زراعة الوجه بين مطرقة إنقاذ الحياة وسندان أخلاقيات المجتمع

زراعة الوجه بين مطرقة إنقاذ الحياة وسندان أخلاقيات المجتمع
كوكب كلية
كوكب كلية

5 د

كانت ولا تزال العديد من المشاكل الصحيّة المتعلّقة بالإنسان غير قابلة للحل، وتطول قائمة الأمراض العضال التي لا شفاء منها. وهذا بالرغم من التطوّر الهائل الذي حققته البشرية على صعيد الصحة والدراسات النسيجيّة والفيزيولوجيّة. بالإضافة إلى القفزات الهائلة في علم الكيمياء الحيويّة ووسائل التشخيص السريري والمخبري والشعاعي. ولكون الإنسان لا يقف عند حدٍّ من التطوّر ولا يستسلم لمجريات الأمر الواقع بسهولة؛ استمرت البشرية في تطوير وسائل عديدة وخلق أفكار وتطوير نظريّات متعدّدة منها ما كان قابلاً للتنفيذ ومنها ما يزال محض الخيال. وهنا يجب الحديث عن زراعة الوجه يا رفاق.


تاريخ زراعة الأعضاء بشكلٍ عام

هنا لن نتحدث عن زراعة الوجه بالتحديد؛ فيجب التمهيد أولًا.

إحدى الأفكار التي دخلت حيّز التنفيذ كانت زراعة الأعضاء البشريّة في حال قصورها وعدم قيامها بوظائفها. وهنا بدأ التاريخ بنقل الأعضاء من الحيوانات بدايةً، إلى البشر، ومن ثم أصبح المصدر الرئيسي للأعضاء البشرية من مرضى الموت الدماغي والمتبرعين. ولعلّ المستقبل يجعل من مزارع الأعضاء البشرية في المخبر المصدر الأساسي للأعضاء، وكل ذلك بهدف إطالة عمر البشرية وتحسين حياة الأفراد. وفي هذا الصدد نجحت أول عملية زراعة كلية في عام 1954 وتلاها نجاح زراعة الكبد في عام 1967 والقلب في 1968. وتعدّى الأمر تلك الأعضاء الحيوية وصولاً لأكبر أعضاء الجسم وهو الجلد.

اقرأ أيضًا: العلوم في أسبوع: مصادم جسيمات عملاق، وموجة حر غير مسبوقة!

حمل عام 2005 تغيّراً جذرياً في تاريخ الجراحة التجميلية والتصنيعية بالإضافة لزراعة الأعضاء؛ إذ تمكّن طاقم كبير ومتخصص من الجراحين في الشمال الفرنسي في مستشفى جامعة ليون -برئاسة الدكتور دوبيرنارد Dr.Dubernard- من إجراء أول زراعة وجه ناجحة للسيدة إزابيل دينوري Isabelle Dinoire. والتي كانت تبلغ من العمر 38 عاماً آنذاك. بعد إصابتها بحادث أدى إلى تشوّه كبير في وجهها.

ذو صلة

لتتالى عمليات زراعة الوجه حول العالم وفي دول متعدّدة، بما يزيد عن 40 عمليّة خلال 12 عاماً من بعد تاريخ أول عملية. مع نشر أبحاث متعدّدة ووضع قواعد عامة وخطوات علمية لهذه الإجراءات.


إزابيل دينوري قبل الحادث وبعد جراحة زراعة الوجه

إزابيل دينوري قبل الحادث وبعد جراحة زراعة الوجه

لماذا زراعة الوجه بشكلٍ خاص؟

لأنّ الحياة لا تقتصر على الجانب الوظيفي فقط، بل تتعداه إلى الجانب الجمالي والروحي والنفسي. أقدم الطب الحديث على التفكير في زراعة الوجه بأكمله، بعضلاته الثلاثة والأربعين التي تستطيع إعطاء أكثر من 10.000 تعبير مختلف. تتغير باستمرار وتحدث بلمح البصر وبأجزاء من الثانية أحياناً، بالإضافة لعناية البشر بوجوههم وتزيينها، لأنها أولى وسائل التواصل فيما بينهم، والتي قد تختل بشكلٍ كبير لعديدٍ من الأسباب:

  • الحروق الكبيرة.
  • أورام الجلد المختلفة.
  • الإصابات العنيفة، كحوادث السير والسقوط من شاهق.
  • أورام العظام المسطّحة، التي تصيب الفكين والوجنتين.
  • الكثير والكثير من التشوهات الولاديّة والصبغيّة والوراثيّة.
  • الأورام العصبية التي تؤدي لموت وتنخّر وشلل في عضلات الوجه.
  • أعمال العنف كإصابات الطلق الناري والشظايا الحربيّة والطعنات المتعدّدة.

تحذيرات ومخاطر لجراحة زراعة الوجه

رغم أن عمليات زراعة الوجه التي تخطت الـ 40 قد تم إجراؤها خلال فترة زمنية مقبولة، ولمرضى مختلفين تتراوح أعمارهم ما بين 20-60 سنة، إلا أنّ بعضهم قد توفي بسبب عدّة اختلاطات وأهمها:

  • جراحة زراعة الوجه التي قد تطول لأكثر من عشر ساعات، مع طاقم كبير من الجراحين المختصّين ومساعدي الجراحين. مما يحمل خطورة أعلى بسبب التخدير الطويل، وخسارة الدم، وإنهاك الطاقم الذي قد يسبّب الأخطاء.
  • رفض جسم المريض للخلايا الجديدة الآتية من متبرع، والذي يكون في هذه الحالة من شخص متوفى حديثاً أو مريض موت دماغي أعطى تصريح الموافقة بنقل وجهه بشكل قانوني.
  • كأثر جانبي للأدوية الكابحة للمناعة والتي تُعطى قبل وبعد الجراحة ولمدى الحياة بهدف تخفيف فعاليّة جهاز مناعة المتلقي. حتى لا يهاجم الوجه الجديد، مما يضعف المناعة عموماً ويجعل المريض أكثر عرضة للإنتانات الفيروسيّة والجرثوميّة.

صعوبات وتحديات زراعة الوجه

زراعة الوجه - مريض

تُجرى العديد من الفحوصات والتجهيزات للمريض المُرشّح لخوض جراحة زراعة الوجه بالطبع، بالإضافة إلى إيجاد المتبرع المناسب، والتي تُعتبر من الخطوات الحاسمة لإجراء العمل الجراحي. كما يؤخذ بالحسبان المركز الطبي المتخصّص والطاقم الطبي المؤهل لإجراء الجراحة.

ومتابعة المريض من نواحٍ متعدّدة بعد الانتهاء من الجراحة، ولفترةٍ طويلة. كما تعتبر احتمالية إجراء الجراحة على عدة مراحل ولعدّة مرات أمراً وارداً ومستطباً في العديد من الأحيان.

ويُمكن تلخيص أهم التقييمات التي تُجرى قبل الجراحة:

  • تحديد الزمرة الدموية، والبصمة النسيجية.
  • لون البشرة المتناسب مع لون بشرة المتبرع.
  • تقييم الوظيفة التنفسيّة والمضغ وحركة طرف العينين.
  • إصابة في الوجه لا يُمكن التعايش معها ولا يمكن إصلاحها بالطرق التقليديّة والمعروفة.
  • إعطاء الأدوية الكابحة للمناعة وضبط الحيويّات والتأكد من سلامة الجسم بشكلٍ كامل من الأمراض.
  • تناسب عمر المريض مع عمر المتبرع، فليس من المنطقي زراعة وجه لمريض ثلاثيني من متبرع ستيني.
  • فحوص شعاعية مُتعّددة بسيطة – X-rays، والطبقي المحوري – CT، والمرنان المغناطيسي – MRI، والتصوير والوعائي الظليل، وتخطيط الأعصاب الكهربائي.
  • عدم وجود سرطانات غير معالجة لدى المريض الذي ستُجرى له جراحة زراعة الوجه بشكلٍ عام. أو أمراض مزمنة لا شفاء منها وتؤثر على الجراحة الكبيرة. كالسكري وأمراض القلب، وأمراض المناعة الذاتية.
  • تناسب في حجم الوجه المزروع وحجم وجه المريض. والذي ساعدت فيه التكنولوجيا الحديثة برسم خرائط طبوغرافية للوجه. مع إمكانية دراسة احتمالية التوافق وتوقع النتائج قبل إجراء الجراحة.

الفوائد الحياتية والقضايا الأخلاقية

زراعة الوجه - مريضة

تكمن أهم الفوائد في تغيّر حياة المريض بشكل جذري تماماً مما يسمح بـ:

  • تحسين وظائف الوجه المتعدّدة وتقليل المعاناة والألم. بما فيها القدرة على التنفس بشكل جيد وتحسّن النطق والمضغ والبلع. بالإضافة إلى ازدياد القدرة التعبيرية في عضلات الوجه.
  • تحسين الناحية الجمالية والنفسية، حيث ينتقل المريض من حالة مشوّهة أو قريبة من التشوه والتي تُسبب له الانعزال الاجتماعي والكآبة وعدم القدرة على ممارسة حياته الطبيعية، إلى حالة يكون فيها شخصاً بوجه قريب جداً للطبيعي. مما سيرفع ثقته بنفسه وقدرته على التعايش والعمل بشكل طبيعي أو شبه طبيعي.

وكل هذه الفوائد البالغة لجراحة زراعة الوجه تحمل في طياتها العديد من النقاشات والجدليّات. إذ أنّ التعافي الوظيفي للوجه قد لا يكون كاملاً أو كما المتوقع مما سيسبب سوء حالة عامة للمريض أو وفاته. كما أنّ التبرّع في الوجه يحمل مخاطر كبيرة في اختيار المتبرعين ومن يكونون.

بالإضافة إلى الرض النفسي لدى أسرة المتبرع، برؤية وجه فقيدهم على جسم أحدٍ آخر. كما هو الحال لدى أسرة وأصدقاء المتلقي. كما أنّ الشخص نفسه قد لا يتجاوز العقبة النفسية عند رؤية وجهه في المرآة التي سيعتاد فيها على رؤية شخصٍ آخر لم يألفه تماماً. لكنه على الأقل أجمل وأفضل من المشوّه السابق.

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة
متعلقات