أفلام هيتشكوك
0

يسأل ألفريد هيتشكوك متعجبًا “لماذا يدفع الناس المال كي يخافوا؟” رد المذيع إليه السؤال بسؤال آخر “هل تعرف الإجابة؟” فيرد هيتشكوك “كلا هذا مصدر رزقي، لولاه لجاعت زوجتي وابنتي“ إذا تتبعت حوارات السيد هيتشكوك ستجده يملك حس الدعابة ومع ذلك قرر أن يخيف الجميع بعدما خاف كثيرًا في صغره.

عاش هيتشكوك طفولة صعبة لأبوبين قاسيين فتخيفه أمه في أشهره الأولى، ويرسله أبيه إلى الشرطة عقابًا عن خطأ اقترفه ليدخل الزنزانة لمدة عشرة دقائق جعلته يهاب الشرطة طيلة حياته، وتلك الطفولة الجافة -والتي عاش فيها شخصًا انطوائيًا- أثرت في صناعته للسينما والتي تعتبر الآن مدرسة خاصة باسمه.

أقرأ أيضًا: التحليل النفسي: علم أم علم زائف؟

أن تعرف أكثر من البطل

كانت تلك أحد تيمات هيتشكوك الإخراجية رغبة منه في زرع حالة من الإثارة عند الجمهور ويوضح تلك الفكرة أحد أشهر تشبيهاته فيقول “إذا جلسنا أنا وأنت على طاولة نتحدث ثم فجأة انفجرت قنبلة بماذا سيشعر الجمهور؟ صدمة لمدة ٥ أو ١٠ ثواني، ولكن إذا قُمنا بإعادة المشهد مرة أخرى وأوضحنا للجمهور أن هناك قنبلة موجودة تحت الطاولة ستنفجر بعد ٥ دقائق، سيشعر الجمهور بالإثارة طوال تلك المدة”، بالطبع كان عبقريًا ويستحق لقب سيد التشويق.

نرى تلك النظرية في أحد أشهر مشاهده من فيلم psycho مشهد البطلة أثناء الاستحمام حيث تشعر بأن شيئًا غريبًا سيحدث من كادرات ألفريد غير المألوفة ومن ثم نرى الخطر من وراء الستار وبعدها تبدأ الصدمة، وروعة هذا المشهد في المونتاج المستخدم، حيث قام بقطع ٧٨ لقطة في ٤٥ ثانية بحيث لا تلامس السكينة جسد المرأة ومع ذلك تعالت صرخات الخوف في صالات العرض أثناء المشاهدة، واستخدم نفس الأسلوب في فيلم the birds حيث أن عددًا هائلًا من الطيور -ويقول هيتشكوك أنه دُرب ٣٢٠٠ طائر من الغربان لأنهم الأذكى- تهاجم أحد المدن فنرى في الخلفية تجمعًا كبيرًا منهم خلف البطلة التي تجهل وجودهم، ثم فجأة تهاجم الطيور المدينة. بناء عبقري وصورة ممتازة لإبراز التشويق.

 

إذا قام أحد الرسامين برسم لوحة تفاح هل يهم أكان حلوًا أم مرًا؟ هذا لا يهم، كان ذلك تشبيه ألفريد في شرح فلسفته الخاصة التي لا تهتم بقصة الفيلم وإنما كيفية معالجة المادة الفلمية تلك لخلق مشاعر عند الجمهور.

امتازت مدرسة هيتشكوك أيضًا بظهوره شخصيًا في الكثير من أفلامه، كعابر في الشوارع أو كمواطن يحاول أن يستقل الباص أو حتى على ورق الجرائد، كما كانت أحد عناصر هيتشكوك التى امتاز بها هي وجود السلالم فقد جعلها أحد مسارحه، وأثناء صعود المحقق السلم في فيلم psycho بعدما عرف مكان القاتلة التي يبحث عنها، وإذ فجأةً تداهمه السكين في وجهه، وتتجلى تلك الفكرة في فيلم vertigo فكانت الكاميرا تسير مع البطل أثناء صعوده السلم، محاولًا تخطي خوفه من المرتفعات ليحاول أن يصل إلى حبيبته، تلك بعض ملامح من سينما ألفريد هيتشكوك، ولكن ما علاقتها بفلسفة سيغموند فرويد!

فلسفة فرويد وما علاقتها بهيتكشوك

قبل إسقاط فلسفة فرويد على أفلام ألفريد علينا أولًا أن نعرف ما هي نظرية فرويد للتحليل النفسي بشكل مبسط، يقول فرويد إن الإنسان كجبل الثلج ما يظهر منه على السطح يمثل حوالي ١٠ أو ٢٠٪ منه بينما ما تحت الماء -حيث باقي الجبل- تكمن باقي النسبة من الإنسان ألا وهي ٩٠ أو ٨٠٪.

يمكن تحليل النفس البشرية بحسب كلام فرويد إلى ثلاثة أقسام (الأنا والهو والأنا العليا) الهُو (id) تعني غرائز وشهوات الإنسان التي تحركنا، تلك الغرائز التي نلبيها من أجل حاجتنا البيولوجية وهذا قسم غير واعي، أي لاشعوري عند الإنسان.

بينما الأنا العليا (super ego) تعني القيم والمبادئ التي يتحلى بها الإنسان والتي تعمل عَمل الضمير الحيّ فتشعر بالذنب إذا كسرت أحد قواعدك أو تشعر بالسعادة لعدم مخالفتك إياها، ببساطة يمكننا القول إنها رقيبة أفعالك وتحثك على إرثاء قيمك ومبادئك.

ثم نأتي إلى الأنا (ego) وهي مزيج بين الهُو والأنا العليا وكأنها تشبه الميزان فتحاول أن توازن بينهما، فإذا رجحت كفة الأنا العليا وجدنا أمامنا شخصًا مثاليًا وأخلاقيًا أما إذا رجحت كفة الهُو فيظهر لنا شخص حيواني وشهواني، فالإنسان منّا يحاول أن يوازن بينهما طيلة حياته تلك نظرية فرويد باقتطاب، لكن ما دخلها بهيتشكوك!

 

يوجد الكثير من أفلامه يمكننا تطبيق تلك النظرية عليها ولكن سأختار فيلم psycho كأحد أشهر أفلامه ويعتبر أبرزهم في توضيح الفكرة مع فيلم Vertigo أيضًا.

تبدأ الأحداث بهروب جانيت لي البطلة من الشركة التي تعمل بها بعد اختلاس مبلغ كبير وتقرر أن تستريح في الفندق الذي تُقتل فيه أثناء الاستحمام، تدور القصة في حالة من الغموض وتنحل العقدة في النهاية.

نورمان بيتس القاتل كان ضحية ومثالًا حيًّا لنظرية فرويد حيث عانى في طفولته من إهمال أمه بعد زواجها مما جعله يفقد الثقة في نفسه، وهذا بمثابة سقوط حُر للأنا (ego) وبمرور الوقت تعالت رغبة الانتقام داخله فقتل أمه وحبيبها ولم يكتفِ بذلك بل بدأ يقتل العديد من النساء اللواتي وقع في حبهن، ولكن ليس بشخصيته الحقيقة وإنما بشخصية أمه التي سكنته كليًا حيث كان يرتدي ملابسها ويتعامل على أنه هي، فكان يقتل بشكل غير واعي ولاشعوري في انتصار واضح للهو (id) مما أنتج شخصًا حيوانيًا قاتلًا.

 

هذا الإسقاط السينمائي يمكنك تطبيقه في الكثير من أفلام ألفريد التي تلاحقك فيها نظرية سيغموند فرويد النفسية مع أغلب الشخصيات، حيث دائمًا ما كانوا في صراعات بين الهُو والأنا العليا، ويمكنك أن تقرأ أكثر عن نظريته في كتابه الأنا والهُو، والآن بعدما عرفت الفلسفة الخاصة لكُل واحد منهم في مجاله، تُرى من تتبع أنت؟ فرويد أم هيتشكوك؟

أقرأ أيضًا: أفلام مشوقة تبدو خارجة من عالم هيتشكوك

0

شاركنا رأيك حول "سينما هيتشكوك التي تأثرت بفلسفة سيغموند فرويد"