرية الخمس: البصر والسمع والشم والتذوق واللمس؛ لإنشاء ارتباط عاطفي بمنتج أو علامة تجارية معينة.

 تعمل استراتيجية العلامة التجارية الحسية الناجحة على استغلال معتقدات ومشاعر وأفكار وذكريات معينة؛ لصنع صورة العلامة التجارية في ذهن العميل. على سبيل المثال، إذا كانت رائحة توابل اليقطين في أكتوبر تجعلك تفكر في ستاربكس، فهذا ليس من قبيل الصدفة.

اقرأ أيضًا: التسويق العاطفي من منظور علمي.. كيف تستهدف الحملات التسويقية مشاعرك لصالحهم؟

التسويق العصبي..."التسويق بالروائح"

البخور طريقة تستخدم عند نوع من التسويق العصبي، التسويق بالروائح

التسويق بالروائح Scent Marketing طريقة شائعة الاستخدام في التسويق العصبي، وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك، منها:

  • مرافق الرعاية الصحية التي تستخدم رائحة مهدئة لتهدئة أعصاب المريض.
  • غالبًا ما تشتمل صالات الألعاب الرياضية ومرافق اللياقة البدنية على روائح مشرقة ومنشطة تلهم الحماس وتجعل الأعضاء يشعرون بمزيد من الاستعداد للتمرن.
  • تشتمل مجتمعات كبار السن بانتظام على عطر مهدئ؛ لمساعدة المقيمين الجدد وعائلاتهم على الشعور بمزيد من الاسترخاء خلال العملية المرهقة للاختيار والانتقال إلى مسكن جديد. 

وهناك العديد من الفوائد للتسويق بالرائحة ويمكنك أن تتوقع عائدًا قويًا على الاستثمار، فقد كشفت بعض الدراسات أن استخدام الروائح في التسويق أسهم في زيادة معدل رضا العملاء بنسبة 20%، وأدت هذه الطريقة إلى زيادة يومية في مبيعات التجزئة قدرها 11%. كما حدث تحسن بنسبة 8% في درجات الرضا عن جودة الطعام، دون إجراء أي تغييرات على الطعام المقدم، باستثناء استخدام الرائحة.

"التسويق باللمس" من أنواع التسويق العصبي

التسويق العصبي التسويق باللمس

اللمس هو أحد أبسط الطرق للتفاعل والتواصل مع البيئة من حولنا وهو أيضًا من أنواع التسويق العصبي. عندما يلمس المستهلكون المنتجات ويشعرون بها، فإن ذلك يساعدهم على تقييم المنتج وربطه بالجودة. 

يمكن أن يمتد شعور العلامة التجارية إلى ما هو أبعد من مجرد منتج؛ فقد يشمل التغليف أو تجربة تحمل علامة تجارية.

كتبت كلير هيفرون من The Inspired Treehouse: "هناك علاقة بين اللمس والمراكز العاطفية في الدماغ؛ ما يساعدنا على اتخاذ القرارات وتذكر التفاصيل حول التجارب اللمسية التي نجدها ممتعة وتلك غير الممتعة".

ونظرًا لأهمية اللمس في التسويق العصبي وتأثيره الحاسم في العملاء، فقد عمدت العديد من العلامات التجارية مثل Best Buy و Apple Store إلى اعتماد تلك الطريقة.

كتب ريك شيلوت في كتابه The Power of Touch: "وجدت الدراسات الحديثة أن اللمسات التي تبدو غير مهمة تؤدي إلى إكراميات أكبر للنادلات، وأن الناس يتسوقون ويشترون المزيد إذا لمسهم أحد من المتجر".

وتظهر الأبحاث في هذا الصدد أن اللمس الشخصي الفعلي، مثل المصافحة أو التربيت الخفيف على الكتف، يقود الناس إلى الشعور بالأمان وإنفاق المزيد من المال. كما أظهرت بعض الدراسات أن النادلات اللواتي يلمسن رواد المطعم يحصلون على المزيد من الإكراميات.

سيكولوجية الألوان

تقول أبحاث علماء النفس إن 62% إلى 90% من قرارات الاندفاع بخصوص منتجات بعينها تعتمد على الألوان وحدها؛ لهذا السبب، يُكثر المسوقون من استخدام الألوان بشكل هادف في التصميمات.

وتلك مسألة يُعنى بها علم نفس اللون الذي هو دراسة الأشكال كطريقة لفهم السلوك البشري والتنبؤ به والتأثير عليه.

في الواقع، تُظهر الأبحاث أن توقع رد فعل عملائك على اللون وعلاقته بعلامتك التجارية أكثر أهمية من اللون الفعلي نفسه، كما أن 93% من المستهلكين يعدون المظهر المرئي هو العامل الحاسم الرئيس في قرار الشراء.

وفيما يلي نرصد استخدامات بعض العلامات التجارية الرائدة لواحدة أو أكثر من الطرق السابقة (اللمس، الشم، النظر)، وذلك على النحو التالي:

Facebook 

مارك زوركبيرج

استخدام Facebook للون الأزرق أمر منطقي؛ فما الذي يمكن أن يكون أكثر ملاءمة لعلامة تجارية ربطت العالم كله وجعلته فعلًا قرية صغيرة من هذا اللون؟

 يتلاءم استخدام الألوان بشكل جيد مع الصورة الصادقة والصلبة جدًا لمشاريع شبكات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، مثل Yahoo، لم تختر العلامة التجارية الزرقاء كما يبدو. 

في مقابلة مع The New Yorker، أوضح Mark Zuckerberg مؤسس فيس بوك: أن اللون الأزرق هو اللون الذي يمكنه رؤيته بشكل أفضل، مؤكدًا أنه أنسب كثيرًا من اللونين الأحمر والأخضر.

Target 

تلك علامة تجارية معروفة باللون الأحمر الفاتح. بدأ شعارهم كما لو كان عين ثور حمراء مع وضع اسم العلامة التجارية في الوسط، ولكن عندما أصبح الناس يربطون الرمز بالمتجر، لم يعودوا بحاجة إلى استخدام النص. 

ما يثير الاهتمام في تسويق Target هو أنهم يحافظون على الإيقاع "الأحمر"، ويظلون صادقين مع الشخصية المتفائلة والشغوفة بالحياة طوال الوقت.

Amazon 

أمازون هي علامة تجارية تستخدم اللون الأصفر في شعارها؛ لتوصيل الرسالة الإيجابية والترحيبية. 

يستخدم شعار Amazon سهمًا أصفر للانتقال من الحرف a إلى z، ملمحًا إلى شخصيتهم "نحن نبيع كل شيء". كما يوضح شكل الابتسامة الذي رسمه السهم الأصفر الصورةَ السعيدةَ التي تسعى إليها هذه الشركة. 

 Burger King

رائحة  Burger King كوسيلة في التسويق العصبي

في اليابان، استخدم برجر كنج رائحة اللحم المشوي؛ لزيادة شهية المستهلكين والترويج للبرغر اللذيذ. وتضخ قنوات التهوية في المطاعم التابعة لهذه العلامة هذه الرائحةَ الجذابة في جميع أنحاء المكان؛ لتحفيز شهية قوية لدى أولئك المستعدين لتناول الطعام.

Starbucks

تتغلغل الرائحة الواضحة للقهوة الطازجة وحبوب القهوة الغنية الداكنة في كل موقع من مواقع ستاربكس، وهذا ليس مجرد منتج ثانوي لما يتم بيعه في هذا المقهى الراقي. يضيف ستاربكس رائحة القهوة إلى نظام التدفئة والتهوية وتكييف الهواء لمزيد من تغطية الهواء مع التذكير بشراء القهوة. 

Cinnabon

تحرص Cinnabon أن تكون متاجرها مصممة بحيث تكون الأفران بالقرب من الجزء الأمامي من الموقع بدلًا من الجزء الخلفي من المطبخ. 

يسمح هذا الوضع لرائحة القرفة الطازجة بملء المنطقة المجاورة مباشرة للمحل؛ ما يحفز المستهلكين على القدوم لتناول الحلوى.

Visa 

بدأت Visa في دمج تجربة العلامات التجارية الحسية في نهاية معاملات مستخدميها؛ لأنهم اكتشفوا أن الصوت يلعب دورًا في كيفية قيام المستهلكين بعمليات الشراء.

بمجرد أن يستخدم حامل بطاقة Visa بطاقته وتكتمل معاملته رسميًا، يسمع المستهلكون صوتًا فريدًا، وهو صوت عملت الشركة طويلاً وبصعوبة على إتقانه. عندما يسمع العملاء هذا الصوت، فإنهم يعرفون أنه تم الانتهاء من عملية الشراء بنجاح وأمان. 

يعزز صوت Visa Checkout الشعور بالثقة والأمان الذي يربطه المستهلكون بالعلامة التجارية ذاتها.

Apple 

تستغل شركة Apple العديد من الحواس في آنٍ واحد من خلال علامتها التجارية. متاجرها، على سبيل المثال، كلها بيضاء وبسيطة ونظيفة، وهذا يمنح العملاء شعورًا بأنهم مع شركة تقنية حديثة وأنيقة وعالية الجودة، وتوفر علب منتجاتها نفس الشعور بمظهر مماثل.

بالإضافة إلى البصر واللمس، تستهدف Apple عملاءها من خلال الصوت؛ على سبيل المثال، عندما يذهب أحد مئات الملايين من مستخدمي iPhone لإغلاق أجهزة iPhone الخاصة بهم، فإن الأجهزة جميعها تصدر صوتًا متشابهًا ويمكن التعرف عليها، وهو صوت لا ينسى. وهذا الصوت عالمي بين جميع أجهزة iPhone ما يوفر إحساسًا بالاتساق والألفة.

Mastercard

تستخدم Mastercard الصوت؛ لربط المستهلكين بعلامتها التجارية؛ عبر استخدام بطاقاتهم الائتمانية "الهوية الصوتية" على وجه الدقة. 

حيث يسمع المستهلكون الصوت عند إتمام العملية، من المفترض أن يرمز الصوت إلى تقاطع الدوائر الحمراء والصفراء في شعار Mastercard.

هذا الصوت هو شكل من أشكال التسويق العصبي التي يسمعه المستهلكون في أثناء التسوق باستخدام بطاقات Mastercards الخاصة بهم عبر الإنترنت وفي المتاجر وفي أثناء استخدام البحث الصوتي. 

يوفر هذا إحساسًا بالأمان والانسجام؛ إذ يعرف المستهلكون أن معاملاتهم كانت ناجحة عند سماع هذا الصوت المألوف. علاوة على أن هذا الصوت لا يزال يوفر تجربة مرئية خيالية للعملاء أيضًا.

علامات تجارية أخرى استخدمت السويق العصبي

علامات تجارية مثل Soup Campbell وGerber وFrito-Lay استخدمت التسويق العصبي لإعادة تصميم العبوات الخاصة بها؛ حيث عرضت للمستهلكين اختيارات تغليف المنتج نموذجًا تلو آخر، وتم تسجيل ردهم، ثم تحليل المعلومات التي أدت في النهاية إلى تغيرات في عناصر العمل.

وأفاد بأنه تم استخدام هذه المعلومات بعد ذلك بالتزامن مع مقابلة معمقة؛ لتحليل نقاط معينة أدت في النهاية إلى تغييرات في عناصر مثل اللون وحجم النص والصور، لافتًا إلى أن فريتو لاي، على سبيل المثال، اكتشف أن الأكياس اللامعة التي تحتوي على صور للرقائق سببت انزعاجًا للمختبرين، وأشاح المتطوعون نظرهم عنها بعد فترة قليلة من العرض، ما دعا الشركة إلى تصميم أكياس جديدة غير لامعة.

هيونداي وبايبال

شركة هيونداي استخدمت، هي الأخرى، التسويق العصبي عندما أعطت ثلاثين مشاركًا قبعات EEG (قبعات تقنية ترصد إشارات المخ)، وطلبت منهم فحص نموذج أوليّ لسيارة لمدة ساعة، قامت على إثرها بتحليل تلك التجربة، وإعادة تصميم أجزاء من السيارة وفقًا لتلك التحليلات.

كما اكتشفت PayPal أن حملاتها الإعلانية التي تركز على السرعة والراحة أثارت استجابة أعلى بكثير من تلك المتعلقة بالسلامة والأمن، فطورت حملات إعلانية جديدة تمامًا استنادًا إلى النتائج السابقة.

STA Travel وتتبع العين

تستخدم شركات مثل STA Travel ميزة تتبع العين لمعرفة ما إذا كان المحتوى الذي يحمل علامة تجارية من إنشاء الكمبيوتر يجذب انتباه الناس في مواقع الويب أو في البيئات الافتراضية مثل Second Life.

يستخدم المعلنون مسارات التحديق لتحديد ما إذا كان المشاهدون ينظرون إلى المنتجات الموضوعة في البرامج التلفزيونية، وإذا كان الأمر كذلك، فكم عدد الثواني بالضبط.

التكنولوجيا دقيقة للغاية لدرجة أنها يمكن أن تساعد المعلن في تحديد كيفية إنشاء الصور والفيديوهات؛ على سبيل المثال، ما هو أفضل مكان لوضع زجاجة كوكاكولا تلك على طاولة المحكمين في أثناء تصوير أمريكان أيدول؟

يمكنك أنت أيضًا استخدام هذه الطرق في نشاطك التجاري، فلو كان لديك مطعم فالألوان الدافئة كالأحمر والأصفر تحرك الشهية، لاحظ هذا في كبرى الأسماء التجارية للأطعمة، و استخدام مباخر العطور المهدئة في مراكز مراجعة العملاء، تساعد العميل على الاسترخاء واحتمال فترة الانتظار. تفاصيل صغيرة قد تترك أثرًا كبيرًا على عائد نشاطك التجاري فلا تهملها.