وعادت الأندلس: خواطر أندلسيّة لحاضر يعانق الماضي بشغف! – الجزء الثالث

0

غرناطة .. باريس الحاضر والماضي !!

قبل أن أدخل باريس .. كُنت أتخيّلها جنّة الله على الأرض ، من كثرة ما سمعته عنها ، فأصبت بخيبة أمل كبيرة .. جعلتني أتركها بعد أقل من 24 ساعة من دخولها .. وغرناطة .. التي لا يعرفها للأسف كثير من شباب المسلمين فيها ما هو أجمل من باريس .. فإن كان في باريس بُرج أيفيل .. ففي غرناطة قصر الحمراء .. وإن كان في باريس نهر السين ففي غرناطة نهر شنيل البديع المتدفق من جبال الثلج الساحرة ( سيّيرا نيفادا ) .. وإن كان في باريس حي سان جيرمان ففي غرناطة حي البيازين الذي يشع بهاءً وحضارة ً ، علّمت باريس : كيف تكون الحضارة !!

ليست كنيسة .. إنما كنائس !

أندلسية في دقيقة 🙂

إذا سألت أي إسباني في قُرطبة عن الـ (( مُوسيكتَّا La Mezquita )) والتي تعني مسجد .. سيجيبك بكُل سرور .. ويدلّك على الطريق .. وهم يعلمون حينها أنك تقصد مسجد مدينتهم .. مسجد قُرطبة الأعظم .. ولست بحاجة أن تُسميه كما يريد البعض بالكاتيدرال ( الكنيسة ) .. و ما إن تدخله .. حتى تجد نفسك في مسجد فخم .. عظمته تُذكرك بالمسجد الأقصى في القدس .. ولكنه لم يعد مسجد .. إنما مُجمع كنائس .. صُلبان وتماثيل وأكثر من كنيسة .. عشرات المُصلين النصاري يرتلون الإنجيل ويقيمون الصلوات .. وآخرون يكتفون بالفخر بهذا الظفر القشتالي على الإسلام.. وأنت ، يا ويلك ، إن تجرأت وصليّت رُكعة لله فيه !!

أغارُ عليكِ .. !

هُناك .. في مدينة الفلسفة والعشق .. في مدينة ابن رشد وابن حزم .. بينما أن تخطو خطواتك الأولى خارجاً من أسوارها .. من أسوار قُرطبة .. وفي تلك الحديقة الغنّاء .. تجذِبك تلك الحُروف البديعة .. تلك الحروف العربيّة .. وهي تُطرز حكاية عشق أندلسيّة .. جمعت الأميرة العاشقة ولادة والشاعر ابن زيدون :

أغار عليكً من عيني ومني … ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتكُ في عيوني … إلى يوم القيامه ما كفاني

معركة جاليرا .. حجارة مُقابل مدافع !!!

إذا كُنت تعتقد أن الإسلام إنتهى من الأندلس بسقوط غرناطة في القرن الخامس عشر ( 1492 ) فلا شك أنك مُخطئ ولا شك أنك لا تعرف ثورة غرناطة الكُبرى في القرن السادس عشر ( 1568-1570م ) والتي أطلقها المورسكيين في غرناطة ثم انطلقت إلى جبال البشرات Las Alpujarras وقادهم فيها آخر سلاطين الأندلس محمد بني أمية ( فرناندو دي بالور ) وقد كانت الثورة في بدايتها مُشابه جداً بأسلوب الإنتفاضة الفلسطينية ثم إضطر المورسكيين بعد ذلك لإختراع حرب العُصابات وبرعوا فيها فأصبحت المعارك كتلك التي جبال تورا بورا في أفغانستان وقد استُخدمت فيها المدفعيّات والبنادق ولا زالت آثار المدفعية ظاهرة على مسجد المدينة الذي تحوّل إلى كنيسة .. وقد كانت جاليرا من أضرى المعارك وأقساها ، فقد استُشهد فيها 3000 مُجاهد بالإضافة إلى عشرات المتطوعين العُثمانيين ( الأتراك ) الذي جاؤا للمساندة .. وقد حوصرت المدينة حصاراً شديداً كانت نهايته أن قُتل كل أهل المدينة ، أطفالاً وشيوخاً ونساءً !!

وما ذلك .. بقي الإسلام في الأندلس حتى مرحلة لاحقة في القرن الثامن عشر ، نوضحها لاحقاً !!

وادي آش .. هُنا وُلد ” طرزان العربي “

خاطرة اندلسية .. تُقرأ في دقيقة واحدة تقريباً !

إذا كُنت في الأندلس .. ومررت على ديار وادي آش Guadix .. تذّكر أن إبن طفيل ، الفيلسوف والطبيب العبقري ، صاحب أجمل وأقوى قصة فلسفيّة في تاريخ العصور الوسطى ، وُلد وعاش في هذه المدينة .. وقصة حي بن يقظان ، التي كانت من القصص المُلهمة لقصة روبنسن كروزو وماوغلي وطرزان مع أن حي بن يقظان ، يبقى أكثر عبقرية من كل المذكورين سلفاً ، فقد كان بارعاً في شتى العلوم وكانت قصته تمثيلاً لخلاصة جوهر الصراع بين ( النور الإلهي ) الذي هو الوحي و ( النور الطبيعي ) الذي هو نور العقل البشري .. وقد لخص فيها إبن طفيل كل ما وصلته العلوم فيه عصره بأسلوب قصصي مشوق !!

فسلام عليك يا ابن طفيل .. وسلام على وادي آش .. وعلى الأندلس !

0

شاركنا رأيك حول "وعادت الأندلس: خواطر أندلسيّة لحاضر يعانق الماضي بشغف! – الجزء الثالث"